بابل بموقعها الاجتماعي والانساني ،كانت تربة صالحة لنشوء الافكار والمعتقدات المتطرفة.

أن الواقع الإنساني – الاجتماعي في بابل لم يكن يشكّل أرضية لنشوء اعتقادات وأفكار متطرفة وعنصرية واستعلائية ومنغلقة. ومع هذا فحين عمد أحبار المؤسسة الكهنوتية العبرانية إلى كتابة التوراة في أسفاره الخمسة الأولى، تبيّن للباحث أنه أمام كمّ هائل من الوقفات التي ينبغي الوقوف عندها: فأولاً: حوت الأسفار الخمسة الأولى على مغالطات يرفضها العلم الحديث ولا سيما لجهة أن أصل البشر ينبع من آدم. وهذا ما سوف يؤدي حسب المرويات التوراتية في سفر التكوين إلى تقسيم البشرية إلى أعراق وعناصر، يعاكس بعضها بعضاً ويحقد الواحد فيها على الآخر وعليه يمكن مثلاً لسام التوراتي أن يكون سيداً على أخيه حام الذي من سلالته كنعان !والغريب أن الأدبيات التاريخية والآثارية التي ينبغي أن ترتكز على الحقائق العلمية، ما زالت تأخذ باصطلاح ” السامية ” في دراساتها حول تاريخ المشرق العربي. فقد أجمعت الدراسات الأنثروبولوجية والأثنولوجية على استحالة رد شعب من الشعوب إلى جد واحد.. ونحن نعتقد أن أخذ كتّاب التوراة بمفهوم العنصر كان طبيعياً كون أنهم بقوا على خصائصهم الرعوية القبلية بما يحتم البحث عن جدّ تؤدى له فروض القداسة.وعليه فلا عجب مثلاً أن نجد في التوراة – سفر التكوين، أن العيلاميين واللوديين اُعتبروا ساميين وما هم بذلك. وأن الكنعانيين عُدّوا من الكاشيين وأن الحثيين من ذرية كنعان أما العموريون فهم حاميون !.ثانياً: إن اختلاق إله أسماه الأحبار” يهوه “، ومنحوه حق وصفهم بأنهم شعب الله المختار وأنه منحهم / منحوا أنفسهم / أرض الميعاد لا يعبّر إلا عن خصائص نفسية مريضة تعتلج في نفسية الأحبار والتي تستند على أحاسيس النبذ والدونية وهذا ما سوف يتم التعويض عنه في مستوى الشعور الجمعي بالاستعلاء والعنصرية والعدوانية وهذه الصفات كانت مقرونة بيهوه في مسار التوراة كونه صناعة المؤسسة الكهنوتية العبرانية.ثالثاً: حسب التوراة – سفر التكوين ونتيجة للخبرات التي اختزنها الأحبار في كنعان وتالياً الإطلاع على حضارة المشرق الرافدية أثناء السبي، صار لدى هؤلاء ذخيرة معرفية أمكنهم هضمها وبالتالي التلاعب فيها.. وعلى هذا فلا عجب أن يعيدوا تواجدهم في المشرق العربي لا إلى زمن طروءهم في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، بل سوف يأخذ التوراة وضعاً إرجاعياً حيث سيصادر التاريخ المشرقي لصالح تكريس تواجد عبراني في المشرق يعود إلى/ 1900 /ق.م عبر إبراهيم التوراتي في مدينة أور. والغريب أن كتّاب التوراة لم يعوا حقيقة التسلسل الزمني والتاريخي. فإن كان ابراهيم التوراتي الذين يتحدرون منه هو ” آرامياً تائهاً ” كما ورد في سفر التكوين فإن الحقيقة العلمية تقول أن في هذا الزمن لم يكن ثمة تواجد للآراميين في المشرق العربي بما يعطي دليلاً أكيداً على أن كتابة التوراة حصلت في الألف الأول قبل الميلاد. أيضاً ذكر سفر التكوين أن ابراهيم التوراتي كان في مدينة أور الرافدية لكن الحقائق الأثرية والتاريخية تؤكد أن أور دمرت على يد العيلاميين سنة /2008 /ق.