الفن والسياسة: من خرائط الغرب إلى تجارب العربد. عصام عسيري
منذ منتصف القرن العشرين، لم يعد الفن مجرّد زينة أو تعبير فردي منعزل، بل صار في قلب التحولات الكبرى، يواجه السلطة، ويُحاور المجتمع، ويُعيد طرح الأسئلة حول العدالة والحريّة. بهذا المنطلق تكتب مؤرخة الفن كلوديا ميش في كتابها الفن والسياسة، تاريخ صغير من التغيرات الاجتماعية منذ 1945 اللافت «Art and Politics: A Small History of Art for Social Change Since 1945»، محاولة أن ترسم خريطة مركزة لتاريخ الفن السياسي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث صار الإبداع ساحةً للتفاوض بين الفرد والجماعة، وبين الصورة والسلطة.أطروحة الكتاب:تؤكّد ميش أن الفن لا يصبح سياسيًا فقط حين يرفع شعارًا أو يعكس حدثًا، بل حين يُعيد توزيع الحساسيات: من يملك الحق في الرؤية؟ من يُقصى؟ كيف يتغير وعينا بالمشهد العام عبر اللوحة أو النحت أو الفيلم أو الجدارية؟ ولهذا، لا يقتصر الكتاب على اللوحات التقليدية، بل يشمل أشكال الأداء، الفيديو، الغرافيتي، والفن التشاركي الذي يُدخل الجمهور في صلب العمل. تقول ميش: «يتحدّى هذا الكتاب القارئ لاعتبار الأعمال السياسية المهمّشة جزءًا أصيلًا من تاريخ الفن الحديث والمعاصر».بنية الفصول وحقول الصراع:قسّمت المؤلفة كتابها إلى حقول صراع تاريخية: ما بعد الاستعمار، النسوية، مناهضة الحروب، الحركات البيئية، حقوق الميم-عين، ومناهضة العولمة. وبهذا يصبح التاريخ الفني خريطة لحركات اجتماعية، لا مجرد تسلسل لأسماء ومدارس.دراسات حالة:بيكاسو بلوحته الشهيرة غرنيكا، وألكسندر دينييكا في أعماله الاشتراكية، مثالان على الفن حين يتحول إلى بيان سياسي.Border Film Project: مشروع فوتوغرافي وثّق قضايا الهجرة والحدود، مقدّمًا الفن كوسيط أخلاقي.جوزيف بويز في مفهومه عن “النحت الاجتماعي”، حيث اعتبر أن «الشجرة عنصر من عناصر التجدّد… وقد كانت دائمًا شكلاً من أشكال النحت»، جاعلاً من الطبيعة نفسها مجالًا للنحت السياسي والجمالي.بياتريث دا كوستا ومشاريعها الرقمية، حيث وظّفت الإنترنت كأداة مقاومة بيئية ومعرفية.لماذا “تاريخ صغير”؟تسميه ميش “تاريخًا صغيرًا” لا للتقليل، بل لأنها تختار أمثلة دقيقة تعكس آليات اشتغال الفن سياسيًا، بدل أن تقدّم موسوعة ضخمة. إنه كتاب موجّه للقارئ العام والطالب الجامعي والباحث على حد سواء، يُوفّر أدوات لفهم ما أهمله تاريخ الفن التقليدي.التجارب العربية: قراءة موازيةإذا كان الكتاب يرسم خريطة عالمية، فإن العالم العربي بدوره قدّم خريطة موازية غنية، حيث ظلّ الفن مسرحًا لصراع السياسة والذاكرة.العراق: نصب الحرية وفن ما بعد الحربجواد سليم (1920–1961) قدّم في بغداد “نصب الحرية” (1961) الذي جمع رموز الحضارة السومرية مع روح ثورة 14 تموز. لم يكن النصب مجرّد منحوتة بل بيانًا سياسيًا بصريًا يلخّص آمال التحرر الوطني.بعد 2003، ظهر جيل جديد مثل ضياء العزاوي، سلام جبار، محمود شبر، فاخر محمد، كاظم نوير، أحمد الربيعي، وغيرهم العديد عبّروا بفنون الرسم والفيديو والأداء عن الحرب، الاحتلال، والانقسام الطائفي، والفساد السياسي، مجسّدين الذاكرة الجمعية كندبة حيّة.سوريا: من لؤي كيالي إلى غرافيتي الثورةلؤي كيالي (1934–1978) رسم الإنسان البسيط، ثم تحوّلت أعماله إلى مرآة للهزيمة والحرب.بعد 2011، صارت جدران إدلب ودمشق لوحات مفتوحة: رسوم عزيز أسمر حول البيوت المهدّمة صارت “صحفًا يومية” للناس.في المهجر، استثمر الفنانون السوريون الفيديو والفن التركيبي ليحملوا خطابًا عن المنفى والرقابة والذاكرة.مصر: من يوليو إلى ميدان التحريرفي زمن عبد الناصر، عكست جماعة “الفن المعاصر” (عبد الهادي الجزار، حامد ندا) هموم الهوية الشعبية في إطار سياسي قومي.بعد 2011، تحوّل ميدان التحرير إلى متحف مفتوح: غرافيتي محمد محمود وأعمال جنزير وعلاء عوض وكايرو كيتنز صارت أرشيفًا بصريًا للثورة، حتى لو أزالتها يد السلطة لاحقًا.خاتمة:يُظهر كتاب كلوديا ميش أن الفن والسياسة لا ينفصلان؛ فالفن يعيد تشكيل إدراكنا الجماعي، ويخلق إمكانات جديدة للفعل. لكن قراءتنا العربية تُظهر أن هذه الأطروحة ليست غربية فحسب: من نصب جواد سليم في بغداد، إلى غرافيتي محمد محمود في القاهرة، إلى جداريات إدلب، كلّها شواهد على أن الفن في منطقتنا لم يكن يومًا خارج السياسة، بل ظلّ شاهدًا وفاعلًا ومؤرّخًا للأمل والانكسار.إنها دعوة لإعادة كتابة تاريخ عربي صغير للفن والسياسة، تاريخ يدمج أعمالنا المهمّشة في السرد الكوني، ويُثبت أن اللوحة والجدارية والنصب ليست مجرد أثر بصري، بل نصوص سياسية بليغة تعيش أطول من الخطابات
لغلاف الكتاب ومن جميل إبداعات الفنانون العراقيون، أرجو تثروا الموضوع بأعمالكم التي ناقشت القضايا السياسة.#د.عصام العسيري#فيينقيا التشكيلية#مجلة ايليت فوتو ارت…


