النخب العربية. وشاكر السياب ،ودوره في التمهيد لقصيدة النثر ..قراءة نقدية


هل كان بدر شاكر السياب هو الممهد لظهور قصيدة النثر؟
خاص بشعر شعراء// يمنع نقل المادة او نشرها في أي مكان
لو أردنا أن نكتب تاريخ تحرر القصيدة العربية في جملة واحدة، لقلنا: خلع السياب عباءة القبيلة، فجاء من بعده من خلع ما تبقى من ثياب كانت تشكل تتمة الصورة النمطية للقصيدة.

لم يكن بدر شاكر السياب كاتب قصيدة نثر، ولم يدّع ذلك يوما. السياب مات سنة 1964 وهو يكتب ما سميناه نحن في المدارس الشعر الحر أو شعر التفعيلة. لكنه كان الفأس الأولى التي ضربت جذع القصيدة العمودية.

قبل السياب، كانت القصيدة العربية بيتا مقفلا: صدر وعجز، وزن واحد من أولها لآخرها، وقافية واحدة كأنها قفل الباب. من يخرج عنها يُتهم بأنه لا يعرف الشعر.

جاء السياب مع نازك الملائكة في أواخر الأربعينيات، وكتب “هل كان حبا؟” ثم رائعته “أنشودة المطر”. ماذا فعل؟

كسر القافية الواحدة: جعل القصيدة تنتقل من قافية إلى أخرى حسب الحالة النفسية.
كسر عدد التفعيلات: لم يعد ملتزما بعدد ثابت في كل سطر، فالسطر قد يطول ويقصر حسب النفس، حسب الحزن.
أدخل الأسطورة والرمز والمدينة: أدخل عشتار وتموز، أدخل الميناء والغريب والمطر، فلم يعد الشعر صحراء وناقة فقط.

بهذا الفعل، قال للشاعر العربي: يجوز أن تتنفس خارج القالب.

وهنا يأتي دور التمهيد.

السياب لم يمهد لقصيدة النثر بشكل مباشر، بل مهد للتمرد نفسه. هو فتح الباب الأول. فلما دخل الشعراء من هذا الباب ووجدوا أن التفعيلة نفسها أصبحت قيدا جديدا، سألوا: لماذا نحتاج إلى وزن أصلا؟

فجاء الجيل الثاني، جيل مجلة “شعر” في بيروت في الستينيات: أنسي الحاج، محمد الماغوط، توفيق صايغ، وشوقي أبي شقرا. هؤلاء هم الآباء الحقيقيون لقصيدة النثر. قال أنسي الحاج صراحة في مقدمة ديوانه “لن” 1960: قصيدة النثر هي قصيدة بلا وزن ولا قافية، تعتمد على الإيقاع الداخلي والصورة والكثافة.

التسلسل التاريخي الدقيق ؛

القصيدة العمودية > قصيدة التفعيلة [السياب] > قصيدة النثر [الماغوط وأنسي الحاج]

السياب حرر القصيدة من الشكل الخارجي القديم، أما شعراء قصيدة النثر فحرروها من الوزن نفسه.

بدر شاكر السياب لم يكن صاحب قصيدة النثر، لكنه هو الذي جعل قصيدة النثر ممكنة. هو الذي علم الشاعر العربي أن الشعر ليس عروضا، بل موقف وجودي. لولاه لبقيت قصيدة النثر فكرة مستوردة من بودلير ورامبو لا تجد تربة عربية تنبت فيها. السياب هيأ التربة، ورواها بدمه وحزنه وغربته، فجاء بعده من زرع جنسا أدبيا جديدا.

لذلك نحن مدينون له مرتين: مرة لأنه كتب شعرا عظيما، ومرة لأنه سمح لغيره أن يكتب شعرا مختلفا عنه تماما.

#منصة شعر شعراء#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم