الفنان النحات السوري: محمد بعجانو..ثيرانه ذاكرة وتكويناته النحتية مفتوحة على التأويل- بقلم: علي الرّاعي.

معرض الصور:

«ثيران» محمد بعجانو..
ذاكرة وتكوينات نحتية مفتوحة على التأويل

علي الرّاعي
لا أظن أن الفنان النحات محمد بعجانو ترك خامة لم يُجرب عليها في عملٍ نحتي، أو يختبر إمكاناتها التعبيرية، أو مادةً لم يحاول استنطاق ما تختزنه من طاقاتٍ تشكيلية، بدأ الأمر من أنواع عديدة من الخشب إلى أنواعٍ عديدة أخرى من الحجر، ومن ثمّ إلى أنواعٍ مختلفة من المعدن، في أعمال نحتية تراوحت بين المنحوتة الصغيرة التي توضع على طاولة، أو خلف زجاج «فاترينا»، وصولاً إلى الأعمال النصبية التي تحتفي بها مداخل المدن والساحات العامة.

نساء وثيران
هذا لجهة حجم الأعمال النحتية وأنواع الخامة، أما لجهة الشواغل التي تضمنتها هذه التكوينات النحتية، فلا تقل تعدداً عن أنواع الخامات وأحجامها، فقد نوّع طويلاً على الجسد الأنثوي باعتباره قابلاً ليكون حمّالاً للكثير من القيم الجمالية، هذا الجسد الذي تبدى بمظاهر عديدة إذ يُقدم جزء – عضو من هذا الجسد أو أكثر على حساب بقية الأعضاء ليشكّل رموزاً قابلة للقراءات المتعددة، وكذلك للتأمل والتأويل الطويلين.
أجساد نسوية كثيراً ما تنتهي برؤوسٍ لكائنات أخرى من هذا الكوكب تحت تأثير ثقافة عشتروتية وفينيقية قديمة من سوريا العتيقة ضمن مناخات وحدة الوجود، إضافة لتشكيله الكثير من تكاوين حيوانية، كان أكثرها حضوراً حيوان طالما كان حاضراً في مدونات وسرديات ومرويات مثولوجيا الهلال الخصيب في بلاد الشام والرافدين.
وأقصد بذلك الثور، وكما حملته المرويات والأعمال النحتية القديمة الكثير من الرموز والتأويلات والحكايا، ومن هذه المناخات كان بعجانو لا يمل يقدم الثور بأعمال كثيرة وبتكوينات مختلفة مُطلقاً عليه الكثير من العناوين والأسماء كالثور الحامل أو الثور العنيد، وغير ذلك.

إمكانات جمالية ورمزية
تتسع تجربة بعجانو النحتية لتكشف عن رغبة في اختبار العلاقة بين المادة وشكلها النهائي، وبين ما تمنحه الخامة للنحات وما يستطيع النحات أن يستخرجه منها، ليس على مستوى الشكل وحده، وإنما أيضاً على مستوى المعنى، كما تكشف عن نزوع إبداعي لا تحكمه حدود المادة ولا مقاييس الحجم، بقدر ما تحكمه فكرة العمل وما يتيحه التكوين من احتمالات.
يحضر الثور في تجربة محمد بعجانو بوصفه قابلاً للتمثيل النحتي، إذ يتجلى ككائن مشحون بتاريخٍ طويل من الدلالات، تداخلت في تمثلات القوة والخصب والعناد والهيبة، كما ارتبط في بعض السياقات الأسطورية بمعاني السيادة والقدرة والتجدد.
بمعنى أنه كثيراً ما يتجاوز وجوده المباشر ليصبح حاملاً لمعنى يتصل بالإنسان وعلاقته بالعالم والقوى التي تحيط به، وبعجانو يستدعيه إلى لغته الخاصة، فيعيد بناءه وفق مقتضيات الرؤية النحتية، بحيث يغدو الشكل الناتج كائناً مستقلاً، له حضوره المادي ودلالته المفتوحة في آنٍ واحد.
ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في إحدى المنحوتات الخشبية، التي يتقدم فيها رأس الثور بكتلته العريضة، وقرنيه الممتدين أفقياً، وعينيه الغائرتين، وخطمه الذي يتوسط الوجه.
هنا يختار الفنان من ملامح الحيوان ما يكفي لتثبيت هويته وإبراز شخصيته، فالقرنان، على امتدادهما الأفقي، يمنحان الرأس اتساعاً يتجاوز حدوده المباشرة، ويشكلان امتدادين بصريين يوازنان الكتلة الرأسية في الوسط، أما المنطقة الداكنة التي تقسم الوجه طولياً، فتؤدي دوراً أساسياً في بناء التكوين، إذ تخلق محوراً بصرياً واضحاً، وتمنح الوجه نوعاً من التناظر الذي لا يلغي الاختلاف بين جانبيه، ويبدو اللون الداكن هنا جزءاً من بنية الشكل، لا مجرد معالجة سطحية للخشب، ليعزز الإحساس بعمق الوجه، ويشد الانتباه إلى مركزه، فيما تتيح درجات البني الطبيعية، وما تكشفه من عروق الخامة، للمنحوتة الاحتفاظ بذاكرتها المادية.
كما أن العلاقة بين الكتلة والفراغ تؤدي دوراً مهماً في هذا العمل، فالفراغات المحفورة في مواضع العينين والخطم لا تقل أهمية عن الكتل الخشبية المحيطة بها؛ إذ تمنح الوجه عمقه، وتكسر استمرارية السطح، وتخلق تبايناً بين الامتلاء والغياب. وهكذا يصبح النحت عملية حذف وإفراغ، فالنحات يبني الكتلة، لكنه في الوقت نفسه يفتح فيها منافذ للظل، ويصنع مناطق يتراجع فيها الضوء، لتكتسب المنحوتة حضورها من التفاعل بين ما هو قائم وما هو غائب.

تكوينات هجينة
وفي منحوتة ثانية من الحجر ذي اللون الترابي، تبرز معالجة أخرى للجسد الحيواني، تتداخل فيها ملامح الثور مع نزوع عضوي يقترب من التكوينات الهجينة، فتبدو الكتلة هنا أكثر استدارة، وتتراجع الحدود الفاصلة بين أجزاء الجسد، بينما تتقدم بعض التفاصيل على نحو يخلخل القراءة التشريحية المعتادة.
وإذا كانت المنحوتة الخشبية قد اعتمدت على وضوح العلامات الأساسية، فإن المنحوتة الحجرية هنا تمنح العلاقات بين الأجزاء مساحة أكبر من الالتباس، إذ لا تتقدم الهوية من خلال التفاصيل وحدها، بل من خلال الهيئة الكلية والإيقاع الذي تصنعه الكتل المتجاورة.

كما أن التباين بين المناطق الملساء نسبياً والأجزاء التي تحتفظ بخشونة الحجر يمنح السطح غنى ملمسياً، فالضوء لا يمر على العمل بالطريقة نفسها في كل موضع، بل يتغير تبعاً لدرجة البروز ونعومة المادة وخشونتها، وهكذا يصبح السطح سجلاً للعمل النحتي نفسه، ويكشف عن أثر الأداة، وعن مقدار ما احتفظت به المادة من طبيعتها الأولى.

أفق الذاكرة
تتصل تجربة بعجانو، في جانب منها، بما يمكن تسميته الذاكرة العشتروتية والفينيقية، أي ذلك الرصيد الحضاري الذي تداخلت فيه صور المرأة والخصب والطبيعة والحيوان ضمن منظومة واسعة من الرموز. وتتيح هذه الذاكرة مدخلاً لقراءة الأجساد الأنثوية التي ينحتها الفنان، ولا سيما حين تتجاوز الهيئة البشرية حدودها المألوفة، أو حين تتحول إلى تكوينات هجينة تجمع بين الإنسان والحيوان، فالمرأة قد تصبح حاملاً لقيمة تتجاوز الفرد، وتتصل بالطبيعة والتوالد والاستمرار.
ومن ثمّ فإن الكائن الهجين، وفق هذه القراءة، لا ينتمي بالكامل إلى نوعٍ واحد، وإنما يفتح مجالاً لرؤية الوجود بوصفه علاقات متداخلة، تتبادل فيها الأشكال صفاتها، وتكتسب الكائنات معانيها من صلاتها بعضها ببعض، وهنا تلتقي المنحوتات الحيوانية مع المنحوتات النسوية، لا من خلال الموضوع وحده، وإنما عبر طريقة بناء الصورة: الاختزال، وتحويل الجسد إلى علامة، وإعادة تركيب الأعضاء، ومنح الكتلة استقلالاً عن صورتها الطبيعية.

أخر المقالات

منكم وإليكم