الفنان المصري: عربى محروس..من الخيط إلى اللوحة.. يحوّل النسيج اليدوي إلى فنّ يحمل ذاكرة المكان.

من الخيط إلى اللوحة.. الفنان المصري عربى محروس يحوّل النسيج اليدوي إلى فنّ يحمل ذاكرة المكان

في عالمٍ تتسارع فيه التقنيات وتتعدد فيه أدوات التعبير التشكيلي، يختار الفنان المصري عربي محمد محروس أن يمضي في اتجاه مختلف، مستندًا إلى خيطٍ بسيط وإرثٍ عريق من النسيج اليدوي، ليحوّل الخامة التقليدية إلى لوحات فنية تنبض بالتفاصيل والذاكرة والهوية.
في هذا الحوار، نتوقف مع الفنان عربي محمد محروس عند بدايات تجربته، وعلاقته بالتراث المصري، ومراحل صناعة لوحاته من صوف الأغنام الطبيعي والغزل والصباغة وصولًا إلى النسج، كما نتعرف إلى رؤيته لمستقبل هذا الفن، وهويته الفنية الخاصة، وعلاقته بالفنانين العراقيين، ولا سيما تجربته في ترجمة بعض أعمالهم.

س١: بدايةً، من هو الفنان عربي محمد محروس؟ وكيف كانت بداياتك ومسيرتك المهنية؟
ج: أنا رجل مصري بسيط، بدأت مسيرتي المهنية معلّمًا في وزارة التربية والتعليم المصرية منذ عام 1980، واستمر عملي فيها حتى عام 2019، حيث تقاعدت وأنا أشغل منصب موجّه عام بالتربية والتعليم. أما النسيج اليدوي، فقد كان بالنسبة لي أكثر من مجرد هواية؛ فهو شغفي الأول الذي رافقني طوال مسيرتي، ولا يزال حتى اليوم عملي الفني الأثير والمجال الذي أجد فيه ذاتي.

س٢: هل كانت بداياتك الفنية مع النسيج اليدوي، أم سبقتها تجربة في الرسم والخط؟

ج: في البداية لا بد من امتلاك مهارة أساسية في الرسم، فهي تمثل القاعدة التي ينطلق منها الفنان في هذا المجال. بعد ذلك تعلّمت فن النسيج اليدوي وفق الأساليب المستوحاة من الطريقة الفرعونية القديمة، ثم عملت على دمج مهارتي الرسم والنسيج معًا، لأتمكن من تحويل أي عمل فني أو لوحة إلى قطعة فنية من النسيج اليدوي.

س٣: كيف بدأت علاقتك بالفن، ومتى اكتشفت أن الخيط والنسيج يمكن أن يكونا وسيلة للتعبير التشكيلي؟

ج: نشأت في قرية صغيرة اشتهرت عالميًا بصناعة النسيج اليدوي، وهي قرية ساقية أبو شعرة التابعة لمركز أشمون في محافظة المنوفية، والمقامة على ضفاف النيل. وقد كان هذا المحيط حافزًا مهمًا في تشكيل علاقتي المبكرة بفن النسيج. أما من الناحية المهنية، فقد تخصصت في التربية الفنية والفنون التطبيقية، وتحديدًا فن النسيج اليدوي، ليصبح النسيج جزءًا أصيلًا من مسيرتي الفنية، وليس مجرد حرفة، بل وسيلة للتعبير والإبداع التشكيلي.

س٤: لماذا اخترت الخيوط والنسيج تحديدًا بدلًا من الألوان والفرشاة والمواد التقليدية في الرسم؟
ج: أنا لا أرسم بالمعنى التقليدي، وإنما أُبدع أعمالي من خلال النسيج. أستخدم الخامات الطبيعية لأحوّل الخيوط إلى أعمال فنية تحمل قيمة جمالية وتعبيرية خاصة. وما يميز هذا الفن بالنسبة لي أن العمل كلما مرّ عليه الزمن ازدادت قيمته وأصالته، حتى يتحول في نهاية المطاف إلى أثر فني يحتفظ بقيمته عبر الأجيال.

س٥: يرتبط النسيج في ذاكرتنا بالبيت والحرفة والتراث الشعبي، إلى أي مدى يحضر التراث والذاكرة الشعبية والبيئة المحيطة في أعمالك الفنية؟

ج: باستثناء بعض الأعمال الخاصة التي تُنفَّذ بناءً على طلبات محددة، فإن معظم أعمالي مستمدة من التراث والذاكرة الشعبية والبيئة المحيطة. أستقي موضوعاتي من تفاصيل الحياة اليومية والموروث الذي نشأت عليه، وأحاول من خلال النسيج أن أحافظ على هذه الذاكرة وتقديمها بروح فنية معاصرة.

س٦: هل تبدأ أعمالك من فكرة واضحة في ذهنك، أم أن العمل الفني يتشكل تدريجيًا أثناء عملية النسيج؟

ج: قد تنطلق الفكرة من مصادر متعددة؛ فقد أستلهمها من الطبيعة والبيئة المحيطة بي، أو من صور المناطق والمواقع الأثرية، وأحيانًا تكون الفكرة مشتركة مع فنان تشكيلي، خصوصًا عندما يكون العمل بتكليف خاص. وبعد تحديد الفكرة، أعمل على تحويلها إلى عمل فني منسوج يحمل رؤيتي الخاصة.

س٧: كم يستغرق إنجاز لوحة نسيجية واحدة؟ وهل يحتاج هذا النوع من الفن إلى صبر ومهارة مختلفة عن الرسم التقليدي؟

ج: الفكرة الأساسية في تجربتي لا ترتبط بالمدة الزمنية بقدر ارتباطها بتحويل مفهوم النسيج اليدوي نفسه؛ فأنا أسعى إلى الارتقاء به من كونه خامة تُستخدم غالبًا في فرش الأرضيات، إلى عمل فني يُعلّق على الجدران بوصفه لوحة تشكيلية متكاملة. وهذا التحول يتطلب بالتأكيد قدرًا كبيرًا من الدقة والصبر والمهارة، لأن كل خيط يسهم في بناء العمل وتفاصيله النهائية.

س٨: كيف تختار الألوان في أعمالك؟ وهل تعتمد على انسجام الألوان أم تستخدم التباين لإحداث تأثير بصري لدى المتلقي؟

ج: اختيار الألوان يرتبط بطبيعة كل عمل وفكرته وتفاصيله، كما أن تنفيذ العمل نفسه يحتاج إلى وقت يختلف بحسب حجمه ودرجة صعوبته. فالقطعة الصغيرة قد تستغرق من شهر إلى 45 يومًا من العمل المتواصل، بينما تحتاج الأعمال الكبيرة إلى عدة أشهر حتى تكتمل، وذلك وفقًا للقياسات ومستوى التفاصيل ودقة التنفيذ.

س٩: ما أصعب مرحلة في صناعة اللوحة النسيجية: الفكرة، اختيار الخيوط، التكوين، أم مرحلة التنفيذ؟
ج: تبدأ تجربتي باستخدام صوف الأغنام الطبيعي، الذي يُغزل إلى خيوط رفيعة، ثم تُصبغ هذه الخيوط يدويًا بألوان طبيعية داخل مشغلي. لكنني أرى أن أصعب وأهم مرحلة هي الفكرة وتحويلها إلى تصميم مرسوم على الورق بالحجم الحقيقي المطلوب لتنفيذه بالنسيج؛ لأن نجاح التصميم ودقته يمثلان الأساس الذي يُبنى عليه العمل الفني في مراحله اللاحقة.

س١٠: هل تحاول من خلال أعمالك أن تصنع هوية بصرية خاصة بك، بحيث يستطيع المتلقي التعرّف إلى لوحتك حتى من دون أن يرى اسمك؟
ج: نعم، هذا صحيح. أحرص على أن تكون لأعمالي بصمة فنية وهوية بصرية مميزة تعكس تجربتي الخاصة. وإذا تصفحت أعمالي المنشورة على صفحتي في فيسبوك، ستجد أن لكل عمل خصوصيته وتفرده، ولا أكرر نفسي في أعمالي، كما أنني أسعى دائمًا إلى تقديم أفكار ومعالجات فنية مختلفة عن تجارب الفنانين الآخرين.

