بقلم د.علي خليفة
يمثل البحر في بعض المسرحيات – كمسرحية الراكبون البحر لجون سينج – ذلك الوحش القاهر، الذي لا يرحم كل من تسول له نفسه ركوبه والعمل فيه، وهو بمثابة القدر الغاشم في التراجيديات الإغريقية، بينما نرى البحر في بعض المسرحيات والروايات يظهر على أنه مكان غرائبي فيه كل ما تتخيله النفس من كائنات غريبة وحياة عجيبة، كتصور روث الشاعري الحالم في مسرحية ما وراء الأفق عن البحر، وكما نرى ذلك في رواية جزيرة الكنز لستيفنسون.
ولكننا في مسرحية أنا كريستي نرى رؤى متعددة مختلفة للبحر، ومن خلال الشخصيات الثلاث الرئيسة فيها نتعرف على رؤية كل واحد منها للبحر.
وبداية نرى رؤية البحار العجوز كريس للبحر على أنه شيطان رجيم قاس أشد ما تكون القسوة، كما أنه يسحر من يجذبهم إليه، فيجعلهم له أسرى، ولا يمكنهم من تركه، ويذكر كريس في هذه المسرحية أن كل المصائب التي حلت به في حياته كان سببها البحر، فهو يقول: إن البحر قد تسبب في موت أبيه، وغرق ولديه، كما أنه قد أبعده عن زوجته وابنته أنا سنوات طويلة؛ لأنه كان قلما يترك البحر، ويزورهما؛ لأن البحر كان طالما يشده إليه، ويعوقه عن ذلك بالرحلات المستمرة التي يقوم بها فيه كبحار وربان على بعض السفن.
وحينما يعرف كريس من ابنته أنا – التي جاءته بعد خمس عشرة سنة لم يكن قد رآها فيها – أنها حدثت لها مصائب عديدة كاغتصاب ابن خالتها لها وعملها في البغاء عامين – فإنه يوجه الذنب كله في ذلك للبحر الذي أبعده عن أسرته، وجعله يترك ابنته أنا بعد موت أمها عند خالها وأولاده.
أما الشاب القوي البنية مات فإن نظرته للبحر تختلف كثيرا عن نظرة كريس له، فالبحر عند مات هو معقل الرجال، وصانع الأبطال، وهو يتباهى بقوته الشديدة، وبعمله وقادا في بعض السفن – كشأن يانك في مسرحية القرد الكثيف الشعر ليوجين أونيل- وهو – في الوقت نفسه – يسخر من الأشخاص الذين لا يجرءون على العمل في البحر، ويستسلمون للعمل على اليابسة، كالعمل في الزراعة.
ولا تتغير هذه النظرة من مات للبحر طوال أحداث هذه المسرحية، وهو يسخر من كريس في اتهامه للبحر بأنه سبب كل مصائبه، ويرى أن ضعف شخصية كريس، وسوء تصرفه هما المتسببان في كل مصائبه، وليس للبحر بذلك أي علافة.
ولم يكن غريبا ونظرة مات للبحر هذه النظرة المعجبة به أن نراه في الفصل الأول من هذه المسرحية يقوم بمغامرة خطيرة فيه، فقد نجا وبعض رفاق قليلين له من الغرق في البحر بعد أن تحطمت سفينتهم، وتناقلت بعض الصحف قصة بطولة مات في هذه المغامرة.
ونصل الآن لنتعرف على رؤية الشابة الجميلة أنا كريستي للبحر في هذه المسرحية، وتختلف نظرتها تماما عن نظرة والدها كريس وعن نظرة مات له، فهي ترى أن البحر يمثل لها المطهر، والمخلص من الخطايا التي كانت قد ارتكبتها في حياتها.وكانت أنا قد أتت لوالدها في إحدى المدن، وعاشت معه بعض الوقت في سفينة راسية على الشاطئ، وعرفنا من حوارها معه أن الذي اضطرها للقدوم له – وكانت لم تره منذ خمس عشرة سنة، وكان عمرها آنذاك خمس سنوات – أنها قد مارست البغاء لمدة عامين، وقبض عليها مع فتيات أخريات في بيت البغاء الذي عملن فيه، وسجنت معهن لمدة شهر، ولكنها لم تتحمل السجن، فمرضت، ونقلت لمستشفى السجن، وبعد أن خرجت بعد شهر من سجنها وإقامتها في ذلك المستشفى شعرت بإعياء شديد، ورأت أنها في حاجة لفترة نقاهة؛ ولهذا اضطرت أن تذهب لوالدها.
وكانت أنا ترغب في فترة إقامة قليلة مع والدها في ذلك المكان قرب البحر، ثم تعود لعملها في ممارسة البغاء من جديد، ولكنها تتعرف في هذه السفينة الراسية على البحر على الشاب مات، وتحبه، ويحبها هو أيضا، وتشعر بعض وقت قليل أنها تغيرت، فلم تعد ترغب في العمل بالبغاء، بل شعرت أن البحر والحب قد طهراها من كل المخازي التي انساقت لعملها من قبل. وطلب مات يدها للزواج، وكان يظنها فتاة محترمة، وليست كبنات الهوى اللائي يصاحبهن البحارة للذة في بعض الموانئ، ولكنه عندما تخبره بحقيقة ماضيها يصعق من هول الصدمة، ويعاني معاناة شديدة، ولكنه لا يستطيع أن يبتعد عن أنا، فيعود إليها، ويعبر لها عن استمرار رغبته في الزواج منها، لا سيما عندما تقسم له أنه الرجل الوحيد الذي أحبته في حياته.ويبارك كريس – بعد بعض اعتراض – زواجهما على أنه قدر كل أسرته في أن يعمل رجالها في البحر، ويتزوج نساؤها من بحارة يعملون في البحر أيضا.


