المطرب المبدع: عدنان شانسز..الصوت الذي غنّى الوجع الشعبي حتى صار أسطورة..في تاريخ الأغنية التركية.

عدنان شانسز… الصوت الذي غنّى الوجع التركي حتى صار أسطورة
في تاريخ الأغنية التركية.
عدنان شانسيز او Adnan Şensiz
من مواليد 21 أغسطس 1935م
مدينة بورصة التركية
بدأ مسيرته بغناء الأغاني الكلاسيكية التركية عام 1956وكان الفنان الاكثر شهرة في ذلك العصر
الوفاة 25 ديسمبر 2013م

هناك أصوات لا تُقاس بعدد الأغنيات التي أدّتها، بل بقدرتها على أن تترك أثرًا عاطفيًا في ذاكرة الناس. ومن بين تلك الأصوات يبرز اسم عدنان شانسز (Adnan Şenses)، الفنان الذي استطاع أن يجمع بين الغناء والتمثيل، وأن يحوّل الحزن إلى لونٍ موسيقي خاص، حتى أصبح أحد أشهر نجوم الموسيقى التركية الكلاسيكية والشعبية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ولد عدنان شانسز، واسمه الحقيقي عدنان إرتوغران (Adnan Ertuğran)، في 21 آب/أغسطس 1935 بقرية تريليا التابعة لولاية بورصة التركية، ونشأ في أسرة متوسطة الحال. وبسبب عمل والده ضابطًا، انتقلت العائلة إلى أنقرة، حيث أمضى طفولته وأكمل تعليمه الأول، قبل أن تستقر الأسرة في إسطنبول.

من ورشة النجارة إلى خشبة المسرح
لم يكن طريقه إلى الفن مفروشًا بالورود. فقد أرادت أسرته أن يعمل نجارًا، فاحترف المهنة في شبابه، لكنه كان يحمل في داخله شغفًا لا يقاوم بالغناء. وفي عام 1956 غادر إلى إسطنبول باحثًا عن فرصة فنية.
وتروي سيرته أن بدايته الحقيقية جاءت مصادفة عندما تأخر أحد المطربين عن حفلة، فصعد عدنان إلى المسرح ليملأ الفراغ أمام الجمهور، فإذا بصوته يخطف القلوب، ومنذ تلك الليلة لم يغادر خشبة المسرح مرة أخرى. كما تلقى أول دروسه الموسيقية على يد المنتجة والمغنية سوزان ياكار روتكاي، التي لعبت دورًا مهمًا في صقل موهبته.

إذاعة أنقرة… مدرسة الاحتراف:
اجتاز عدنان شانسز اختبار إذاعة أنقرة بامتياز، وعمل فيها نحو 16 عامًا، وهي الفترة التي أسهمت في ترسيخ مكانته كمطرب يمتلك أداءً أكاديميًا رصينًا وصوتًا غنيًا بالدفء والعاطفة. وبعد مغادرته الإذاعة، أصبح نجمًا أول في أشهر الملاهي والمسارح الغنائية في تركيا، وارتبط اسمه بعصر “الغازينو” الذهبي، حيث كان الجمهور يحتشد لسماع صوته.

مدرسة خاصة في الأداء:
تميّز عدنان شانسز بصوت قوي ذي مساحة واسعة، وبقدرته على الانتقال بين المقامات التركية بسهولة، جامعًا بين الموسيقى التركية الكلاسيكية والأغنية الشعبية والطرب الشرقي. وكان أداؤه يعتمد على الإحساس أكثر من الاستعراض، لذلك وجد المستمعون في أغنياته مرآةً لمشاعرهم.
ومن أشهر الأغنيات التي ارتبطت باسمه:
Neden Saçların Beyazlamış Arkadaş (لماذا شاب شعرك يا صديقي؟)
Tövbeler Tövbesi
Sabır Duası
Doldur Be Meyhaneci
Kadehi Şişeyi Kırarım
Çok Üzgünsün Arkadaş
وقد أصبحت هذه الأعمال من كلاسيكيات الأغنية التركية، ولا تزال تُعاد بصوت مطربين كثيرين حتى اليوم.

نجم على الشاشة الفضية:
لم يكتفِ عدنان شانسز بالغناء، بل دخل عالم السينما التركية (يشيلتشام)، وشارك في 47 فيلمًا تقريبًا، معظمها أفلام غنائية ورومانسية، حيث جمع بين التمثيل والغناء في تجربة جعلته واحدًا من أشهر نجوم السينما الموسيقية التركية. كما كتب ولحّن بعض أعماله، وأسهم في إثراء التراث الموسيقي التركي.

مسيرة فنية حافلة:
على امتداد أكثر من نصف قرن من العطاء (1956–2013)، أصدر عدنان شانسز 29 ألبومًا، بينها سبعة ألبومات طويلة (LP)، إضافة إلى عشرات الأسطوانات المنفردة. كما نال عدة جوائز، من أبرزها جائزة الفراشة الذهبية (Altın Kelebek) أكثر من مرة، وكرّمته المؤسسات الفنية التركية بوصفه أحد أبرز أصوات القرن العشرين.

معركة المرض… الأغنية الأخيرة:
في عام 2011 شُخّص بإصابته بسرطان المعدة، وخضع لعملية جراحية استؤصلت خلالها معدته بالكامل، لكنه واصل الغناء وتسجيل الأعمال الفنية متحديًا المرض.
وفي عام 2013 أصدر ألبومه الأخير بعنوان “Adnan Şenses Bir Efsanedir” (عدنان شانسز… أسطورة)، وكأن العنوان كان وصيته الفنية الأخيرة، إذ رحل بعد أشهر قليلة، في 25 كانون الأول/ديسمبر 2013، عن عمر ناهز 78 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا لا يزال حيًا في وجدان الأتراك.

إرث لا يشيخ:
كان عدنان شانسز أكثر من مجرد مطرب؛ فقد مثّل جيلًا كاملًا من الفنانين الذين آمنوا بأن الأغنية رسالة إنسانية قبل أن تكون وسيلة للترفيه. ظل صوته وفيًا للعاطفة الصادقة، ولم يسعَ إلى مجاراة الموضات الموسيقية المتغيرة، لذلك بقي حاضرًا في الذاكرة التركية بوصفه أحد أعمدة الطرب الأصيل.
لقد غنّى للحب والفراق، وللوفاء والحنين، فصار صوته رفيقًا لليالي العشاق، وبلسمًا لأحزان المنكسرين. واليوم، بعد أكثر من عقد على رحيله، ما زالت أغنياته تُبث في الإذاعات التركية، ويستعيدها الفنانون الشباب باعتبارها جزءًا من التراث الموسيقي الذي لا يفقد بريقه مع الزمن.
وهكذا يبقى عدنان شانسز شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الكلمة تُغنّى بإحساس، واللحن يُولد من القلب، والصوت يخلّد صاحبه في ذاكرة الأجيال.

معرض الصور:

أخر المقالات

منكم وإليكم