س١١: هل يمكن لهذا الفن أن يتطور مستقبلًا باستخدام التكنولوجيا والمواد الحديثة، أم أن جماله يكمن في بساطته وارتباطه بالعمل اليدوي؟

ج: أرى أن التطور الحقيقي يمكن أن يكون في الفكرة والرؤية الثقافية والفنية، من خلال تقديم موضوعات وأساليب جديدة تحافظ في الوقت نفسه على روح النسيج اليدوي. أما الاعتماد على التطور الآلي أو الميكانيكي في تنفيذ العمل، فقد يخرجه عن جوهره بوصفه فنًا يدويًا قائمًا على مهارة الفنان وجهده المباشر.

س١٢: إلى أي مدى حضر التراث المصري في أعمالك الفنية، وهل شكّل مصدر إلهام أساسيًا في تجربتك؟
ج: التراث المصري حاضر بقوة في تجربتي الفنية، بدءًا من التراث الفرعوني، مرورًا بالتراث القبطي والإسلامي، وصولًا إلى أعمال المستشرقين وما تحمله من توثيق بصري للحياة والبيئة المصرية. وأؤمن بأن على الفنان أن ينهل من مختلف الحضارات والتراثات القديمة، وأن يبني عليها ليقدم رؤيته الخاصة وفنًا حديثًا يحمل جذورًا واضحة. فلا شيء يأتي من لا شيء، وكل إبداع جديد هو امتداد لتجارب ومعارف إنسانية سابقة.

س١٣: هل ترى أن الإعلام المصري يمنح فن النسيج والخيوط المساحة التي يستحقها، وهل تهتم بالحضور الإعلامي والترويج لهذا النوع من التجارب الفنية؟
ج: بصراحة، أنا لا أهتم كثيرًا بالحضور الإعلامي، ولا أجعل الإعلام محورًا في تجربتي الفنية. تركيزي الأساسي ينصب على العمل والإبداع وتطوير أعمالي وتسويقها، وأترك للأعمال نفسها أن تعبّر عن تجربتي وقيمتها الفنية.

س١٤: هل هناك موضوعات أو أفكار تشعر أن الخيط والنسيج قادران على التعبير عنها بصورة أعمق من الرسم بالألوان؟
ج: نعم، بالتأكيد. أشعر أن الصورة في النسيج تكون أعمق، وأن الرؤية الفنية تصبح أكثر وضوحًا. فأن تصنع قطعة فنية من النسيج ابتداءً من شعرة صوف الغنم، مرورًا بالغزل والصباغة والتصميم، وصولًا إلى عملية النسج، يمنح الفنان إحساسًا مختلفًا وعميقًا لا يشبه تجربة الرسم التقليدي. إنها رحلة متكاملة تحمل في تفاصيلها إحساسًا بالحرية، وهذا الشعور هو من أجمل ما أعيشه أثناء إنجاز أعمالي.

س١٥: هل كانت لك تجارب في ترجمة أعمال لفنانين عرب وعراقيين على وجه الخصوص؟ وهل تربطك علاقات وتواصل مع فنانين عراقيين؟
ج: نعم، قمت بترجمة عدد من أعمال الفنانين العراقيين بناءً على طلبهم، ومن بينهم الخطاط العراقي الكبير الراحل زيد الأوسي، وذلك بطلب خاص من شقيقه، إلى جانب الفنان العراقي أحمد غريب المقيم في الولايات المتحدة، والفنان العراقي الدكتور محمود شبر.
وقد حظيت بزيارة عدد من الفنانين العراقيين الذين زاروا مصر إلى منزلي المتواضع، وهو أمر أعتز به كثيرًا. ونحن نكنّ لأهلنا في العراق الحبيب كل المحبة والتقدير، لما يمثله العراق من حضارة عريقة وإرث ثقافي أصيل، ولما عُرف به أهله من كرم وأصالة.

س١٦: في ختام هذا الحوار، ما الكلمة التي تود توجيهها للقراء والمتابعين؟
ج: أنا لا أرتبط بمدرسة فنية محددة، ولا أقيّد تجربتي بموضوعات حزبية أو سياسية أو طائفية ضيقة. أؤمن بأن الفن مساحة للحرية، وأن الفنان الحقيقي ينبغي أن يظل حرًا في فكرته ورؤيته وتعبيره، وأن يترك لأعماله أن تتحدث عنه بعيدًا عن القيود والتصنيفات.

اليكم البعض من ابداعه

أخر المقالات

منكم وإليكم