الفنان جواد الزيدي هندسةُ الروحِ بلغةِ اللون أميرة ناجي/بغداد. لا تكتفي التجربة الفنية للفنان الدكتور جواد الزيدي أن تكون أعمالاً معلقة على جدار، بل تتحول إلى حالات تأملية طويلة تستدرج المتلقي نحو طبقات أعمق من الرؤية والمعنى، فلا تكتفي أعماله بالانتماء إلى هذا النوع من الفن الذي يكتفي بإظهار الشكل بل كانت تسعى إلى إيقاظ الذاكرة البصرية والوجدانية معاً، فأمام لوحاته يشعر المتلقي أنه لا يقف أمام ألوان وخطوط مجردة بل أمام طاقة روحية تتخفى داخل التكوين وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان والزمن.ان المكان الذي نحبه، كما يؤكد الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار: لا يبقى منغلقاً داخل هندسته بل يتحول إلى مادة حية تسكن الذاكرة والخيال ومن هذه الفكرة يمكن الاقتراب من عالم الفنان جواد الزيدي لأن المكان في أعماله ليس خلفية صامتة بل ذاكرة متحركة تتنفس داخل اللون، فهو لا يرسم المدن أو الشخوص بشكل مباشر بل يترك أثرها الروحي يتسلل عبر التكوينات والمساحات اللونية وكأن اللوحة محاولة لاستعادة شيء قديم ظل عالقاً في الوجدان العراقي عبر القرون.تتجاور الروح التجريدية في أعمال الزيدي مع البعد الرمزي بطريقة تمنح اللوحة كثافة عالية لان الكتل العمودية التي تتكرر في عدد من أعماله تبدو أقرب إلى شواهد أو بوابات، أو كائنات متأملة تقف في عزلة صوفية داخل فضاء مفتوح، وهذه العناصر تأتي كأشكال هندسية وإشارات تحمل ذاكرة حضارية مرتبطة بعمارة وادي الرافدين وبالأثر السومري والبابلي الذي ظل حاضراً في الوعي الجمالي العراقي حتى داخل أكثر الاتجاهات المعاصرة حداثةإن تجربة الزيدي لا تنفصل عن الإرث الحضاري العراقي بل تعيد صياغته بصرياً داخل رؤية حديثة فهو لا يستنسخ الرموز القديمة بطريقة مباشرة بل يقوم بتحويلها إلى طاقة تشكيلية جديدة فالدوائر في لوحاته تبدو كشموس أو أختام أو عيون تراقب الزمن، والأقواس تستحضر البوابات القديمة والعمارة الشرقية، أما الامتدادات الرأسية فتمنح الإحساس بالصعود الروحي وكأن الشخوص أو العلامات تحاول الإفلات من ثقل الأرض باتجاه فضاء أكثر صفاءً، ويظهر اللون في تجربة الزيدي بطلاً أساسياً داخل اللوحة، فهو لا يستخدمه كعنصر، ووسيلة لبناء الإحساس النفسي والروحي للعمل الأزرق يحتل مساحة واسعة في أعماله وكأنه لون التأمل والهدوء والبعد، فهو فضاء مفتوح على الحلم والسكينة في آنٍ واحد بينما يأتي الأحمر والبرتقالي ليكسرا حالة الصمت ويمنحا التكوين حرارة داخلية تشبه نبض الحياة أو اشتعال الذاكرة ويظهر الأخضر أحياناً كإشارة للحياة والنماء والتوازن الروحي وبذلك نلاحظ امتلاك الفنان لحساسية لونية دقيقة تقوم على التدرج الناعم والانتقالات الهادئة بين المساحاتفالألوان لا تتصادم بعنف بل تنساب داخل بعضها بطريقة تمنح اللوحة تنفساً داخلياً وهذا ما يكشف عن خبرة تقنية طويلة وقدرة على السيطرة على العلاقات اللونية دون أن يفقد العمل عفويته أو انفعاله، وتبدو تجربة الزيدي من ناحية التكنيك معتمدة على بناء طبقات لونية متراكبة تمنح السطح التشكيلي عمقاً بصرياً واضحاً فاللوحة لا تبدو مسطحة بل تحتوي على مستويات متعددة من الضوء والشفافية، وهذا أسلوب يمنح الأعمال نوعاً من التوهج الداخلي وكأن الضوء ينبعث من داخل اللون نفسه، كما أن نعومة الانتقالات اللونية تكشف عن اهتمام الفنان بالملمس البصري أكثر من اعتماده على الحدة الخطية أو الصدامات الشكلية.يبدو التكوين في بعض الأعمال، وكأنه يتحرك داخل ضباب حيث تتداخل الحدود بين الشكل والخلفية فلا يعود العنصر منفصلاً عن فضائه، وهذا الأسلوب يمنح اللوحة طابعاً حلمياً يجعل المتلقي يعيش حالة من التأمل البطيء فالعمل لا يفرض معناه مباشرة بل يكشفه تدريجياً مع استمرار النظر كما أن الاقتصاد في التفاصيل يمثل سمة مهمة في تجربته؛ فالفنان لا يثقل اللوحة بالعناصر بل يترك مساحات صامتة تمنح العين فرصة للتأمل وهذه المساحات جزء من الإيقاع البصري العام، فالفراغ عنده يحمل قيمة جمالية توازي حضور الشكل نفسه.