الفنان التشكيلي المصري: نور الجلالي.قدم معرضا فرديا بعنوان:فولكلاكرا.في مصر بالقاهرة- بقلم: د.عصام عسيري

فولكلاكرا يصوّر التراث والجماهير

د. عصام عسيري

في معرضه الفردي المنتهي اليوم (فولكلاكرا) بقالري مصر في القاهرة، لا يتعامل الفنان التشكيلي المصري الشاب نور الجلالي Nour Elglaly مع الفولكلور بوصفه ماضيًا ينبغي استعادته، وإنما بوصفه صورةً تتعرض باستمرار لإعادة الإنتاج والتأويل والاستهلاك. ومن خلال صياغة عنوانه من كلمتي فولكلور وسيمولاكرا، يقترح الفنان قراءة معاصرة لعلاقة الذاكرة الشعبية بثقافة الصورة وأبعادها الفلسفية، حيث تتداخل الحكاية والموروث مع الخيال الجماهيري إلى درجة يصبح معها السؤال عن الأصل والصورة أكثر تعقيدًا.

لكن ما يمنح المشروع قوته الحقيقية هو أن هذه الفكرة لا تبقى في حدود البيان النظري؛ فهي تتحول داخل اللوحات إلى مفارقة بصرية شديدة الوضوح. ففي الأعمال المعروضة، نرى مشاهد من البيئة المصرية، وفرسانًا وخيولًا واحتفالات وموسيقيين وشخصيات شعبية، لكنها تستقبل فجأة شخصيات تنتمي إلى عالم ديزني والكرتون. ميكي ودونالد دك وقوفي وغيرها لا تظهر كعناصر زينة مضافة إلى اللوحة، وإنما تدخل إلى المشهد وكأنها أصبحت جزءًا من الحكاية الشعبية نفسها.

وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار المعرض فنتازية وإثارة: ماذا يحدث عندما تدخل الشخصية الكرتونية، التي صنعتها الثقافة الجماهيرية العالمية، إلى ذاكرة بصرية محلية؟ هل تصبح غريبة عن المشهد، أم أن كثافة حضورها في حياتنا المعاصرة جعلتها بالفعل جزءًا من ذاكرتنا البصرية؟

الجلالي لا يقدم إجابة مباشرة، وإنما يصنع حالة من الالتباس المقصود. ففي إحدى اللوحات تتوسط الخيول والفرسان شخصية كرتونية بيضاء اللون، فتبدو كأنها قادمة من عالم آخر، لكنها في الوقت نفسه مندمجة في الحركة العامة للمشهد. وفي أعمال أخرى تظهر الشخصيات الكرتونية وسط الموسيقى والاحتفالات الشعبية، وكأنها تشارك الإنسان طقوسه اليومية. هذه المفارقة تمنح اللوحة طاقة ساخرة، لكنها تتجاوز السخرية إلى مساءلة كيفية تشكل الصورة التي نختزن بها العالم.

ومن الناحية التشكيلية، يعتمد الفنان على السرد وتعدد الشخصيات والحركة والحدث، بحيث تبدو بعض الأعمال أقرب إلى مشاهد سينمائية أو صفحات من حكاية مصورة. كما أن التباين بين الخلفيات البنائية والتراثية والشخصيات الكرتونية يخلق طبقات متعددة من الزمن داخل العمل الواحد. نحن أمام زمن تاريخي أو شعبي، وزمن ثقافة البوب، وزمن المتلقي المعاصر الذي يعرف الطرفين معًا.

وهنا يصبح مفهوم (السيمولاكرا) أكثر حضورًا. فالصورة، وفق المنظور الذي يستند إليه الجلالي في مشروعه الفني والنقدي، لا تظل نسخة من الواقع، بل يمكن أن تستقل عنه وتصبح أكثر تداولًا وحضورًا منه. وهذا تحديدًا ما يحدث للفولكلور عندما تنتقل رموزه من سياقاتها الاجتماعية والطقسية والتاريخية إلى الشاشة والإعلان ووسائل التواصل؛ يتحول الزي إلى علامة، والطقس إلى مشهد، والحكاية إلى أيقونة، ثم تصبح الأيقونة نفسها قابلة لإعادة الاستخدام بلا ضرورة لمعرفة أصلها.

واللافت أن الفنان لا يقف خارج هذه العملية الفنية والنقدية؛ فهو يستخدم لغة الصورة الجماهيرية نفسها في تفكيك أثرها. إنه ينتقد اختزال التراث في صورة، مستخدمًا صورة أخرى شديدة الانتشار. ومن هنا تأتي المفارقة الأذكى في فولكلاكرا: الفنان لا يحاول استعادة الأصل، وإنما يكشف لنا كيف أصبح الأصل نفسه محاصرًا بصوره المتعددة.

كما تكشف الأعمال عن اهتمام واضح بالحركة والحيوان، خصوصًا الخيول، بوصفها عناصر حاملة للبطولة والاستعراض والذاكرة الشعبية. وحين تدخل إليها الشخصيات الكرتونية، لا تتغير دلالة الشخصية وحدها، بل يتغير معنى المشهد بأكمله؛ فالفارس لم يعد يعيش في زمنه، والشخصية الكرتونية لم تعد في عالمها، واللوحة تصبح فضاءً تلتقي فيه أزمنة وثقافات وصور متباينة.

لذلك فإن (فولكلاكرا) ليس معرضًا عن الفولكلور بقدر ما هو معرض عن الطريقة التي أصبحنا نرى بها الفولكلور. إنه يضع الذاكرة أمام مرآة الصورة، ويكشف أن التراث قد لا يختفي عندما نستهلكه، لكنه قد يتغير حتى يصبح أكثر شهرة من أصله وأقل اتصالًا بسياقه. وقد بدت ملامح نجاح المعرض في استحسان واسع في الأوساط التشكيلية والإعلامية والثقافية.

وهنا يترك نور الجلالي المتلقي أمام سؤال مفتوح: حين تصبح صورة التراث أكثر حضورًا من التراث نفسه، هل نحافظ على الذاكرة، أم نصنع ذاكرة جديدة تشبه الأصل في مظهرها فقط؟

أخر المقالات

منكم وإليكم