م ولم تقم لها قائمة بعد ذلك.كما تم وصف مدينة أور بأنها كلدانية والمعلوم أن الكلدانيين يعودون إلى منتصف الألف الأول قبل الميلاد أي زمن تدوين التوراة.كذلك فإن المشرق العربي مع مطالع الألف الثاني قبل الميلاد / الزمن المفترض لابراهيم التوراتي / كان يعجّ بالمدن والفاعلية الحضارية ولعل وثائق هذه الفترة تتعدى نصف مليون وثيقة مسمارية من كافة مواقع المشرق بحيث أنها لم تشر إلى وجود ابراهيم التوراتي ومغامراته وقصة عبوره إلى فلسطين.وعلى هذا بتنا نفهم مقولة الباحث” إيسفيليت “: ” أن التوراة لم تكن تاريخاً تحول إلى خيال بل خيالاً تحول إلى تاريخ ” (1)أما ماير فيقول: ” إن كامل سفر التكوين برواياته عن الآباء والأسلاف / ابراهيم – اسحاق – يعقوب / لبني إسرائيل لا علاقة له بالتاريخ ويجب تصنيفه في زمرة الخيال الأدبي ” (2)وينضم ماك كارتر إلى نقطة متقدمة في الإيضاح في نقده لقصة اختلاق ابراهيم التوراتي والآباء التوراتيين حيث يقول:” علينا أن نكون حذرين في دراستنا لروايات الآباء التوراتيين، فهذه الروايات إيديولوجيا وليست تاريخاً. لقد صيغت في الألف الأول قبل الميلاد / أثناء السبي / من أجل التأسيس اللاهوتي والسياسي للشعب الإسرائيلي. لهذا لا يمكن التعامل معها كتاريخ بأي معنى من المعاني الحديثة لهذه الكلمة ” (3)ويذكر الهولندي” هوفت جزر” في كتابه ” الوعود الإلهية للآباء الثلاثة ” :” إن كل الوعود التي جاءت على لسان ابراهيم واسحاق ويعقوب بالأرض، تعود إلى وقت واحد في عصر متأخر جداً من زمن الآباء / المفترض/. وكانت هذه الوعود تظهر من قبل أحبار اليهود أثناء الأزمات والأخطار التي كانت تهدد وجودهم. ومعظم هذه الروايات كتبت أثناء السبي البابلي ” (4). ومن المغالطات الكبرى في سفر التكوين هو ذكر كتاب التوراة أن الجمل كان موجوداً لدى ابراهيم واسحاق ويعقوب في الزمن المفترض لهم / 1900ق.م /، ولكن من المعروف أن ظهور الجمل واستخدامه لم يحصل إلا في القرن الثاني عشر قبل الميلاد أي بعد حوالي 700سنة.ويشير” كاسيدوفسكي ” إلى أن الأمانة التاريخية كانت غريبة على كتّاب التوراة، حيث استخدموا الأساطير التي تتوارثها الأجيال / المشرقية / شفهياً كي يثبتوا أن يهوه هو الذي يتحكم بمصير شعبه المختار منذ أيام ابراهيم. ولكن لحسن الحظ / والقول لكاسيدوفسكي / عند العلماء والباحثين أن الكهنة لم يستطيعوا أن يكونوا منطقيين في عملهم التحويري والتحريضي هذا، فقد تركوا في النصوص التوراتية الكثير من التفصيلات التي أعطتها صلة وثيقة مع ثقافة الرافدين. ويصل للقول: لقد كانت ثقافات السومريين والأكاديين والآشوريين والبابليين هي الأصول القديمة لتلك التفصيلات (5).

#د.بشار خليف#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم