المسرحية البوليسية عند توفيق الحكيم

بقلم د.علي خليفة

ارتبطت الأحداث البوليسية المثيرة بالرواية – على وجه الخصوص – ففيها يتم عرض الأحداث المثيرة بطريقة السرد المشحونة بالتشويق، وفيها يتم استخدام الوصف والحوار ووسائل فنية أخرى تعمل على بث مزيد من التشويق والإمتاع لدى القارئ.ومع ذلك فهناك كتاب مسرح اهتموا بالأحداث البوليسية في بعض مسرحياتهم، مثل الكاتب السويسري فريدريش دورينمات، كما نرى في مسرحياته “العطب” و”زيارة السيدة العجوز” و”حادث في الشفق”، و”القرين”، ففي هذه المسرحيات، وغيرها نرى حوادث قتل يتم التخطيط لها، أو كشفها، وخلال ذلك نجد إثارة في متابعة هذه الأحداث.ودورينمات في مسرحياته التي فيها تلك الصياغة البوليسية لا يكتفي بمجرد الشكل الظاهر، فليس الحدث البوليسي الذي يصور جرائم قتل غريبة، وتتبع فاعليها ومصيرهم إلا القشرة الخارجية التي يرغب في بث إيحاءات وأفكار له من ورائها.وكاتبنا الكبير توفيق الحكيم – الذي يعد بحق رائد المسرح المصري والمسرح العربي – خاض غمار الكتابة المسرحية في أشكال مختلفة، فكتب المسرحية الكوميدية الخفيفة في بداية كتابته للمسرح، كما نرى في أوبريت “علي بابا” وفي مسرحية “المرأة الجديدة”، وكتب الكوميديا الراقية، كما نرى في مسرحية “رصاصة في القلب” ومسرحية “العش الهادئ”، وكتب أيضًا المسرحية التاريخية ذات الأفكار والإيحاءات الذهنية، كما نرى في مسرحية “السلطان الحائر”، وكتب أيضًا المسرحية الذهنية – التي اشتهر بها على وجه الخصوص – كما نرى في مسرحية “أهل الكهف” ومسرحية “بجماليون”، ومسرحية “شهرزاد”، وأيضًا كتب مسرح اللامعقول، كما نرى في مسرحية “يا طالع الشجرة”، ومسرحية “رحلة قطار”، ومسرحية “رحلة صيد”، ومسرحية “كل شيء في محله”.وكذلك كتب توفيق الحكيم مسرح الخيال العلمي، كما نرى في مسرحية “رحلة إلى الغد”، ومسرحية “الطعام لكل فم”، ومسرحية “مملكة النمل”، ومسرحية “تقرير قمري”.ولم يكن غريبًا إذًا أن نرى توفيق الحكيم يكتب المسرحية البوليسية التي يعتمد فيها على حدث مثير فيه جريمة سرقة، أو اختطاف، أو قتل – على وجه الخصوص – يتم التخطيط لها، أو هي قد تمت بالفعل، ويتم البحث عن مرتكبيها، بأسلوب مثير للقارئ والمشاهد.ومسرحيات توفيق الحكيم التي نرى فيها ملامح من تلك الصياغة البوليسية هى: “الملك أوديب”، و”سر المنتحرة” و”لعبة الموت”، و”الورطة”، و”يا طالع الشجرة”.وسنتكلم الآن عن السمات العامة لمسرحيات توفيق الحكيم التي فيها تلك الصياغة البوليسية، وهي:أولاً: إن هذه المسرحيات تدور في إطار جريمة قتلولا نرى لتوفيق الحكيم مسرحيات فيها هذا الشكل البوليسي، وتدور أحداثها خارج إطار جرائم القتل، فليس له مسرحيات فيها ذلك الشكل البوليسي ونرى فيها جرائم اختطاف أو سرقة أشياء عظيمة القيمة، وتجري الأحداث في سبيل التخطيط لهذه الجرائم أو الكشف عن مرتكبيها، باستثناء مسرحية “الورطة” التي يكون الشكل البوليسي فيها في التخطيط لجريمة سرقة، ويحدث خلالها جريمة قتل تعقد الأحداث فيها.ومن هذه المسرحيات ما يتم فيها التخطيط لارتكاب جريمة قتل، ولكنها لا تحدث في النهاية، كما نرى في مسرحية “لعبة الموت”.وأيضًا من هذه المسرحيات ما يتم فيها الكشف عن جريمة قتل حدثت في الماضي البعيد، وتكون المفاجأة في أن الشخص الذي يتابع البحث عن الفاعل لهذه الجريمة إذا به هو نفسه القاتل المجرم الذي يبحث عنه، كما نرى في مسرحية “الملك أوديب”.وكذلك من هذه المسرحيات ما يتم فيها اتهام شخص بقتل شخص آخر لقوة الأدلة التي تشير لارتكابه هذه الجريمة، ثم تتضح براءته من هذه التهمة، ولكن الغريب أنه يقوم بعد ذلك بقتل ذلك الشخص الذي اتهم ظلمًا قبل ذلك بقتله، كما نرى في مسرحية “يا طالع الشجرة”.وأخيرًا هناك مسرحية له – هى مسرحية “سر المنتحرة” – نرى فيها شخصًا يظن أن امرأة انتحرت؛ لأنه لم يعر حبها له اهتمامًا، وتتغير بعد حدوث هذه الجريمة نظرته لنفسه وأسلوب حياته، ثم يكتشف مع نهاية أحداث هذه المسرحية أن تلك المرأة لم تنتحر من أجله، بل من أجل شخص آخر، فتتغير مرة أخرى نظرة هذا الشخص لنفسه.ثانيًا: توفيق الحكيم في مسرحياته تلك لا يهتم كثيرًا باستخدام تقنيات الأدب البوليسي، في إظهار غموض الجريمة، وصعوبة الكشف عن مرتكبيها، وعمل تشويق كبير للقارئ في ذلك، فليس همه من المسرحيات التي فيها ذلك الشكل البوليسي مجرد الإثارة للقارئ، ولكنه استخدم ذلك الشكل كتنويع له في استخدام الأشكال المسرحية، ومن أجل أن يعرض أفكاره – لا سيما الذهنية منها – خلال هذا الشكل الذي يثير القارئ، ويعمل على تشويقه.ولهذا لا نرى توفيق الحكيم في مسرحياته التي فيها ذلك الشكل البوليسي يهتم كثيرًا بإظهار غموض الجرائم بها، والعمل على حيرة القارئ والمشاهد في التفكير في مرتكبيها، وغالبًا ما لا يكمل الحدث البوليسي الذي رأيناه مثيرًا في فصول أولى من مسرحياته هذه، فنرى نهايتها لا تتفق مع هذا العرض البوليسي السابق لها، كما نرى في مسرحية “الورطة”، ففيها نرى دكتورًا جامعيًّا متخصصًا في علم نفس الجريمة يوافق ناشر كتب له على فكرته في استضافة مجموعة مجرمين في بيته قبل قيامهم بجريمة سرقة يخططون لتنفيذها؛ ليتابعهم عن قرب، وتكون كتابته عن الجريمة واقعية، ويعيش هؤلاء المجرمون في بيته خلال تخطيطهم للجريمة وتنفيذهم إياها، ويتابع تصرفاتهم، ثم يكتشف أن الأمر لم يتوقف على السرقة، بل قام أحدهم بقتل شرطي، ويتهم برىء بقتله، ويكاد يعدم، ويتدخل ذلك الدكتور قبل تنفيذ الإعدام عليه، ويعترف أمام وكيل نيابة أنه وحده المسئول عن كل هذه الجرائم، ولا يذكر شيئًا عن أفراد العصابة التي قامت بالسرقة والقتل؛ لأنه تعهد لهم بعدم الإبلاغ عنهم في بداية الاتفاق معهم.وبالطبع هذه النهاية صادمة للقارئ والمشاهد، فقد كان يظن أن هناك فصلاً آخر أو فصولاً أخرى في المسرحية سيتم فيها القبض على الجناة الحقيقيين، وينال أيضًا هذا الدكتور نصيبه من العقاب، ولكن هذه النهاية جاءت مخيبة لظن القارئ والمشاهد، ولا تتفق مع الصياغة البوليسية الواقعية التي كتبت بها هذه المسرحية.والحقيقة أن مسرحية “الورطة” ليس فيها أي نقاش ذهني، بل هي مسرحية واقعية استخدم فيها أسلوب العرض البوليسي؛ ولهذا كانت نهايتها التي ذكرناها – من قبل – تعد بترًا للحدث، فليست هذه النهاية تحتمل تأويلات، ولكنها نهاية مبتورة، وتصيب القارئ والمشاهد لها بالإحباط؛ لأنهما يظنان أن الأحداث لم تكتمل بعد، وكان يجب اكتمالها.والأمر كذلك في مسرحية “لعبة الموت”، فإننا نرى فيها حدثًا مثيرًا، فيه ذلك الجو البوليسي، ولكننا نرى نهايتها لا تتفق مع ذلك العرض البوليسي الذي كان موجودًا فيها قبيل نهايتها، ففي بداية هذه المسرحية نرى عالمًا في التاريخ والآثار المصرية في حجرة بفندق يسجل في مسجِّل بصوته اعترافه بأنه مصاب بالإشعاعات الذرية، وأنه في سبيله للموت خلال أشهر، وقد سبقه ابنه للموت خلال حرب، وماتت زوجته في العام نفسه الذي مات فيه ابنها حزنًا عليه.ويقول في المسجل: إنه سينتقم من هذه الدنيا التي سخرت منه بأن يعجل بموته، من خلال أن يورط راقصة لا يعرفها، ولكنه استدعاها لحجرته هذه، بأن يعرفها بأنه أوصى لها بكل أمواله بعد موته، وكان يظن أنها لا شك ستعجل بموته مع عشيقها وبعض أصحابها حتى تأخذ هذه الأموال التي أوصى لها بها.وتأتي كليوبترا الراقصة لهذا العالم في حجرته، ويعرفها بأمر وصيته لها، وينتظر خلال فصول المسرحية الثلاثة الأولى منها الوسيلة التي ستدبر بها مع عشيقها لقتله، ولكنه في الفصل الرابع من هذه المسرحية يكتشف أن هذه الراقصة لم تخطط لموته، ولم تخبر أحدًا بأمر هذه الوصية، بل إنها قد تنازلت عنها لتلاميذه، فهم – في رأيها – أحق بهذه الأموال منها، ويندهش العالم من تصرف هذه الفتاة، وتعرفه أنها أحبته، وأنها ستأخذ بيده للحياة بدلاً من سبيل الموت الذي يسعى له في يأس، وتنتهي بهذا المسرحية.ولا شك أن هذه النهاية لا تتفق مع العرض البوليسي الذي رأيناه في فصول المسرحية الثلاثة السابقة، كما أن هذه النهاية لا تتفق مع تكوين الشخصيتين الوحيدتين في هذه المسرحية، وهما العالم والراقصة، فليس من المقبول أن تظهر هذه الراقصة – وحياتها كلها في الدعارة والمجون – صاحبة مثل ونبل، كذلك كان غريبًا أن تتكلم بلغة تعلو على مستوى ثقافتها، كما رأيناها في الفصل الرابع من هذه المسرحية.

ثالثًا: قلة عدد الشخصيات في هذه المسرحيات. وبصفة عامة فإن توفيق الحكيم لا يميل لكثرة الشخصيات في مسرحياته؛ لأن مسرحه يغلب عليه الحوارات الفكرية، وليس عرض شخصيات من لحم ودم تتحرك وتتعامل كما هو شأنها في الحياة.ونرى قلة الشخصيات في المسرحيات التي فيها تلك الصياغة البوليسية له، فمسرحية “لعبة الموت” ليس فيها سوى شخصيتين، على الرغم من أنها تتكون من أربعة فصول.ومسرحية “الورطة” شخصياتها قليلة أيضًا،كذلك الأمر في مسرحية “الملك أوديب” ومسرحية “سر المنتحرة”، ومسرحية “يا طالع الشجرة”.

رابعًا: ضيق المساحة المكانية، وعدم تنوع المكان في تلك المسرحيات. فمن المؤكد أن هذه النوعية من المسرحيات ذات الشكل البوليسي تحتاج لتنوع في المكان؛ لعرض الحدث المثير فيها؛ ولهذا كانت الرواية أنسب في كتابة العمل الأدبي البوليسي، ومع ذلك نرى توفيق الحكيم في مسرحياته التي فيها ذلك الشكل البوليسي لا ينوع كثيرًا في أماكنها، وغالبًا ما تكون الأماكن التي تعرض فيها أماكن مغلقة.ففي مسرحية “لعبة الموت” يتم عرض أحداث المسرحية في فصولها الأربعة داخل حجرة بنفدق؛ ولهذا نرى أن عنصر السرد والرواية لهما دور كبير في ذكر الأحداث التي حدثت خارج هذه الحجرة، وأيضًا وجدنا الحوارات الفكرية تأخذ مجالاً كبيرًا خلال تصوير الحدث البوليسي في هذه المسرحية.وفي مسرحية “الورطة” تتم أحداث المسرحية في فصولها كلها داخل شقة الأستاذ الجامعي، ويتم عرض الأحداث البوليسية المثيرة فيها بطريقة الرواية أيضًا.

أما مسرحية “يا طالع الشجرة” فنوع توفيق الحكيم في أماكنها؛ لأنه أفاد فيها من بعض تقنيات مسرح العبث في تداخل الأمكنة والأزمنة، ومع ذلك يبقى الحدث البوليسي فيها ذا تأثير ضعيف بها؛ لأن أجواء العبث هي الغالبة عليها.وكذلك لم تتعدد الأماكن في مسرحية “الملك أوديب”، وأكثر المشاهد فيها تمت داخل قصر أوديب؛ مما جعل لعنصر السرد والرواية الدور الكبير في عرض الحدث البوليسي في تتبع جريمة القتل التي تمت فيها في الماضي.سادسًا: غلبة النقاشات الفكرية على التصوير المثير للأحداث في هذه المسرحيات.

والمفارقة في هذه المسرحيات ذات الصبغة البوليسية التي كتبها توفيق الحكيم أنه كان لا يهتم فيها بإثارة القارئ والمشاهد بالغموض والتوتر في تصعيد الأحداث الملغزة فيها بقدر حرصه على إثارة قضاياه الذهنية والفكرية بها.ففي مسرحية “الملك أوديب” يكتشف أوديب أنه قتل أباه وتزوج أمه مع نهاية الفصل الثاني من هذه المسرحية؛ وبهذا فقد انتهى الحدث الرئيس في المسرحية بكشف حقيقة مرتكب هذه الجرائم، ونجد الفصل الثالث من هذه المسرحية لا يحمل جديدًا سوى النقاش الذهني بين أوديب وجوكاستا، وأوديب وكريون، وأوديب وتريزياس عن الصراع بين الواقع والحقيقة، وأيهما يقهر الآخر، ولا يؤمن أوديب بالأثر الكبير للحقيقة إلا بعد أن تشنق جوكاستا نفسها، وبالطبع هذا الفصل الثالث من هذه المسرحية فيه ملل وبطء في الحركة بسبب ذلك الحوار الذهني الذي تكلمت عنه.

وفي مسرحية “لعبة الموت” نرى في فصلها الرابع والأخير كليوبترا الفتاة الراقصة الساقطة تتحاور مع عالم التاريخ والآثار المصرية بندية، كأنها تساويه في ثقافته، وتتوقف الحركة، ويتوقف معها الحدث البوليسي المثير، ونصبح بإزاء مسرح ذهني صرف لعرض الأفكار.

أما مسرحية “الورطة” فقد خلت من هذه الحوارات الذهنية، ومع ذلك فلم نر الحكيم فيها يسترسل في تتبع تصعيد الحدث البوليسي المثير فيها، بل يقف فيه عند جزئية معينة، وتأتي المسرحية – كما قلت من قبل – مبتورة بتلك النهاية غير المقنعة، وهي لا تتفق مع مسرحية فيها تلك الصياغة البوليسية.أما مسرحية “يا طالع الشجرة” ففيها نرى مع الأجواء البوليسية بها، وأجواء العبث فيها بعض النقاشات الذهنية، ولكنها غير كثيرة فيها، ولم تأتِ على حساب الحركة المسرحية بها، وهي عن موقف الفنان من المرأة هل يمكنه أن يتعايش معها أو يضحي بها في سبيل فنه، كما فعل بهادر في نهاية هذه المسرحية حين قتل زوجته ليسمِّد بجثتها شجرة البرتقال العجيبة عنده؛ لتثمر له إبداعه الذي ينتظره ويرجوه.

أخر المقالات

منكم وإليكم