هذا بالضبط ما يحدث عندما تفرط الأوطان في أثمن مورد تملكه على الإطلاق
العقول البشرية.
فالذهب يمكن تعويضه، والنفط قد ينضب، أما العقل المبتكر فهو المصدر المتجدد الذي يصنع الثروة من لا شيء.
تخيل أن تمتلك دولةٌ ما حقلاً شاسعاً من النفط أو منجماً ضخماً من الذهب، ثم تقرر ببساطة، وبسبب ورقة بيروقراطية، أن تمنح هذا الكنز لدولة أخرى بالمجان!
هذا ما حدث بالضبط مع عالمة مصرية هزت أبحاثها مصانع السيارات العالمية.
في سبعينيات القرن الماضي، حزمت الشابة المصرية هدى المراغي أمتعتها وعادت إلى وطنها مصر بعد أن أنهت دراستها في الخارج.
لم تكن عودتها عادية، بل كانت محملة بشهادة الدكتوراه في الهندسة الصناعية من أرقى الجامعات الكندية، وبأفكار ثورية قادرة على تحديث الصناعة المحلية.
كانت تحلم بنقل تلك المعرفة إلى طلابها في الجامعات المصرية.
ولكن الصدمة كانت في انتظارها خلف مكاتب البيروقراطية.
بدلاً من استقبالها بالترحاب وفتح المعامل لها، رُفعت في وجهها “اللوائح والبنود الصارمة”.
رفضت الإدارة الجامعية الاعتراف بدرجتها الأكاديمية الكندية كما هي، وطلبت منها التنازل عن رتبتها (من أستاذ مساعد في كندا) لتبدأ من الصفر (كمدرس في مصر).
لم يكن الأمر مجرد خلاف على مسمى وظيفي، بل كان مؤشراً على بيئة طاردة للتميز، تُقدس الأوراق وتقتل الإبداع.
أمام هذا الجدار الإداري المسدود، اتخذت الدكتورة هدى قراراً غيّر مجرى حياتها تماماً .
حزمت حقائبها مجدداً وعادت إلى كندا.
وهناك، حيث لا تعترف البيئة العلمية إلا بالكفاءة والإنجاز، انطلقت كالصاروخ لتكتب التاريخ:
و كسر هناك كل الخطوط الحمراء ..
و أصبحت أول امرأة في تاريخ كندا وبجدارة تتولى منصب عميد كلية الهندسة (في جامعة وندسور)، وأول امرأة تحصل على الأستاذية في الهندسة الصناعية هناك.
لم تكتفِ الدكتورة هدى بالجانب الأكاديمي، بل أسست مركزاً لنظم التصنيع الآلي، واعتمدت عليها غيلان صناعة السيارات الأمريكية والكندية مثل “فورد” و”كرايسلر” كمستشارة لتصميم وتحديث مصانعها الاعتمادية القائمة على الروبوتات والذكاء الاصطناعي.
من شدة العبقرية الاستراتيجية التي تميزت بها، تم تعيينها مستشارة علمية لوزير الدفاع الكندي.
و قُلدت في بلاد المهجر بأرفع الأوسمة المدنية هناك، مثل “وسام أونتاريو” و”وسام كندا”، وخلّد اسمها كتاب “الأضواء الشمالية” كواحدة من أعظم النساء اللاتي صنعن مجد كندا الحديث.
إن أخطر ما في قصة الدكتورة هدى المراغي وما يحزنني حقاً، أنها ليست حالة فردية.
عندما تسافر العقول العبقرية لتتعلم في الخارج، فإنها تمثل استثماراً ضخماً.
وحين تعود وتجد الأبواب مغلقة، تضطر للهجرة الصامتة.
النتيجة؟
الدول النامية تنفق من ميزانياتها المحدودة لتربية وتعليم هذه العقول، ثم تقدمها “على طبق من ذهب” للدول المتقدمة التي تقطف ثمار أبحاثهم، وتطور بها مصانعها، واقتصادها، وحياتها اليومية.
الدول المتقدمة لم تتقدم فقط لأنها تملك المال، بل لأنها تمتلك صيادين مهرة يعرفون كيف يلتقطون العقول الملقاة على أرصفة البيروقراطية في دولنا.
برأيكم، لو أن ذلك الموظف وافق على تدرجها العلمي وظلت الدكتورة هدى في مصر في السبعينيات..
هل كانت بيئة العمل والإمكانات المتاحة حينها ستسمح للدولة بالاستفادة من عبقريتها وتطبيق أبحاث الروبوتات والتصنيع الآلي؟
أم أن البيروقراطية كانت ستلتهم طموحها في النهاية؟


