فيلم ساحر الكرملين،أحد أكثر الأفلام السياسية إثارة للاهتمام مؤخرا.

ساحر الكرملين
من يصنع السلطة ؟

ليست القوة دائمًا في يد من يجلس على كرسي الحكم، فربما تكون في يد من يكتب له الخطاب، ويرسم صورته، ويقرر ما يجب أن يراه الناس وما ينبغي أن ينسوه.
هذه الفكرة هي جوهر فيلم «ساحر الكرملين» (The Wizard of the Kremlin)، أحد أكثر الأفلام السياسية إثارة للاهتمام في السنوات الأخيرة، لأنه لا يروي قصة رئيس فحسب ، انما قصة الرجل الذي يصنع الرئيس ايضا .

الفيلم، الذي أخرجه المخرج الفرنسي أوليفييه أساياس عام 2025، مقتبس عن الرواية الشهيرة للكاتب الإيطالي جوليانو دا إمبولي، وهي رواية أثارت منذ صدورها جدلًا واسعًا لأنها حاولت فهم روسيا الحديثة من الداخل، لا عبر الأحداث العسكرية أو الخطابات الرسمية، وإنما عبر الغرف المغلقة التي تُصنع فيها الصورة والقرار.

ويعد أساياس أحد أبرز مخرجي السينما الأوروبية المعاصرة، وقد اشتهر بأفلام تمزج بين الفكر والسياسة والدراما النفسية، مثل فيلم «Carlos» عن الإرهابي الدولي كارلوس، و**«Clouds of Sils Maria»، و«Personal Shopper»
لذلك بدا اختياره لإخراج هذا العمل منطقيًا؛ فهو مخرج يفضل تحليل الأفكار على مطاردة الأحداث.

ويقود البطولة الممثل البريطاني جود لو في دور فلاديمير بوتين، مقدمًا أداءً متقشفًا يخلو من المبالغة، معتمدًا على الصمت ونظرات العين أكثر من الانفعالات. ويشاركه بول دانو في دور فاديم بارانوف، الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث، وهو ممثل عُرف بقدرته على تجسيد الشخصيات المعقدة والغامضة. كما يشارك في الفيلم كل من أليشيا فيكاندر وجيفري رايت وتوم ستوريدج.

غير أن الفيلم لا يقدم سيرة ذاتية لبوتين، ولا يدعي توثيق التاريخ الروسي، بل يستخدم شخصية خيالية هي «فاديم بارانوف»، المستوحاة بوضوح من شخصية مستشار الكرملين السابق فلاديسلاف سوركوف، ليطرح سؤالًا يتجاوز روسيا إلى العالم كله:
من يصنع السلطة؟ الحاكم، أم الرجل الذي يصنع صورته في أذهان الناس؟

تبدأ الحكاية في روسيا المضطربة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حين كانت الدولة تبحث عن قائد يعيد إليها هيبتها.
في تلك الفوضى يظهر بارانوف، المثقف القادم من عالم الفن والإعلام، ليكتشف أن الجماهير لا تحتاج دائمًا إلى الحقيقة، بل إلى قصة جيدة تصدّقها. ومن هنا يبدأ في هندسة صورة الزعيم، وصناعة الرواية التي ستصبح لاحقًا حقيقة سياسية.

هذه الفكرة هي أعظم ما في الفيلم. فهو لا يتحدث عن القمع المباشر بقدر ما يتحدث عن صناعة الإدراك. فالسلطة الحديثة، كما يصورها، لم تعد تعتمد على السجون والدبابات وحدها، بل على الكاميرات، وشاشات التلفاز، ومنصات الإعلام، والقدرة على إعادة تعريف الواقع نفسه. فالساحر لا يخلق الأشياء من العدم، وإنما يجعل الجمهور يرى ما يريد له أن يراه، وكذلك تفعل السلطة عندما تتحول إلى فن للإيهام.

ومن الناحية الفنية، يقدم أوليفييه أساياس فيلمًا شديد الهدوء والانضباط. لا توجد فيه مطاردات أو انفجارات أو مشاهد استعراضية، بل حوارات طويلة، وصور باردة، وإيقاع متأنٍ ينسجم مع طبيعة الموضوع.
اختار المخرج أن يجعل السياسة لعبة عقول لا لعبة أسلحة، فجاءت الكاميرا مراقبة أكثر منها مشاركة، وكأنها تتجسس على ولادة السلطة في مكاتب الكرملين.

أما التصوير، فقد غلبت عليه الألوان الرمادية والزرقاء، في انعكاس واضح لبرودة المناخ الروسي وبرودة العلاقات داخل عالم السياسة. وجاءت الموسيقى مقتصدة، تفسح المجال للصمت كي يؤدي دوره، فيما أسهمت الديكورات الرسمية في خلق إحساس دائم بالعزلة والرهبة.

ورغم هذه المزايا، لم يسلم الفيلم من النقد. فقد رأى بعض النقاد أن إيقاعه بطيء، وأن الحوار الفكري يطغى أحيانًا على البناء الدرامي، حتى تبدو الشخصيات وكأنها تنطق بأفكار المؤلف أكثر مما تعيش حياتها الخاصة.
كما أن الفيلم يفترض قدرًا من المعرفة بالتاريخ الروسي، وهو ما قد يجعل بعض الإشارات غامضة لدى المشاهد العادي.
ومع ذلك، فإن هذه المآخذ لا تنتقص كثيرًا من قيمته، لأنه لا يسعى إلى إرضاء جمهور السينما التجارية، بل إلى تقديم تأمل سينمائي في طبيعة السلطة.
إنه فيلم أقرب إلى رواية سياسية مصورة منه إلى فيلم إثارة، ويشبه في روحه الأعمال التي تجعل الفكرة هي البطل الحقيقي.
وعلى المستوى الفلسفي، يفتح الفيلم أبوابًا واسعة للحوار مع كبار المفكرين. ففيه شيء من مكيافيلي الذي رأى أن السياسة فن إدارة القوة، وصدى لأفكار حنة آرنت عن الأنظمة الشمولية وصناعة الواقع، ولمحات من ميشيل فوكو الذي اعتبر أن السلطة تنتج المعرفة بقدر ما تنتج القوانين، بل يمكن أن نعثر فيه على أثر نيتشه حين تصبح الحقيقة مجرد تأويل يفرضه الأقوى.
ولعل أكثر ما يجعل «ساحر الكرملين» فيلمًا معاصرًا هو أنه لا يتحدث عن روسيا وحدها، بل عن العالم الذي نعيش فيه اليوم.
ففي عصر الذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، والخوارزميات، وحروب المعلومات، لم تعد المعركة تدور حول احتلال الأرض فقط، بل حول احتلال الوعي. وأصبحت القدرة على صياغة الرواية لا تقل أهمية عن امتلاك السلاح.
لهذا لا يخرج المشاهد من الفيلم وهو يتذكر أسماء الشخصيات بقدر ما يتذكر سؤالًا واحدًا:
ماذا لو كانت الحقيقة التي نعيشها ليست إلا قصة كتبها شخص يجلس في الظل؟
إن «ساحر الكرملين» ليس تحفة سينمائية كاملة، ولا فيلمًا جماهيريًا بالمعنى التقليدي، لكنه عمل ذكي وجريء يذكرنا بأن أخطر رجال السياسة ليسوا دائمًا أولئك الذين يقفون أمام الكاميرات، بل أولئك الذين يقفون خلفها، يصنعون الصورة، ويكتبون الرواية، ويقررون الحقيقة التي سيؤمن بها الناس .

#سينما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم