السينما الأفريقية : تُعدّ المخرجة سارة مالدورور، رائدة في السينما الأفريقية، وعن فيلمها “سامبيزانكا”.
سمير حنا خمورو
تقدم الإذاعة الفرنسية حلقات من سلسلة ؛ “صناع الأفلام الأفارقة”، حيث تروي في كل حلقة منها شخصية ثقافية مختلفة في مجال السينما بأسلوب مميز عن السينمائيين الأفارقة. كتب هذه السلسلة ماكسيم غريمبر، وأُنتجت بالاشتراك مع سينماتيك أفريقيا التابعة للمعهد الفرنسي، وتأخذنا في رحلة من مدغشقر إلى السنغال، مروراً بساحل العاج وغينيا.
في احداها، تناولت قصة أول مخرجة سينمائية أفريقية (سارة مالدورور) Sarah Maldoror، وفيلمها “سامبيزانكا”، Sambizanga. وهنا اقدم نبذة مختصرة عن المخرجة والفيلم .
ولدت المخرجة والممثلة سارة دوكادوس في 19 تموز/ يوليو 1929 في جنوب فرنسا لأب من كوادلوب وأم من جيرس، وتيتمت في سن مبكرة، وتوفيت في 13 نيسان / أبريل 2020 في في سان دوني، إحدى ضواحي باريس الشمالية، عن عمر يناهز التسعين عاماً، دوكادوس شخصيةً بارزةً في السينما الأفريقية ونضال الدول الأفريقية من أجل الاستقلال. وقد كرست معظم حياتها الطويلة لهاتين القضيتين، على الرغم من أن التزامها بالثقافة السوداء، بل وبجميع الثقافات.
بدأت مسيرتها الفنية بعد وصولها، في سن مبكرة، إلى باريس، في عالم المسرح. ولدت باسم سارة دوكادوس، واختارت هذه الرائدة لنفسها اسماً شعرياً وسياسياً وهي في سن الثلاثين، الاسم الفني ؛ سارة مالدورور Sarah Maldoror تكريماً للشاعر “لوتريامو” Latréaumont، مؤلف أغاني مالدورور والذي يعتبر رائداً للسريالية.
بعد أن أدّت أدوارًا صغيرة سمحت لها بإدراك الصعوبات الهائلة التي يواجهها جميع الممثلين السود في إيجاد عمل، وتجسيد ادوار رئيسية، لذلك أسست فرقة “الرواة” Les griot عام 1956، وهي أول فرقة مسرحية سوداء، مؤلفة من ممثلين أفارقة وأفرو-كاريبيين في العاصمة الفرنسية، إلى جانب الهايتي توتو بيسانث، والإيفواري تيميتي باسوري، والسنغالي سامبا باباكار. “لوضع نهاية لأدوار الخدم” كما قالت و”لدعم الفنانين والكتاب السود”. صمم الفنان الكوبي ويفريدو لام ملصق أول إنتاج لهم، مسرحية “جلسة مغلقة ” Huis clos، لسارتر . تلا ذلك مسرحيات “مأساة الملك كريستوف”La Tragédie du roi Christophe، لإيمي سيزير Aimé Césaire، و” الزنوج ” Les Nègres لجان جينيه.
وكانت سارة أول من غادر الفرقة للتدريب السينمائي في الاتحاد السوفيتي عام 1961. أمضت عامين في موسكو تدرس السينما في معهد غيراسيموف للسينما (VGIK) تحت إشراف المخرج والممثل مارك دونسكوي Mark Donskoï، وهناك التقت بالمخرج السينمائي السنغالي عثمان سمبين. ولتصبح، بعد ذلك أول مخرجة أفلام روائية طويلة تدور أحداثها في القارة الأفريقية.
بعد هذه الإقامة السوفيتية، انضمت سارة إلى رواد نضال حركات التحرر الأفريقية في غينيا والجزائر وغينيا بيساو إلى جانب رفيقها ماريو دي أندرادي Mario de Andrade، الشاعر والسياسي الأنغولي، مؤسس حركة تحرير أنغولا (MPLA) وأول رئيس لها. وأثناء عمله سكرتيراً لأليون ديوب، مؤسس حركة “الحضور الأفريقي”، نظم أول مؤتمر للكتاب والفنانين السود في باريس (جامعة السوربون، 1958)، وأصبح صديقاً مقرباً للشعراء إيمي سيزير، وليوبولد سيدار سنغور، وفرانز فانون، وريتشارد رايت. أنجبت سارة مالدورور من هذا الزواج ابنتين، أنوشكا في موسكو وهيندا في الرباط. استمعوا إلى أنوشكا دي أندرادي وهي تتحدث عن والديها: “يحتل البعد السياسي مكانة مركزية في أعمال سارة مالدورور….بالنسبة للعديد من صانعي الأفلام الأفارقة، تُعتبر السينما أداة للثورة، وتثقيفاً سياسياً لتغيير الوعي. لقد كانت جزءاً من ظهور سينما العالم الثالث التي تسعى إلى تحرير الفكر من الاستعمار من أجل تعزيز التغييرات الجذرية في المجتمع.”
وكان أول ظهور لها في السينما في الجزائر، إلى جانب المخرج الايطالي اليساري جيلو بونتيكورفو Gillo Pontecorvo في فيلم “معركة الجزائر” La Bataille d’Alger عام (1965)، ثم مع المصور والرسام والمخرج الأمريكي ويليام كلاين William Klein في مهرجان عموم أفريقيا السينمائي بالجزائر (1969).
في فيلمها الأول “مونانغامبي” Monangambee عام (1969)، الذي صُوّر في الجزائر، نددت سارة مالدورور بالتعذيب الاستعماري البرتغالي في أنغولا. الفيلم مستوحى من رواية الكاتب والناشط السياسي الأنغولي خوسيه لواندينو فييرا José Luandino Vieira، الذي حكم عليه النظام الاستعماري البرتغالي بالسجن أربعة عشر عامًا في معسكر تارافال بجزيرة سانتياغو في الرأس الأخضر. تمثيل محمد زينات، إليسا أندرادي، كارلوس بيستانا، نور الدين دريس، عثمان سابي، ويتميز بموسيقى تصويرية من تأليف فرقة “آرت أنسامبل أوف شيكاغو”. حصد الفيلم العديد من الجوائز، وشكّل علامة فارقة في بروز صوتٍ بارز في السينما الأفريقية ذات البعد الاجتماعي. عرض في قسم (اسبوعي المخرجين) بمهرجان كان السينمائي 1971.
لاحقًا، وبعد استقرارها في باريس، فضّلت أسلوب الأفلام الوثائقية، الذي مكّنها من رسم الإطار اللازم لإعادة الاعتبار للتاريخ الأسود وأبرز شخصياته، وذلك من خلال بورتريهات لفنانين وشعراء مثل إيمي سيزير وليون غونتران داماس، وروادٍ مثل توتو بيسانث.
وقد تعاون دي أندرادي في العديد من السيناريوهات التي كتبتها سارة مالدورور، بما في ذلك فيلمي “موناكامبي”، الذي أُنتج في أواخر الستينيات ويتناول موضوع التعذيب خلال الحرب الجزائرية، و”سامبيزانكا” Sambizanga. كتبت معه أيضاً فيلم “بنادق من أجل بانتا” Des fusils pour Banta، الذي صورته عام 1970 بدعم جزائري. إلا أن الفيلم لم يتجاوز مرحلة المونتاج. طُردت من الجزائر بعد مشادة كلامية حادة مع أحد الجنرالات الذين كانوا في السلطة آنذاك. وحتى يومنا هذا، لم يُعثر على لقطات الفيلم الأصلية.
قال لها فريدريك ميتران، وزير الثقافة، أثناء تقديمه وسام فارس الاستحقاق الوطني لسارة مالدورور: “امرأة ثائرة ذات أسلوب صريح، ومناضلة ضد الظلم، وإنسانية راسخة.”: “في عالم السينما السوداء الكاريبية والأفريقية، أنتِ من المخرجات القلائل اللواتي استطعن، بهذه القوة والشخصية، إيصال أصوات المضطهدين والمتمردين إلى الشاشة.” واضاف”امرأة ثائرة ذات أسلوب صريح، ومناضلة ضد الظلم، وإنسانية راسخة.” وتابع وزير الثقافة قائلاً: “لقد وظفت سارة مالدورور حدة نظرتها في خدمة النضال ضد التعصب بجميع أشكاله، وأعطت أهمية أساسية للتضامن بين المضطهدين، وللقمع السياسي، وللثقافة باعتبارها الوسيلة الوحيدة لبناء مجتمع”.
أخرجت سارة مالدورور، ثلاثة افلام روائية طويلة أولها “بنادق من أجل بانتا” Des fusils pour Banta عام 1970 ( مدة العرض 90 دقيقة، غينيا بيساو)، “سامبيزانكا” Sambizanga عرض عام 1972، مدة العرض 90 دقيقة، (انتاج برازافيل / جمهورية الكونغو وفرنسا) و فيلم “راكب على متن سفينة تاسيلي” Le Passager du Tassili (90 دقيقة، انتاج فرنسا والجزائر )، كما أخرجت أكثر من أربعين فيلماً، قصيراً ومتوسط الطول، روائي ووثائقي. وقد ركزت بشكل خاص على الشعراء إيمي سيزير (خمسة أفلام)، ورينيه ديبيستر، ولويس أراغون، بالإضافة إلى الفنانين آنا مرسيدس هويوس، وخوان ميرو، وفلاديمير كيبالتشيتش.
سينماها شعرية، ولكنها أيضاً سياسية وملتزمة. تُعتبر شخصية رائدة في السينما الأفريقية، وأول مخرجة سينمائية في القارة.
وكان فيلم “سامبيزانكا”، Sambizanga الروائي الطويل الثاني لها، كتبت السيناريو مع كلود أغوستيني وموريس بونس ، وحوار؛ ماريو بينتو دي أندرادي (حوارات إضافية)، استنادًا إلى رواية (الحياة الحقيقية لواندينو فييرا) Luandino Vieira A Vida Verdadeira للكاتب الكونغولي خوسيه لواندينو فييرا José Luandino Vieira، وهذا اول فيلم عن الـ مقاومة صور عام 1972 في القارة الافريقية أخراجته سارة مالدورور، بينما كانت أنغولا لا تزال تُناضل من أجل التحرر والاستقلال من الحكم الاستعماري البرتغالي. وكان ماريو بينتو دي أندرادي، شريك سارة مالدورور، شخصيةً بارزةً في هذا الكفاح، كما شارك في إنتاج الفيلم. الأدوار الرئيسة قام بها دومينغوس دي أوليفيرا بدور دومينغوس إكزافييه، إليسا أندرادي بدور ماريا، جان مفوندو بدور بيتيلو، أديلينو نيلومبا بدور زيتو، بينوا موتسيلا بدور شيكو، تالا نجونجو بدور ميغيل. مدة العرض 97 دقيقة.
تدور أحداث الفيلم في أنغولا عام 1961. يُقبض على دومينغوس خافيير، وهو ناشط ثوري أنغولي، كان يعمل في بتكسير أحجار كبيرة من قبل الشرطة السرية البرتغالية، ويُقتاد إلى سجن سامبيزانكا في لواندا. هناك يستجوب ويعذب جهاز الأمن الداخلي (PIDE) دومينغوس، مدعيًا أن زوجته تنتظره في الخارج وأنه يستطيع العودة إلى المنزل، اذا اعترف على رفاقه لكنه يرفض الإجابة. يهاجم أحد عناصر الجهاز دومينغوس، واصفًا إياه بالزنجي القذر، وينهال عليه ضربًا مبرحًا حتى يفقد وعيه. يُروى الفيلم من وجهة نظر ماريا، زوجة دومينغوس. تنطلق حاملةً طفلها على ظهرها، باحثةً عن زوجها من سجن إلى آخر. تُدبّر أمرها بمفردها، وتصرخ غضبًا. لم تضعف. وقد أدى مقتل دومينغوس خافيير إلى اندلاع الهجوم على سجون العاصمة لواندا في فجر 4 شباط/ فبراير 1961، من قبل مجموعةٌ قليلةٌ من المقاتلين وهو التاريخ الرسمي لبدء الكفاح المسلح ضد الاحتلال البرتغالي من أجل الاستقلال الوطني الذي اجتاح أنغولا منذ ذلك الحين. ولكن قبل ذلك اليوم بسنوات، ورغم إرهاب الشرطة، مهد آلاف المقاتلين في المدن والريف الطريق بصبرٍ للانتفاضة، ونظموا شبكةً سريةً من الحركات السياسية.
تمثيل إليسا أندرادي في دور ماريا، وجان موفوندو في دور بيتيلو، وأديلينو، ونيلومبا في دور زيتو، وبينوا موتسيلا في دور شيكو، وتالا نجونجو في دور ميغيل. كتب السيناريو سارة مالدورور، موريس بونس، ماريو دي أندرادي و الحوار لكلود اغوستيني، التصوير السينمائي كلود أغوستيني، مونتاج جورج كلوتز.
#سينما العالم #مجلة ايليت فوتو ارت.


