العرب والمسرح ” محاولة لطرح جديد “
(1)
ناقش كثير من الباحثين العرب والمستشرقين الأسباب التي جعلت العرب قديمًا لا يعرفون المسرح بالشكل الكامل الذي عرفه الإغريق، أو أي شكل من أشكال المسرح، وكان لهم آراء مختلفة في عدم ترجمة العرب للمسرحيات الإغريقية حين ازدهرت الترجمة عندهم في العصر العباسي الأول، وصارت هناك مدرسة للترجمة تشرف عليها الدولة. ومن المستشرقين الذين ناقشوا هذه القضية يعقوب لنداو في كتابه “المسرح والسينما عند العرب”، ورأى أن العرب لم يعرفوا المسرح ولم يترجموه؛ لأنهم كانوا يمنعون ظهور المرأة في الأماكن العامة إلا لضرورة، واقتضى عدم سماحهم للمرأة بالاختلاط بالرجال عدم ابتكارهم للمسرح وعدم ترجمتهم له، وبالطبع كلام لنداو غير منطقي، فقد ازدهر المسرح في إنجلترا في العصر الإليزابيثي، وظهر في ذلك العصر كتاب كبار في المسرح كشكسبير وكريستوفر مارلو وبن جونسون، ومع ذلك لم يكن يسمح في ذلك العصر بتمثيل المرأة في المسارح، بل كان يقوم بتمثيل الأدوار النسائية آنذاك شباب مرد، وأيضًا كان العرب في العصر العباسي يسمحون للجواري ببعض أنواع من الاختلاط بالرجال، وهناك دور القيان التي حدثنا الجاحظ عنها في كتاب “القيان”، وكان بعض الرجال يذهبون إليها ليستمعوا لغناء القيان، ويستمتعوا بأنس الحديث معهن.
وممن تصدى لقضية أسباب عدم معرفة العرب للمسرح في العصور القديمة من كبار كتاب المسرح في عالمنا العربي توفيق الحكيم، وقد ناقش هذه القضية في مقدمة كتابه الذي نشر فيه مسرحية “الملك أوديب”، وقد قال توفيق الحكيم فيه: إن العرب لم يعرفوا المسرح في الجاهلية؛ لأنهم كانوا أهل تنقل وعدم استقرار، فكانوا ينتقلون إذا ما توقف المطر وجفَّ العشب في المكان الذي يعيشون فيه لمكان آخر تتوفر فيه أسباب الحياة من وجود الأمطار والأعشاب، ويقول الحكيم أيضًا: إن هذا التنقل وعدم الاستقرار كان السبب الأساسي في جهلهم المسرح؛ لأن نشأة المسرح عند اليونان بدأت من وجود المعابد ثم المسارح التي يمثل فيها، فالمسرح هو الذي أوجد الممثل، والممثل هو الذي أوجد النص المسرحي.
ثم يقول توفيق الحكيم: والعرب لم يترجموا مسرحيات الإغريق في العصر العباسي؛ لأنهم كانوا شديدي الاعتزاز بشعرهم، ووجدوا فيه الكفاية عن أي أدب من آداب الأمم الأخرى.
وأنا أتفق مع توفيق الحكيم في قوله بأن حياة العرب التي تقوم على التنقل وعدم الاستقرار في الجاهلية كانت من أهم الأسباب التي حالت بينهم وابتكار المسرح، وبسبب حالة التنقل المستمر منهم في جزيرتهم في الجاهلية وجدنا قصائدهم انعكست عليها حالة التنقل هذه، فالشاعر الجاهلي يتنقل داخل القصيدة الواحدة من موضوع لآخر، ولا يستقر في القصيدة على موضوع بعينه.
أما ما ذكره توفيق الحكيم ومحمد مندور من أن المسرحيات اليونانية ممتلئة بالرموز والإشارات التي تعبر عن الميثولوجيا الإغريقية، وأن العرب لم يفهموا هذه المسرحيات في العصر العباسي لهذه الرموز والميثولوجيا التي فيها؛ ولهذا لم يترجموها – فنقول: ليس هذا سببًا مقنعًا لعدم ترجمة العرب في العصر العباسي المسرحيات الإغريقية، فقد ترجم العرب بعض كتب الهند والفرس التي تصور جوانب من عقائدهم في العصر العباسي، كقصص البنجاتنترا الهندية الموجودة ضمن قصص كتاب “كليلة ودمنة”، ولكن العرب لم يترجموا مسرحيات الإغريق آنذاك لأسباب أخرى سأذكرها فيما بعد.
