تشرف اكاديميه العاصمه الاداريه الجديده للفن والثقافه والسلام باستضافه برنامجها الاسبوعي.
برنامج ” اللوحة بين الفن والجمال”
قراءة في لوحة ” مدينة الأحلام” للفنانة اللبنانية رجاء نيقولاس
بقلم: عامر الخطيب
حين تقف أمام لوحة الفنانة رجاء نيقولاس، لا تشعر أنك تتأمل عملاً فنياً بقدر ما تشعر أنك تسمع سيمفونية مرسومة بالألوان، عُزفت على مقامَي “الحجاز والنهاوند” معاً، مقام الشوق الصاعد نحو ما لا يُنال، ومقام الحنين الهابط إلى ما لا يُنسى … فكأن الريشة هنا لم تكن ريشةً بل وتراً مشدوداً بين عالمين.
يقوم التكوين على “محور عمودي واضح وصارم” يشق اللوحة من أسفلها إلى أعلاها، تتصدره شخصيتان أنثويتان في لحظة التحام حميمة، بلا وجوه مكتملة الملامح، إذ آثرت الفنانة تجريد الوجه من تفاصيله وتركت الشفتين الحمراوتين شاهدتَين على حضور الكلام الذي لا يُنطق، والعاطفة التي تتجاوز البوح … وهذا التجريد الجزئي ليس إغفالاً بل هو “تعمُّدٌ فلسفي” يحرر الشخصيتين من هوية محددة ليجعلهما رمزاً إنسانياً عاماً.
وبنظرة المهندس المعماري الذي يقرأ الفضاء قبل اللون، نجد أن الفنانة قسّمت مساحة اللوحة إلى “ثلاث طبقات وجودية”:
- “الطبقة العليا: عالم السماء والرمز والمطلق، يتصارع فيه القمر والهلال والحمامة البيضاء والسحب بين الهدوء الأزرق والاحتقان الأحمر.
- “الطبقة الوسطى”: عالم الإنسان والعاطفة، حيث الجسدان المتكئان والدرج الملتوي الصاعد في الخلفية اليسرى.
- “الطبقة السفلى”: عالم المخزون والذاكرة، تحتضن فيه المدينة البحرية الغارقة في الموجة، ويتكشّف فيه قلبٌ محكم القفل ثم مفتوح مُبكٍ.
هذا التثليث الطبقي يجعل اللوحة تُقرأ “عمودياً من الأعلى إلى الأسفل” كما يُقرأ النشيد من مطلعه إلى ختامه.
لقد اغتنت اللوحة بكثرة الرموز اللونية والشكلية وهذا يستدعي بعض التفصيل، فالألوان في هذه اللوحة ليست اختيارات جمالية عشوائية، بل هي “قرارات حضارية” تنبع من وعي عميق بطبيعة اللون ومعناه وتأثيره النفسي والروحي:
“الأخضر الداكن” الذي يغلف الشخصية اليسرى هو لون الاطمئنان والتجذّر والحضور الواثق، لكنه هنا يحمل ثقلاً يوحي بالصمت المُعاش لا بالراحة المُكتملة، لون من يعرف معنى التضحية ولا يُفصح.
و”الأحمر البرتقالي” الذي يلفّ الشخصية اليمنى هو لون النار والحياة والطاقة، لكنه في هذا السياق أقرب إلى الاشتعال الداخلي وحرارة العاطفة غير المهدّأة، لون من يحب بجنون ولا يقنع بالقليل.
أما “الأصفر القمري” الكبير في الخلفية هو مركز البهجة الكونية، يمنح اللوحة نبضها الروحي الدافئ ويربط السماء بالأرض بخيط من ضوء يشبه الأمل الذي لا يُعلَن.
و”الأزرق السماوي” في الجانب الأيسر هو مقام الإرادة والرفعة، يقاومه “الأحمر الدموي” في الجانب الأيمن ببث قلق وجودي يجعل السماء نفسها مسرحاً للصراع بين السلام والاحتراق.
ومن ناحية التشكيل الفني يبدو “القلب ذو الرقعة الشطرنجية” باللونين البرتقالي والأسود يحمل دلالة مركّبة عميقة … الشطرنج لعبة العقل والاستراتيجية والحساب، لكنها هنا تسكن “القلب” لا الرأس، وكأن الفنانة تقول إن الحب لم يعد بريئاً من الحسابات، وإن في أعماق كل قلب عاشق خوارزمية مُضمَرة … وعندما ينفتح القلب الثاني نجد فيه “يداً باكية” فوق رقعة الشطرنج ذاتها، وهنا الصرخة الصامتة للوحة كلها … الحب الذي خُطِّط له بالعقل جرحه أعمق.
و”الدرج الملتوي” الصاعد في الخلفية اليسرى ليس درجاً للصعود الجسدي بل هو استعارة الروح التي تسعى دون أن تعرف إلى أين تصل، درج بلا سقف … ورد في الفلسفة القديمة أن “السلم الذي لا نهاية له هو الوجود ذاته”، وكأن الفنانة رسمت هذا المعنى برهافة.
لكن “الحمامة البيضاء” في الزاوية العلوية اليمنى تحلّق بين السحب الحمراء لا بين الزرقة الصافية، وهذه التفصيلة تكشف أن السلام الذي تحمله ليس سلاماً مكتملاً بل هو سلام يُقاتل كي يبقى سلاماً.
وبالزاويةالمقابلة “المدينة البحرية” في الزاوية السفلى اليسرى مدينة غارقة في موجة دافئة بين البرتقالي والأزرق، مدينة محبوسة في وعاء يشبه الذاكرة … إنها المدينة التي “أحبَّت ولم تعَد إليها”، أو ربما المدينة التي “تأتي في الأحلام” دون أن تسمح بالوصول.
ونصل أخيراً إلى “الفراولة” في الزاوية السفلى اليسرى، تلك التفصيلة الصغيرة الغنية بالمعنى، إنها بذرة الحياة الحمراء الممتلئة بالبهجة البسيطة، وكأن الفنانة تضع بين أيدي المتلقي تذكيراً … مهما بلغت تعقيدات الروح وصراعاتها، ثمة بهجة صغيرة حمراء تنتظر في الركن.
إن هذه اللوحة تعزف بامتياز على “مقام الحجاز” ذلك المقام الشرقي الباحث أبداً عن نقطة تسمو فوق العادي، فيه الشوق ليس جرحاً بل هو الحال الأصيل للروح المدركة لجمال ما هو أبعد … ويتداخل معه “مقام النهاوند” بحزنه الرفيع الذي لا يُثقل بل يُرقّق، ليجعل من اللوحة كلها قصيدةً بصرية تقول ما لا تجرؤ الكلمات على قوله.
اختارت الفنانة راجيا نيقولاس أن تجعل شخصيتيها بلا هوية محددة الملامح، وهذا الاختيار هو “بيانها الإنساني الأكبر” … المرأة في كل مكان وزمان تحمل هذه الازدواجية المُضنية، قوة في الظاهر تمثّلها الكتفان والقامة المتكئة، وهشاشة مخبوءة في القلب المقفل والمدينة الغارقة في الذاكرة.
اللوحة تطرح سؤالاً جوهرياً دون أن تُجيب عنه … “هل تشابكت الروحان التقاءً أم تساندا احتماءً؟ وهذا الغموض المقصود هو الذي يمنح العمل صفة “النص البصري المفتوح” الذي يترك للمتلقي حرية استكمال الجواب بتجربته الخاصة.
في النهاية… لوحة الفنانة راجيا نيقولاس هذه ليست لوحة تُرى بل هي لوحة “تُسمَع وتُحَسّ وتُقرأ”، وفيها من البنائية التكوينية والغنى اللوني والعمق الرمزي ما يجعلها تستحق أن تُدرس في معاهد الفنون الجميلة نموذجاً على اللوحة التي تسأل أكثر مما تُجيب، وتُحرّك أكثر مما تُسكّن، وتبقى في الذاكرة كما تبقى موسيقى لم تنتهِ بعدُ أنغامها.
دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا


