المطربة المبدعة:جورجيت صايغ.. حين علّقتنا العيون السود بشباك الأغنية اللبنانية.- إعداد: فريد ظفور.



جورجيت صايغ.. حين علّقتنا العيون السود بشباك الأغنية اللبنانية
إعداد: فريد ظفور

  • مجلة فن التصوير: إيليت فوتو آرت
    مقدمة: صوتٌ جاء من زمنٍ كان للفن فيه طعم آخر
    في تاريخ الأغنية اللبنانية محطات لا تُقاس بعدد السنوات، ولا بحجم الإنتاج، ولا بكثرة الظهور الإعلامي، بل بما تتركه في الذاكرة من أثر. هناك أصوات مرّت سريعاً، لكنها لم تغادر الوجدان، وفنانات لم يحتجن إلى عشرات السنين من الحضور المتواصل كي يصبحن جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة.
    ومن بين هذه الأصوات تبرز جورجيت صايغ، الفنانة اللبنانية التي ارتبط اسمها بمرحلة ذهبية من تاريخ الأغنية والمسرح اللبناني، وبعالم الرحابنة الذي كان آنذاك يصنع من المسرح فضاءً يلتقي فيه الشعر بالموسيقى والتمثيل والاستعراض.
    صوتها لم يكن قائماً على الاستعراض أو القوة الصوتية الصارخة، بل على الخفة والعفوية والحضور المسرحي. ولذلك بقيت أغنياتها حاضرة حتى بعد سنوات طويلة من ابتعادها عن الأضواء، ومنها «يا ناسيني»، و«نطّرني عالشباك»، و«بلغي كل مواعيدي»، و«بويا بويا»، و«دلّوني عالعينين السود». وقد ذكرت صايغ نفسها أن «دلّوني على عيون السود» من الأغنيات التي ما زالت تعدّها من أبرز الأغنيات الضاربة في مسيرتها.
    جورجيت صايغ.. ابنة المسرح قبل أن تكون نجمة الأغنية
    حين نتحدث عن جورجيت صايغ لا يمكن فصل الغناء عن المسرح؛ فشخصيتها الفنية تشكلت في فضاء مسرحي كان يتطلب من الفنان أن يكون مغنياً وممثلاً وحاضراً بجسده وحركته وإيقاعه، وأن يعرف كيف يعيش الأغنية لا أن يؤديها فقط.
    وقد ارتبط اسمها بعائلة الرحابنة، كما شاركت في أعمال مسرحية مع فيروز والرحابنة، ثم كان لها حضور لافت في تجربة زياد الرحباني المسرحية.
    ومن أبرز المحطات في هذه المسيرة مشاركتها في مسرحية «سهرية»، التي كانت أولى تجارب زياد الرحباني المسرحية، وقد عُرضت عام 1975، وشاركها البطولة فيها مروان محفوظ. وفي حديث لها عن تلك التجربة، أشارت صايغ إلى أن زياد اختارها لتكون بطلة أول أعماله المسرحية.
    وهنا تكمن أهمية جورجيت صايغ؛ فهي لم تكن مجرد صوت يظهر خلف الميكروفون، وإنما فنانة تنتمي إلى زمن كان المسرح فيه مختبراً حقيقياً لصناعة الشخصية الفنية.
    «دلّوني عالعينين السود».. عندما تصبح العين نافذة للحب
    من بين أغنياتها التي بقيت حاضرة في الذاكرة تأتي «دلّوني عالعينين السود»، الأغنية التي تحمل روحاً مسرحية واضحة، وتجمع بين بساطة التعبير الشعبي واللحن الخفيف والحركة الداخلية للحكاية.
    الأغنية من أعمال زياد الرحباني، وارتبطت بمسرحية «سهرية»، وظهرت ضمن التسجيلات المرتبطة بهذا العمل. وتظهر بيانات العمل الموسيقية اسم زياد الرحباني بوصفه صاحب الكلمات واللحن، فيما شاركت جورجيت صايغ في الأداء إلى جانب عدد من الفنانين المشاركين في العمل.
    من الناحية الفنية، تقوم الأغنية على فكرة شديدة البساطة: العين بوصفها بداية الحب ومصدر التورط العاطفي.
    فالعيون السود ليست مجرد وصف جمالي، وإنما تتحول إلى قوة تشدّ العاشق وتلقي به في «شباك الحب». وهنا يتحول التعبير الشعبي إلى صورة شعرية مسرحية: الحب ليس طريقاً مستقيماً، بل شبكة يقع فيها الإنسان دون أن يعرف كيف خرج إليها.
    ولعل جمال الأغنية لا يكمن في كلماتها وحدها، بل في الطريقة التي أدتها بها جورجيت صايغ؛ أداء فيه شيء من الطفولة والدهشة والمشاكسة، وكأن الشخصية المسرحية لا تغني عن الحب فحسب، بل تحاول أن تبرر تورطها فيه أمام أهلها.
    وهذا تحديداً ما جعل الأغنية قابلة للبقاء.
    صوت لا يصرخ.. لكنه يصل
    في زمن الأصوات الكبيرة، كانت جورجيت صايغ تنتمي إلى مدرسة مختلفة.
    لم تكن بحاجة إلى استعراض المساحات الصوتية، ولا إلى المبالغة في الزخارف الموسيقية كي تترك أثرها. كانت تعتمد على الشخصية والأداء والإحساس.
    صوتها قريب من الحديث، وهذه ميزة مهمة في الأغنية المسرحية؛ إذ يشعر المستمع أن المغنية لا تؤدي نصاً محفوظاً، بل تتحدث إليه، وتشاركه موقفاً أو حكاية أو لحظة عاطفية.
    ولهذا تبدو أغنياتها وكأنها مشاهد صغيرة من الحياة اللبنانية: فتاة تنتظر، امرأة تحكي، عاشقة تتورط، شخصية تمازح أهلها، أو إنسانة تبوح بما لا تستطيع قوله مباشرة.
    إنها أغنية تقوم على المشهد بقدر ما تقوم على الصوت.
    جورجيت والرحابنة.. مدرسة في صناعة الصورة الغنائية
    كان المسرح الرحباني مشروعاً متكاملاً لصناعة الصورة الفنية.
    الموسيقى لا تعمل وحدها، والكلمة لا تعمل وحدها، والمغني ليس عنصراً منفصلاً عن المكان والحركة والإضاءة والشخصية. ولهذا فإن تجربة جورجيت صايغ في هذا الوسط ساهمت في تكوين شخصيتها الفنية.
    لقد تعلمت، كما يتضح من شهاداتها عن تلك المرحلة، من منظومة فنية كانت تضع العمل الجماعي في المقدمة، وتتعامل مع المسرح باعتباره عالماً متكاملاً.
    وفي حديث صحفي، استذكرت صايغ تلك المرحلة مؤكدة أنها كانت تستفيد من ملاحظات وتعليمات القائمين على الأعمال، ومن مسيرة كبار الفنانين الذين سبقوها، مثل فيروز وصباح ووديع الصافي وإيلي شويري ونصري شمس الدين.
    وهذه الشهادة تكشف جانباً مهماً من ثقافة ذلك الزمن: الفنان كان يتعلم من الفنان، وكان المسرح مدرسة قبل أن يكون منصة للشهرة.
    * «بلغي كل مواعيدي».. شراكة مع ملحم بركات:
    وإذا كانت «دلّوني عالعينين السود» تمثل جانباً من عالم جورجيت المسرحي، فإن أغنية «بلغي كل مواعيدي» تمثل محطة أخرى شديدة الأهمية في مسيرتها، خصوصاً من خلال تعاونها مع الموسيقار الراحل ملحم بركات.
    وقد اعتبرت صايغ هذه الأغنية من أكثر أعمالها حضوراً، وقالت إن انتشارها استمر حتى أصبحت من الأغنيات التي يعيد فنانون وفنانات أداءها في الحفلات.
    وهنا تظهر واحدة من علامات الأغنية الناجحة: أن تتحول من ملكية زمنها إلى ذاكرة الأجيال اللاحقة.
    فالأغنية الحقيقية لا تنتهي عندما يتوقف بثها؛ إنها تبدأ حياة أخرى عندما يعيد الناس غناءها.
    * «بويا بويا».. جورجيت في فضاء الدويتو:
    ومن العلامات البارزة في رصيدها أيضاً «بويا بويا» مع الفنان الراحل نصري شمس الدين، وهي واحدة من الأعمال التي تكشف قدرتها على الدخول في حوار غنائي مع صوت وشخصية مختلفة.
    كما تعاونت مع الفنان مروان محفوظ في أعمال أخرى، وقد تحدثت عن تلك التجارب باعتزاز وحنين، مستعيدة تفاصيل من زمن المسرح اللبناني الذي كان يضم نخبة كبيرة من المطربين والممثلين.
    وفي الدويتو تحديداً، لا يكفي أن يكون الصوت جميلاً؛ فالمطلوب هو الكيمياء بين الشخصيتين.
    وهذه الكيمياء كانت واحدة من نقاط القوة في حضور جورجيت صايغ المسرحي.
    *نحو ثلاثمئة أغنية.. وذاكرة لا تختصرها الأرقام:
    في إحدى مقابلاتها، تحدثت جورجيت صايغ عن رصيدها الغنائي، مشيرة إلى أن عدد أغنياتها اقترب من 300 أغنية، مستعيدة أسماء مجموعة من أعمالها التي بقيت حاضرة في الذاكرة، ومنها :
  • «يا ناسيني»، «كنا سوا»، «ساعة نطرني»، «دلّوني عالعينين السود» و«البوشار».
    لكن الرقم، على أهميته، لا يفسر وحده مكانتها.
    فقد تكون للفنان مئات الأغنيات، ثم تختفي معظمها من الذاكرة. وقد تكفي أغنية واحدة أحياناً لصناعة تاريخ كامل.
    جورجيت صايغ تنتمي إلى الفئة الثانية: مجموعة من الأغنيات تحولت إلى علامات، لأن وراءها شخصية فنية متفردة ومرحلة ثقافية كاملة.
    حين يغيب الفنان ويبقى صوته
    ابتعدت جورجيت صايغ عن الأضواء في وقت مبكر نسبياً، وهو ابتعاد جعل حضورها اللاحق يبدو أشبه بعودة شخصية قديمة من ألبوم الصور.
    ومع ذلك، لم يكن الغياب قادراً على محوها.
    فعندما عادت إلى الظهور في مناسبات التكريم، ظهر بوضوح أن صورتها ما زالت حية في ذاكرة الجمهور، وأن أغنياتها لم تتوقف عن الدوران في الذاكرة الجماعية. وقد وصفتها الصحافة بأنها واحدة من فنانات «الزمن الجميل» اللواتي حافظن على شعبية لافتة رغم سنوات الغياب.
    والأجمل أن صايغ نفسها لم تتعامل مع الماضي بوصفه مقبرة فنية، بل تحدثت عن إمكانية العودة إلى الغناء والحفلات.
    وهنا يصبح السؤال أكثر شاعرية:
    هل يعتزل الفنان فعلاً عندما يبتعد عن المسرح؟
    ربما لا.
    فالفنان الحقيقي يستمر في المكان الذي لا تستطيع الأيام الوصول إليه: ذاكرة الناس.
    * جورجيت صايغ.. صورة من لبنان الذي كان يغني:
    جورجيت صايغ ليست مجرد مطربة لبنانية من مرحلة مضت؛ إنها جزء من صورة ثقافية أوسع للبنان في النصف الثاني من القرن العشرين، حين كانت بيروت والمسرح اللبناني والإذاعة والتلفزيون تشكل فضاءً خصباً لتجارب موسيقية ومسرحية جديدة.
    كانت الأغنية يومها أكثر من منتج ترفيهي.
    كانت جزءاً من الحياة اليومية.
    وكان المسرح مساحة للضحك والحب والسياسة والقرية والمدينة والحكاية اللبنانية، وكانت الشخصيات الغنائية تمتلك ملامح واضحة، لا تشبه بعضها بعضاً.
    في هذا المشهد، جاءت جورجيت بصورتها الخاصة: خفيفة، مرحة، مسرحية، قريبة من الناس.
    ولهذا فإن استعادة أغنياتها اليوم ليست مجرد عودة إلى الماضي، وإنما عودة إلى مرحلة كانت فيها الأغنية اللبنانية قادرة على صناعة شخصية فنية كاملة.
    *خاتمة: «دلّوني»… فدلّتنا الأغنية إلى جورجيت:
    قد تتغير الآلات، وتتبدل تقنيات التسجيل، وتتسارع منصات الاستماع، ويصبح الهاتف الصغير مسرحاً عالمياً للأغنية، لكن بعض الأصوات لا تخضع لقوانين التكنولوجيا.
    جورجيت صايغ واحدة من هذه الأصوات.
    وحين نسمع اليوم «دلّوني عالعينين السود»، فإننا لا نسمع أغنية قديمة فحسب؛ بل نفتح نافذة على زمن كامل: زمن المسرح الرحباني، واللحن اللبناني الدافئ، والشخصية الغنائية، والضحكة التي كانت جزءاً من الموسيقى، والكلمة التي كانت تعرف كيف تصنع مشهداً.
    لقد غابت جورجيت صايغ عن المسرح، لكن المسرح لم يغب عنها.
    وبقيت عيون الأغنية السوداء، التي دعتنا إليها ذات يوم، معلّقة في الذاكرة، مثل صورة قديمة لم تفقد شيئاً من بريقها.
    فالفنان قد يغادر الخشبة… لكن صوته، حين يكون صادقاً، يظل واقفاً تحت الضوء.
    *وختاما تؤكد المصادر أن «دلّوني عالعينين السود» من أبرز أغنيات جو جيت صايغ، وأنها من كتابة وتلحين: زياد الرحباني وارتبطت بمسرحية «سهرية».

أخر المقالات

منكم وإليكم