يمكن ملاحظة حضور البنية الموسيقية داخل التكوين وفي عدد من الأعمال تتحرك العناصر وكأنها نغمات موزعة بعناية داخل فضاء اللوحة، وهناك إيقاع هادئ يصنعه تكرار الأشكال وتوازن الكتل وتوزيع الألوان ولهذا تبدو بعض اللوحات أقرب إلى مقطوعات صامتة تُقرأ بالعين كأنها موسيقى هادئة.تشبه تجربة جواد الزيدي نهراً عراقياً قديماً هادئاً في ظاهره لكنّه يحمل في أعماقه تاريخاً طويلاً من الرموز والأسئلة والحكايات ولهذا تلامس المتلقي لأنها لا تبحث عن الإدهاش العابر بل عن الأثر الباقي في الروح وأهم ما يميز تجربة جواد الزيدي أيضاً هو هذا التوازن بين الحس الأكاديمي والانفعال الحر، فهو يمتلك معرفة عميقة بتاريخ الفن وتقنياته لكنه لا يقع في أسر القواعد الجامدة بل يحافظ على حرية التعبير وعلى تلك العفوية التي تمنح اللوحة حياتها الخاصة وهذا ما يجعل أعماله تجمع بين الرصانة الفكرية والطاقة الشعورية ولا يمكن فصل هذه التجربة عن شخصية الفنان الباحث والكاتب فالدكتور جواد الزيدي يعد من الأسماء المهمة في مجال التوثيق والكتابة عن رواد الفن التشكيلي العراقي وقد قدم عبر مؤلفاته ودراساته جهداً معرفياً كبيراً أسهم في حفظ ذاكرة الفن العراقي وتقديمها للأجيال الجديدةوهذه العلاقة بين الفنان والباحث منحت تجربته عمقاً إضافياً لأن المعرفة لديه لا تأتي من الخارج بل تتداخل عضوياً مع الممارسة الفنية وهو ينتمي إلى ذلك النوع من الفنانين الذين لا يرسمون بعين الرسام وحدها بل بعين المؤرخ والناقد والمتأمل أيضاً ولهذا تبدو أعماله مشبعة بثقافة بصرية واسعة تجعل كل لوحة امتداداً لفكرة أو تأمل أو سؤال مفتوح. لا يظهر الإنسان في لوحاته بشكل واضح دائماً لكنه حاضر كأثرٍ روحي وإشارةٍ وجودية عميقة كأن الفنان لا يرسم الجسد بل يرسم صدى حضوره الداخلي داخل فضاء اللون والذاكرةولهذا تبدو الشخوص أحياناً مجرد علامات أو ظلال أو أطياف عابرة تمنح التكوين بعداً إنسانياً مفتوحاً على التأويل كما أن تجربة الزيدي تنتمي إلى الفن الذي يراهن على الزمن لا على التأثير السريع فهي أعمال تحتاج إلى تأمل طويل كي تكشف طبقاتها الداخلية مع كل مشاهدة جديدة حيث تظهر تفاصيل وعلاقات مختلفة، وهذا ما يمنحها القدرة على البقاء داخل الذاكرة البصرية للمتلقي.إن المتأمل لهذه الأعمال يكتشف أن الفنان لا يبحث عن الإبهار التقني بقدر ما يسعى إلى خلق حالة شعورية وفكرية متكاملة فاللوحة لديه ليست مساحة للعرض بل مساحة للتأمل واختبار العلاقة بين اللون والروح من هنا تبدو تجربة الدكتور جواد الزيدي واحدة من التجارب العراقية المهمة التي استطاعت أن تحافظ على خصوصيتها داخل المشهد التشكيلي المعاصر فهي تجربة تمتلك هويتها البصرية الواضحة وتستند إلى عمق معرفي وحضاري وإنساني كبير فهو فنان يكتب باللون كما يكتب بالكلمة، ويحفر داخل اللوحة كما يحفر داخل الذاكرة الثقافية العراقية ولهذا لا تبدو أعماله منفصلة عن مشروعه الفكري بل امتداداً له.ليس جواد الزيدي مجرد اسم في الفن التشكيلي العراقي بل تجربة متكاملة تجمع بين الإبداع والمعرفة والتوثيق وقد استطاع عبر سنوات طويلة أن يؤسس حضوراً راسخاً جعله أقرب إلى مدرسة فنية وثقافية قائمة بذاتها مدرسة تؤمن بأن الفن وسيلة لفهمها وتأملها وإعادة اكتشافه وقد استطاع عبر سنوات طويلة أن يؤسس حضوراً راسخاً جعله أقرب إلى مدرسة فنية وثقافية قائمة بذاتها مدرسة تؤمن بأن الفن وسيلة لفهمها وتأملها وإعادة اكتشافها من جديد
#النقد والفن التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت..


