تابعوا معنا (دمشق بين زمنين ) ..توثيق: خالد معاذ. عام ١٩٥٣م- وتوثيق :محمد البيرقدار. عام ٢٠٢٣م.

دمشق بين زمنين
توثيق خالد معاذ ١٩٥٣- وتوثيق محمد البيرقدار اليوم ٢٠٢٣
العمارة البرانية – مسجد القصب او الاقصاب ونلاحظ سكة الترامواي والغطاء الاخضر الذي كان يحف المدينة
كل الشكر للأخ محمد البيرقدار على التقاط الصورة من نفس الموقع لنرصد التغييرات التي حصلت اليوم

قراءة صورة «دمشق بين زمنين» بوصفها وثيقة بصرية تقارن بين دمشق في عام 1953 ودمشق في عام 2023، لا من حيث الأبنية وحدها، بل من حيث تحوّل المكان والشارع والغطاء النباتي ووسائل النقل والهوية العمرانية.
دمشق بين زمنين.. صورة واحدة تختصر سبعين عاماً
توثيق: خالد معاذ – عام 1953م
توثيق معاصر: محمد البيرقدار – عام 2023م
تأتي المقارنة بين الصورتين كأنها نافذة زمنية مفتوحة على دمشق؛ صورة قديمة التقطها خالد معاذ عام 1953، وصورة حديثة أعاد فيها محمد البيرقدار عام 2023 التقاط المشهد من الموقع نفسه تقريباً، لنرى بعين المصور كيف تغيّرت المدينة خلال سبعين عاماً.
المشهد يرتبط بمنطقة العمارة البرانية ومسجد الأقصاب/القصب، وهي منطقة تاريخية تقع خارج سور دمشق القديمة. ويظهر مسجد الأقصاب في المصادر التاريخية عند الطرف الشرقي من شارع الملك فيصل، وقد عُرف بأسماء متعددة، منها مسجد القصب، مسجد الأقصاب، جامع السادات، والجامع القصبي. وتشير المصادر إلى قدم المسجد وإلى تجديدات شهدها عبر العصور.

الترامواي.. عندما كانت المدينة تتحرك على السكة
من أكثر التفاصيل أهمية في الصورة القديمة ظهور سكة الترامواي، وهي ليست مجرد عنصر تقني في المشهد، وإنما شاهد على مرحلة من تاريخ دمشق كانت فيها وسائل النقل جزءاً واضحاً من النسيج العمراني.
فالسكة تقطع المشهد إلى جانب الأبنية والطريق، وتكشف لنا أن الشارع الدمشقي في منتصف القرن العشرين كان يحمل وظيفة مختلفة: مكاناً للسكن والعمل والعبور والنقل في آن واحد.
وعندما نقارنها بالصورة التي التقطها البيرقدار عام 2023 من المكان نفسه، يصبح غياب السكة بحد ذاته معلومة بصرية؛ فالمدينة لم تفقد عنصراً من عناصرها المادية فقط، بل تغيّر معها شكل الحركة اليومية واستخدام الشارع.
الأخضر الدمشقي.. ذاكرة المدينة النباتية
ومن أجمل ما تلفت إليه المقارنة الغطاء الأخضر الذي كان يحيط بدمشق في الصورة القديمة.
فاللون الأخضر في الصورة ليس مجرد خلفية جمالية؛ إنه يوثّق علاقة دمشق القديمة بالبساتين والمزارع والمساحات المزروعة. وقد توسعت دمشق تاريخياً خارج أسوارها نحو مناطق البساتين والغوطة، واستمر حضور هذه المساحات في المشهد الدمشقي حتى مراحل متقدمة من القرن العشرين.

ولهذا تبدو الصورة القديمة وكأنها لا تصور شارعاً ومسجداً فقط، بل تصور بيئة عمرانية كاملة كانت فيها العمارة والطبيعة والنقل جزءاً من مشهد واحد.
من «المكان» إلى «الزمن»
قيمة مشروع «دمشق بين زمنين» لا تكمن فقط في معرفة ما تغيّر، وإنما في اكتشاف ما بقي.
فالمصور الذي يعيد الوقوف في المكان نفسه بعد سبعين عاماً لا يلتقط صورة جديدة فحسب، بل يقوم بعملية يمكن وصفها بـ «التصوير المقارن» أو «التوثيق الزمني للمكان».
الصورة الأولى تقول: هكذا كانت دمشق.
والصورة الثانية تقول: وهكذا أصبحت.
وبين الصورتين تقع سبعة عقود من التاريخ: تغيرت وسائل النقل، وتبدلت تفاصيل الشارع، وتراجع حضور بعض المساحات الخضراء، وتغيرت الكثافة العمرانية، بينما بقيت بعض المعالم التاريخية شاهدة على استمرارية المكان.
مسجد الأقصاب.. شاهد لا يتكلم
وتزداد أهمية المقارنة عندما يكون العنصر المعماري في قلب الصورة معلماً تاريخياً مثل جامع مسجد الأقصاب. فالمصادر التاريخية تربط المسجد بحي مسجد الأقصاب، المعروف شعبياً أيضاً باسم مز القصب، وتضعه في الطرف الشرقي لشارع الملك فيصل.

كما أن المصادر الرسمية لمديرية أوقاف دمشق توثق وجود عدد من المساجد التاريخية في منطقة العمارة البرانية، بما يؤكد أهمية هذه المنطقة في النسيج الديني والعمراني الدمشقي.

وهنا تتحول العمارة إلى شاهد بصري على الزمن؛ فالحجر يستطيع أن يبقى، لكن المدينة المحيطة به تتغير باستمرار.
المصور.. مؤرخ اللحظة
ما فعله خالد معاذ عام 1953 يتجاوز التقاط صورة عابرة؛ فقد حفظ لنا جزءاً من شكل دمشق في تلك المرحلة. وما فعله محمد البيرقدار عام 2023 يضيف طبقة جديدة إلى الأرشيف نفسه، لأنه عاد إلى المكان ووقف في نقطة المقارنة ذاتها.
وهذه هي قوة التصوير الوثائقي:
أن يجعل الصورة القديمة حاضرة في الصورة الجديدة.
إنها طريقة تمنح الباحث والمؤرخ والمصور فرصة لقراءة المدينة من خلال التفاصيل: الطريق، السكة، البناء، الشجرة، الضوء، الناس، السيارات، والفراغ العمراني.
خاتمة
«دمشق بين زمنين» ليست مجرد مقارنة بين صورتين، وإنما حوار بين مصورين يفصل بينهما سبعون عاماً.
في الصورة الأولى، دمشق عام 1953، بتراموايها وطرقها وغطائها الأخضر وعمارتها الدمشقية. وفي الصورة الثانية، دمشق عام 2023، وقد حملت المدينة آثار التحولات العمرانية والاجتماعية والتقنية التي مرّت بها.
وبين خالد معاذ ومحمد البيرقدار يصبح المكان نفسه هو الراوي الثالث؛ لا يتحدث بالكلمات، وإنما يتحدث بالحجر والسكة والشجرة والشارع والفراغ.
وهنا تكمن قيمة المشروع:
فالصورة لا تحفظ ما رأته العين فقط، بل تحفظ ما كان يمكن للزمن أن يمحوه.
كل الشكر للباحث المصور الاثري: خالد معاذ و للأخ محمد البيرقدار على هذه المبادرة التوثيقية الجميلة، وعلى التقاط الصورة من الموقع نفسه، بما أتاح لنا أن نرى دمشق بين زمنين، وأن نقرأ التغيير بعين الصورة.

أخر المقالات

منكم وإليكم