(2)
وفي رأيي أن العرب لم يعرفوا المسرح في العصر الجاهلي؛ لأن عقيدتهم الوثنية كانت ضعيفة جدًّا لا سيما مع قرب نهاية العصر الجاهلي؛ ولهذا
لا نرى صدى واضحًا لهذه العقيدة فيما وصلنا من شعر جاهلي.
ودعا مرجليوث وطه حسين وغيرهما للشك في أغلب ما وصلنا من شعر جاهلي أنه – في رأيهم – لا يمثل حياة العرب في الجاهلية كما يجب أن تكون عليه؛ لأنه تكاد تختفي منه عقيدتهم الوثنية.
وأرى أن عدم ظهور أثر واضح للعقيدة الوثنية في شعر شعراء العرب في العصر الجاهلي لا يدعونا للتشكيك فيما وصلنا من شعرهم، ولكنه يدعونا للنظر فيما وصل إليه العرب في المرحلة التي سبقت ظهور الإسلام في موقفهم من عقيدتهم الوثنية، فمما لا شك فيه أن العرب كانوا قبيل نهاية العصر الجاهلي قد ضعف يقينهم بعقيدتهم الوثنية؛ ولهذا قال الله تعالى على ألسنتهم عن عبادتهم لآلهتهم الوثنية مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى وما دامت عقيدة العرب الوثنية ضعيفة في نفوس العرب قبيل ظهور الإسلام – على أقل تقدير – فلهذا لم يظهر عندهم المسرح، فالمسرح نشأ عند الأمم الكبرى مرتبطًا بعقائدها، كما هو الأمر عند الفراعنة، فلقد نشأ من تمثيلهم طقوس قصة معبوديهما أوزوريس وإيزيس، وكذلك نشأ المسرح عند الإغريق من الطقوس التي كانوا يقومون بها لإله الخمر الوثني باخوس، وتطورت هذه الطقوس وصارت مسرحيات عن هذا الإله الوثني، ثم خرج المسرح عند الإغريق من الارتباط بالدِّين للواقع، ومع ذلك ظل أثر عبادة باخوس موجودًا في كثير من المسرحيات الإغريقية التي صورت أساطير وقصصًا تاريخية وواقعية، كمسرحية “عابدات باخوس” ليوربيديس. لكن العرب لضعف الوثنية في نفوسهم قبيل الجاهلية فلم نر لآلهتهم معابد كبرى، بل كانوا يأكلون آلهتهم التي عملوها من عجوة عند جوعهم؛ ولهذا لم تتطور عقيدتهم الوثنية لطقوس تتحول لتمثيل، كما حدث عند الفراعنة والإغريق.
أما الجاهلية الأولى عند العرب فالمعلومات عنها ضعيفة وغير موثقة، وكل ما يمكن أن يقال عنها: إنها الفترة التي تسبق ظهور الإسلام بنحو مائتي عام، وتمتد في القدم، ولا يوجد وثائق عنها؛ لأن العرب لم يدونوا أخبارهم آنذاك بأي وسيلة من وسائل التدوين، ولكن ما يمكن أن يستشف من بعض الأخبار عن العرب في الجاهلية الأولى ومقارنتها بأحوال الأمم الأخرى في تلك المرحلة التي كان عليها العرب – أن عقيدتهم الوثنية كانت مرتبطة بالسحر؛ ولهذا نشأ الشعر في أول نشأته عندهم مرتبطًا بالسحر، فكان الشاعر يهجو أعداء قبيلته ملتمسًا القوى السحرية؛ لينزل العقاب عليهم، وكان شعراء المراثي يلجئون للسحر أيضًا لحث روح المقتول على ألا يعود للأرض، فيثير الفزع فيها، وقس على ذلك أغراضًا أخرى للشعر ارتبطت بالسحر في نشأتها، ومع كل الذي قلناه فلم تتطور هذه العقيدة الوثنية في الجاهلية الأولى لفن شعريّ آخر غير شعرهم الغنائي، فلم يعرفوا الشعر التمثيلي ولا الشعر الملحمي؛ لأنه لا توجد أي آثار على ذلك.
وأظن أن هذا يرتبط بسذاجة عقيدتهم الوثنية حتى في جاهليتهم الأولى، وضعف التحضر الذي كانوا عليه، فلم يقيموا لآلهتهم معابد ضخمة، ولم يقيموا لها احتفالات كبرى، كما صنع المصريون والإغريق بآلهتهم الوثنية، وتطورت هذه الطقوس عندهم فنشأ المسرح، ويضاف لهذا ما قاله توفيق الحكيم من أن حياة الحركة المستمرة عند العرب لم تسمح لهم بتشييد معابد كبرى لآلهتهم كان من الممكن أن تكون مسارح تمثل فيها بعض الطقوس لهذه الآلهة الوثنية.
ولا شك أن العرب كانوا في العصر الجاهلي مختلطين بالأمم المتحضرة المجاورة لهم، كالفرس والروم من خلال إمارتي الحيرة والغساسنة، ومن خلال قيام بعض أفراد من قلب الجزيرة – لا سيما من مكة – بعمل رحلات تجارية للشام، ولكن لم يصلنا ما يدل على أن العرب قد ذكروا في شعرهم في الجاهلية أو في أخبارهم أن هناك من رأى منهم عرضًا مسرحيًّا عند الرومان، وهذا – في رأيي – يعود لكون المسرح كان في حالة ضعف شديد في الدولة الرومانية، وكان الرومان لا يهتمون – في الغالب – في وسائل اللهو عندهم بغير مشاهدة المصارعات بين المتصارعين من البشر التي يقتل فيها كثير من هؤلاء المتصارعين؛ وكانت بعض المسرحيات الكوميدية الخفيفة تعرض خلال هذه المصارعات، ولا يوجد ما يؤكد أن مسرحيات سينكا الروماني التراجيدية قد عرضت، وأغلب الظن أنه كتبها للقراءة، ومع اعتناق الرومان للمسيحية ازداد ضعف المسرح حتى اختفى تمامًا، وعاد للظهور من جديد في العصور الوسطى من داخل الكنائس بتمثيل قصص الأنبـــياء والقديسين، وبهذا فلم ير العرب التجار في العصر الجاهلي والعرب المجاورون للإمبراطورية البيزنطية أي أثر للمسرح؛ لأنه كان – تقريبًا – قد اندثر آنذاك؛ ولهذا لم يتكلم العرب عنه في جاهليتهم.
وفِي الحق أن العرب في العصر الجاهلي لم يعدموا تمامًا بعض أشكال الفرجة، فكان لديهم قصاص يجتمع إليهم الناس في الليل، ويقصون خلال سمرهم قصص أيام العرب، وقصصًا أخرى تعبر عن بعض الأساطير التي آمنوا بها، كحديثهم عن الغول وبعض الآلهة، وأيضًا هناك قصصهم التي نقلوها عن الأمم الأخرى. وقد ذكر القرآن الكريم أن النضر بن الحارث كان يحاول أن يلهي أهل مكة عن الاستماع للقرآن الكريم بجمعه لكفارهم وحكايته لهم قصص الأمم الأخرى كالفرس والروم، كقصص رستم واسفنديار، وقد ذكر القرآن الكريم أن قصص النضر هي أساطير الأولين؛ لأنها لا أصل لها، وما كان فيها له أصل تاريخي حُرِّفَ، وليس وراء هذه القصص سوى إلهاء الناس. أما قصص القرآن الكريم ففيها الحق، وفيها العبرة لأولي الألباب، وهذا ما لم يفهمه النضر، ولا شك أنه كان لدى العرب قُصَّاص يستمتع الناس بقصصهم وأسلوبهم التمثيلي في تجسيد الشخصيات التي في كل قصة يحكونها.
وإلى جانب هؤلاء القصاص عرف العرب في الجاهلية بعض المضحكين الذين كان الناس يأتنسون بنوادرهم وحكاياتهم الطريفة، وللأسف المعلومات عن هؤلاء المضحكين في الجاهلية قليلة جدًّا، ومن أهم المُضحكين الذين وصلتنا أخبارهم عن الجاهلية هبَنَّقَة القيسيّ الذي وُصف بالحمق في النوادر المنسوبة له، وأرى أن الناس في الجاهلية كانوا يستمتعون بذكر نوادره، وأيضًا بصحبته في سمرهم؛ ليسمعوا منه كلامه الذي فيه تخليط ويدعو للفكاهة.
وما كان يجري في سوق عكاظ في الجاهلية ليس بعيدًا عن فنون الفرجة، فقد كان بائعو بعض السلع يغرون الناس بشرائها، ويغالون في ذكر محاسنها مستخدمين خيالهم الواسع في ذلك، وكان بائعو الآلهة الوثنية هم أكثر فئة في هذه السوق كذبًا من خلال ذكرهم حكايات ملفقة عن هذه الآلهة بأسلوب تمثيلي لحث الناس على شرائها، وأيضًا كانت المنافسات الشعرية في تلك السوق بين الشعراء تجري بشكل أقرب للفرجة، فالشاعر يستعد لخصمه، ويحاول أن يبهر المشاهدين والمستمعين له بأسلوبه في الأداء، ويرد عليه خصومه من الشعراء بطريقة تثير المشاهدين، ويقف بعض الشعراء حكامًا بين هؤلاء الشعراء مثل النابغة الذبياني.
(3)
وفِي عصر صدر الإسلام انشغل الناس في العالم الإسلامي والعربي بفهم الإسلام والفتوحات الإسلامية، ومع ذلك كان هناك في ذلك العصر قصاص يقصون على الناس ويعظونهم، وكذلك كان هناك أشخاص قاموا بوظيفة الإضحاك لمن حولهم مع حسن تدينهم، وأبرز شخصية نراها في عصر صدر الإسلام عرفت بإضحاك من حولها من المسلمين هو الصحابي البدري نُعْيمان، وكان يتعمد عمل مواقف يضحك بها من حوله بما في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وكبار صحابته.
(4)
وفي العصر الأموي احتاج الناس، لا سيما الأثرياء والوجهاء منهم في مكة والمدينة المنورة، لمزيد من وسائل ترفيه تجعلهم يستمتعون بحياتهم، فنشط الغناء والمغنون، وظهر مضحكون وظيفتهم إضحاك من حولهم من خاصة الناس وعامتهم، وعلى رأس هؤلاء المضحكين أشعب الذي عُرِفَ بين الناس في عصرنا بتطفيله؛ لكتابة توفيق الحكيم عنه روايته “أشعب أمير الطفيليين”، ولكن الطفيلية عند أشعب ليست الجانب الأبرز في شخصيته، فقد كان مشهورًا بالطمع، وكان أيضًا – وهذا هو المهم – أبرز المضحكين في ذلك العصر، وفِي ترجمة صاحب “الأغاني” له نرى حكايات كثيرة عنه يقوم فيها بالتأليف للمواقف المضحكة، ويمثل بعضها وحده، ويشرك غيره في تمثيل بعضها الآخر معه، وهو يستخدم كل وسائل المضحك: من تعليق ظريف، وعمل تشويهات لوجهه مضحكة، وتأليف المواقف الكوميدية وتمثيلها.
ولا شك أن ما كان يقوم به أشعب المضحك يدخل بقوة في عناصر الفرجة، وقد تحدثت بالتفصيل عن هذا الأمر في كتابي “شخصية المضحك عند العرب حتى نهاية حكم المتوكل”.
أيضًا نرى أن ما كان يحدث في سوق المربد بين جرير والفرزدق
– على وجه الخصوص – من إلقاء نقائضهما الشعرية بشكل تمثيلي أمام جمهور كبير من الناس يدخل في فنون الفرجة.
