(( شاعرية الضور ومصداقية الوثيقة – في حوار مع المصور والمخرج السينمائي سعد نعمة ))
بين ازقة الموصل الصيقة وجدران بيوتاتها العتيقة التي شهدت صراعا مريرا بين الدمار وارادة الانسان في الحياة .
لا تتوقف عدسة المصور بسبق التوثيق . بل تبحر عميقا لتستنطق الركام بلغة بصرية مدركه وواعية
لقد قدم المصور والمخرج السينمائي سعد نعمة في معرضه الاخير والذي اقيم في قاعة المعهد الثقافي العراقي الفرنسي في الموصل تجربة مختلفة احال من خلالها الكتل الحجرية الجامدة الى شاعرية ضوئية جعلت من اللقطة الفوتوغرافية الثابتة وثيقة تاريقية بمصداقية عالية اوز حدود النسيان .
لقد استطاع المصور سعد وبثقافته البصرية وقدرته الابداعية التي جمعت عين المخرج السينمائي بالرؤية الفوتوغرافية وافتتح نافذته الضوئية على هذه التجربة مستعرضا فلسفته في تجاوز الصورة حدود المكان وتخاطب الثقافات مع اختلافها البيئي باعتماده على المشتركات الانسانية ..
لقد حاولنا ان نتعمق ونتعرف على تجربته اكثر فاجرينا معه هذا الحوار ..
س/ ١: كيف يمكن للعدسة أن تجد جماليات بصرية في قلب مشهد قاسٍ ومهدم كحال المدينة القديمة في الموصل؟ وهل يتحول المصور في هذه اللحظات إلى شاعر بصري يكتب بالضوء فوق ركام الألم؟
الإجابة: تكمن الجماليات البصرية في استنطاق التباين الحاد بين قسوة الدمار وشموخ التفاصيل المعمارية الباقية، حيث يعمل التكوين الفني على تحويل التصدعات إلى خطوط تعبيرية تنقل ثقل المأساة. نعم، يتحول المصور إلى شاعر بصري يوظف الضوء والظل كحروف بلاغية لتوثيق الوجع وإبراز صمود المكان.
س/ ٢: هل تجد أن تجميل المشهد عبر زوايا الإضاءة والتكوين قد يسرق شيئاً من قسوة الحقيقة، أم أنه يمنحها عمقاً أكبر وخلوداً في الذاكرة؟
الإجابة: لا يسرق التجميل قسوة الحقيقة، بل يعززها ويدعم بوابات تأثيرها النفسي؛ فالجمالية الأكاديمية والمدرسية للضوء والتكوين تمنح الوثيقة البصرية عمقاً فلسفياً يبعدها عن التقريرية الجافة، مما يضمن خلودها في الذاكرة الجمعية وتأثيرها المستدام.
س/ ٣: كيف ساهمت هذه الصور في منع النسيان، وكيف تحولت من مجرد لقطة فوتوغرافية إلى وثيقة تاريخية لإرادة البقاء في الموصل؟
الإجابة: ساهمت الصور في منع النسيان من خلال تثبيت اللحظة التاريخية في مواجهة محو الهوية، وتحولت اللقطة إلى وثيقة مادية تنطق بإرادة البقاء عبر إبراز تفاصيل الحياة النابضة وسط الركام، لتصبح شاهداً بصرياً لا يقبل التشكيك على تاريخ المدينة وعنفوان أهلها.
س/ ٤: عندما تتجول بعدستك بين دمار المدينة القديمة، ما هي أبرز قصة أو ملامح بشرية طبعت في ذاكرتك الشخصية ولم تنقلها الصورة؟
الإجابة: تمثلت أبرز الملامح في الصمت الناطق في عيون الناس وهم يستحضرون تفاصيل بيوتهم المهدمة، ورائحة الحياة المختلطة بغبار الأنقاض التي تعجز الكاميرا عن التقاطها، وهي حكايات صامتة بقيت راسخة في الوجدان كأثر إنساني أعمق من الصورة نفسها.
س/ ٥: كيف راوحت بين توثيق الخراب المادي على مستوى المباني والخراب البشري والنفسي، وهل برز الأمل في أعمالك ولو كخيط رفيع يربط بينهما؟
الإجابة: تمت المرافقة بين الخرابين عبر التركيز على الرمزية المكانية؛
فتهديم الجدران يعكس انعكاساً نفسياً لروح السكن، وبرز الأمل كخيط رفيع متمثل في براعم النباتات النابتة بين الشقوق أو بصيص ضوء يتسلل من سقف ممزق، ليؤكد استمرارية الحياة رغم قسوة الفقد.
س/ ٦: بخلفيتك الغنية في ميدان الإخراج والتصوير السينمائي، هل كنت ترى المشهد الفوتوغرافي كـ لعبة كادر متحرك مجمّد، أم أن الكاميرا الفوتوغرافية لها اشتراطاتها وصرامتها المختلفة عن السينما؟
الإجابة: للكاميرا الفوتوغرافية صرامتها واشتراطاتها المستقلة تماماً عن السينما؛ فبينما تعتمد السينما على التدفق الزمني والحركي والسرد المتسلسل، فإن الفوتوغرافيا تتطلب تكثيفاً درامياً مطلقاً واختزالاً للحدث في إطار واحد يحمل سردية كاملة قائمة بذاتها.
س/ ٧: السينما تعتمد على التتابع الزمني والحركة، بينما الفوتوغراف يختزل الزمن في ثانية واحدة. كيف استطعت إيحاء الحركة والقصة المتكاملة ضمن إطار الصورة الثابتة الواحدة؟
الإجابة: تم إيحاء الحركة والقصة المتكاملة من خلال توظيف عناصر بصرية محددة مثل خطوط التوجيه، وتدرجات الظل والضوء والتركيز على تفاصيل حركية توحي بما قبل اللحظة وما بعدها، مما يشارك المشاهد في استكمال سردية المشهد عقلياً.
س/ ٨: هل قمت بتوزيع صور المعرض كـ مشاهد سينمائية مترابطة تحكي قصة بداية ونهاية، أم أن كل صورة قائمة بذاتها كقصيدة مستقلة؟
الإجابة: اعتمد المعرض على المنهجين معاً؛ فقد انتظمت الصور في تسلسل مكاني وزمني يروي دراما تصاعدية تشبه الحبكة السينمائية (من الدمار إلى بصيص الأمل)، وفي الوقت ذاته احتفظت كل صورة باستقلاليتها التامة لتكون بمثابة قصيدة بصرية مكتملة الأركان.
س/ ٩: هل عرضت هذه الصور في أمكنة أخرى غير الموصل سواء في العراق أو خارج العراق، كيف كان تفاعل الجمهور مع بيئة الموصل والخراب الذي لحق بها؟ هل كانت الصورة بالنسبة لهم لغة بصرية مختلفة تتجاوز الكلمات؟
الإجابة: نعم، عُرضت الصور في وزارة الثقافة والسياحة والاثار وفي المعهد الفرنسي في بغداد وكان تفاعل الجمهور الإنساني عميقاً ومؤثراً؛ فقد شكلت الصور لغة بصرية تتجاوز حواجز اللغات والثقافات، ناقلةً هول المأساة وجماليات الصمود بصدق بصري نافذ.
س/ ١٠: هل تختلف قراءة المتلقي الموصلي أو العراقي للصور عن قراءة المتلقي الأجنبي؟ أين تكمن نقطة التقاطع في التأثير العاطفي والجمال؟
الإجابة: تختلف القراءة من حيث العمق الوجداني؛ فالجمهور العراقي والموصلي يقرأ الصور بذاكرة حية وتجربة معايشة مباشرة، بينما يقرأها المتلقي الأجنبي كوثيقة إنسانية عالمية. وتكمن نقطة التقاطع والاتصال في المشترك الإنساني المتعلق بوجع الفقد، وقيم الصمود، والتعاطف الجمالي المطلق مع حكاية البقاء.
في الختام ، يتضح لنا أن أثر معرضه الفوتوغرافي هذا لا ينتهي بانتهاء جولة الزائرين له . فالصورة هنا لا تستوقف اللحظة لتستعيدها في زمن لاحق فحسب ، بل هي رؤية بصريه ترفض محو الذاكرة وتؤكد أن الفن قادر على إنتاج مستقبل مشرق من قلب الفقد .
بين عين تشاهد الخراب بروحية المواطنته ، وعدسة تنقل المأساة بجمالية إنسانية ، يظل نتاج المصور سعد نعمة شهادة حية على أن الموصل — ورغم قسوة الحرب —تتقن دائماً حكاية البقاء ، وتكتب بالضوء صمودها لتظل راسخة في الذاكرة الجمعية للإنسانية ….