(5)
وإذا ما وصلنا للعصر العباسي – وفيه امتزج العرب بأبناء الأمم الأخرى كالفرس والروم والقبط والنبط – نرى أن حركة الترجمة قد نشطت بترجمة كتب لهذه الأمم، وأغلبها كتب علمية وفلسفية، ولكن العرب لم يترجموا آثار هذه الأمم الأدبية بما في ذلك المسرح، وهذا يعود لعدة أسباب: منها ما ذكره توفيق الحكيم من اعتزاز العرب بشعرهم، فقد كانوا يرونه ديوان حياتهم، وفيه الكفاية لهم عن تذوق أي آداب أخرى موجودة عند الأمم الأخرى، وليست عندهم، ولكن للحق فإن حب العرب لشعرهم لم يكن هو السبب الوحيد الذي صرفهم عن ترجمة آداب الأمم الأخرى لا سيما الإغريق ومسرحهم، فلقد كان العصر الذي نشطت فيه حركة الترجمة – وهو القرن الثالث الهجري – هو الفترة التي اشتعل فيها الصراع بين الشعوبيين – ممن ينتمون لهذه الأمم من أهل البلاد التي فتحها المسلمون – والعرب، وكان هؤلاء الشعوبيون يظهرون كراهيتهم للعرب، ويحاولون أن يقللوا من قدرهم، وقد رد عليهم الكتاب المدافعون عن العرب كالجاحظ وابن قتيبة، وهذا الصراع المشتعل بين الشعوبيين والعرب جعل المترجمين من العرب ومن غير العرب ممن ينتصرون للعرب يُعرضون عن ترجمة آداب الأمم الأخرى؛ لكي لا تكون هذه الآداب في مجال مقارنة مع آداب العرب خلال الصراع مع الشعوبية؛ ولهذا يقول الجاحظ خلال الصراع مع الشعوبية: “والشعر مقصور على العرب وعلى من تكلم بلسان العرب”، فالجاحظ بقوله هذا لعله لم يكن يتصور أن للأمم الأخرى شعرًا فيه أوزان غير أوزان العرب، ولعله كان يعرف مع اطلاعه الموسوعي أن لدى الأمم الأخرى شعرًا، ولكنه في دائرة الصراع مع الشعوبية أنكر أن يكون للأمم الأخرى – غير العرب – شعر.
وبالطبع تسبب هذا الصراع الشعوبي مع العرب في ذلك الوقت في إحجام العرب عن ترجمة مسرحيات الإغريق التي لا شك أنها كانت متاحة لديهم، واكتفوا بترجمة كتب الإغريق العلمية والفلسفية.
ولكن العرب في العصر العباسي إذا كانوا لم يترجموا مسرحيات من المسرح الإغريقي، ولم يعرفوا بهذا ذلك النوع من الشعر التمثيلي – فإنهم استطاعوا آنذاك أن يتوصلوا لفنون فرجة من خلال توسعهم في وسائل الترفيه، ومن خلال نقل بعضها عن الأمم الأخرى، فزاد نشاط المضحكين في هذا العصر، وكانت شخصية المضحك معروفة في بلاط الساسانيين، فأخذها العرب عنهم، وظهر في هذا العصر مضحكو الخلفاء كأبي دلامة مضحك أبي العباس السفّاح والمنصور والمهدي، وابن أبي مريم المدني مضحك هارون الرشيد، والمرتمي مضحك الرشيد أيضًا، وغيرهم كثير، بل رأينا في هذا العصر مضحكين تفرغوا لإضحاك الشعب، واستخدموا كل وسائل المضحك في ذلك، وأشهر مضحك للشعب في العصر العباسي الأول هو ابن المغازلي الذي سمع عنه الرشيد، وأمر بإحضاره لقصره؛ ليضحك من نوادره، ومن تمثيله للمواقف المضحكة.
والمضحكون في هذا العصر – على وجه الخصوص – قاموا بدور يعوض عدم معرفة العرب للمسرح – كما هو عند اليونان وانتقل بهذا الشكل إلى العصر الحديث – وكان الخليفة المتوكل يحب اللهو فأمر بإجماع الملهين لبلاطه مع بداية خلافته، وكان بينهم كثير من المضحكين مثل الجماز وأبي الحارث جمين وأبي العيناء، وكان أيضًا من ضمن المضحكين الذين أحاطوا بالمتوكل في قصره مجموعة من الخصيان عرفوا بخفة الظل مثل قطاطة المخنث، وكانوا يقومون بمواقف تمثيل ارتجالية مضحكة في قصر المتوكل.
وأيضًا كان من فنون الفرجة التي عرفها العرب في العصر العباسي قيام بعض الصوفيين بوعظ الناس، وحكيهم سير بعض الشخصيات البارزة، وما كان فيها من صلاح أو فساد، وقيام بعض الأشخاص خلال ذلك بتقمص تلك الشخصيات البارزة، ومن ذلك ما كان يقوم به متصوف في خلافة المهدي في كل يوم إثنين ويوم خميس من الذهاب لمكان معين في بغداد، ويتحلق الناس حوله، ويقص أعمال الخلفاء بداية من الخلفاء الراشدين حتى الخليفة المهدي، وعندما يتحدث عن خليفة من الخلفاء يظهر أمامه شخص كأنه هو الخليفة، ويحاوره عما قام به من أعمال في خلافته، ويحاسبه عليها، ولا شك أننا نرى في هذا الموقف مظهرًا واضحًا من مظاهر الفرجة.
وهناك رواية في كتاب “جمع الجواهر في الملح والنوادر” للحصري القيرواني يمكن أن يفهم منها أن العرب قد عرفوا فن “خيال الظل” في القرن الثالث الهجري، وقد جاء في هذه الرواية أن مخنثًا كان قد هدده الشاعر دعبل بن علي الخُزاعي بأنه سيهجوه، فقال له المخنث: والله لئن هجوتني لأُخرجنَّ أمك في الخيال. وقد فهم البعض أن الذي قصده ذلك المخنث هنا بالخيال هو خيال الظل، ولكن أغلب الظن أن المقصود بالخيال هنا شيء آخر غير خيال الظل؛ لأننا نرى أن أول معلومات مؤكدة عن معرفة العرب لفن خيال الظل كانت في القرن السادس الميلادي، وأغلب الظن أن العرب نقلوا خيال الظل عن الصين أو الهند، ولكنه تعرب وأصبح عربيًّا، وذلك بالنظر
لما وصلنا من بابات ابن دانيال الكحال – التي حققها الدكتور إبراهيم حمادة – وكانت بابات خيال الظل تمثل في مسارح مغلقة، وكان المشاهدون يجلسون على مقاعد أو على الأرض؛ ليشاهدوا على ستارة بيضاء ظل عرائس مصنوعة من جلد الجمال، وقد انعكس عليها ضوء مصباح، وهناك يختفي وراء هذه الستارة بحيث لا يظهر الحازق الذي يلون صوته مع الشخصيات المختلفة للعرض، وهناك أيضا الريس الذي هو بمقام المخرج لهذا العرض. والحق أن خيال الظل هو شكل من أشكال المسرح عرفه العرب في القرن السادس الهجري، واستمر وجوده عندهم حتى العصر الحديث.
وأيضًا من فنون الفرجة التي عرفها العرب قديمًا القراقوز، وأغلب الظن أن أصله صيني وانتقل للعرب، ولكنه أصبح عربيًّا من خلال التمثيليات العديدة التي ألفها مؤلفون عرب لعروسة الأراجوز والعرائس المصاحبة لها، ومن تجاوب أبناء الشعوب العربية مع عروضه، وما زال الأراجوز من العرائس المحببة للطفل بتعليقاته الظريفة ونكاته المضحكة.
وبعد فهذه جولة سريعة عن علاقة العرب بالمسرح وفنون الفرجة في العصور القديمة حتى نهاية العصر العباسي، ولا شك أن معرفة كتاب المسرح العربي لها يعد دافعًا لهم لاستلهام بعض تلك الأشكال في مسرحهم، مثلما فعل يوسف إدريس في مسرحية “الفرافير”، وسعد الله ونوس في مسرحية “مغامرة رأس المملوك جابر”، وألفريد فرج في مسرحية “حلاق بغداد”، وغيرهم من كتاب المسرح العربي.
#علي خليفة#مجلة ايليت فوتو ارت..


