بقلم د.علي خليفة
(١)
كتب أنطون تشيكوف ثماني مسرحيات قصيرة – من فصل واحد – بين سنة ١٨٨٦ وسنة ١٨٩١، وهذه المسرحيات هي: مسرحية الجلف “أو الدب”، ومسرحية الخطبة، ومسرحية الحفل التذكاري، ومسرحية إجازة في الريف، ومسرحية ليلة المحكمة، ومسرحية في الطريق العام، ومسرحية عن مضار التبغ، ومسرحية تاتيانا ريبينا. ومعظم هذه المسرحيات استوحاها تشيكوف من قصص قصيرة كان قد سبق له كتابتها، وبعد هذه المرحلة انطلق أنطون تشيكوف في كتابة مسرحياته الخمس الطويلة التي خلدت اسمه بين كبار كتاب المسرح في العالم.وعلى الرغم من أن كثيرا من النقاد يهتمون بدراسة مسرحيات أنطون تشيكوف الطويلة عن مسرحياته القصيرة، ويرون أن بصمته الواضحة والمؤثرة ككاتب مسرح عالمي تظهر في تلك المسرحيات الطويلة له فإن مسرحياته القصيرة – أو بعضها على الأقل – لها أهمية كبيرة، ويعد بعضها ذا شأن كبير في المسرح العالمي، ويعرض على كثير من خشبات المسارح في العالم حتى الآن، كمسرحية الجلف “أو الدب، ومسرحية عن مضار التبغ – التي تعد من أوائل مسرحيات المونودراما – ومسرحية الحفل التذكاري، ومسرحية في الطريق العام.
(٢)
ومسرحيات تشيكوف الطويلة تغلب عليها المأساة، وقلما نرى في مواقفها ما يدعو للابتسام، وليس في شخصياتها شخصيات مرحة – باستثناء شخصية أو شخصيتين في مسرحية طائر النورس، ومسرحية إيفانوف، ولكن هذه الشخصيات المرحة في هذه المسرحيات التي يغلب جو المأساة عليها يكاد يكون دورها فيها شبيها بما يقوم به بعض الشخصيات الظريفة في مآسي شكسبير الكبرى في تخفيف وطأة المأساة فيها في بعض المواقف فبها، كما نرى أمثلة على ذلك في مسرحية هاملت ومسرحية ماكبث.ولا نرى في مسرحيات تشيكوف القصيرة غير مسرحية واحدة يغلب عليها جو المأساة، وتقترب في صياغتها من مسرحياته الطويلة، وهي مسرحية في الطريق العام التي تتعرض لشخص إقطاعي ثري أحب فتاة حبا شديدا، ولكنه فوجئ يوم زفافه بها بهجرها له، وعيشها مع عشيق لها، وأصيب بألم شديد، حتى إنه أهمل كل حياته، واستغل زوج أخته ذاك منه، فكان عاملا مساعدا في فقده ممتلكاته وأراضيه، وأن يصبح مشردا بائسا معاقرا ومدمنا للفودكا، وأشير هنا إلى أن تشيكوف قد صور أحد الشخصيات الثانوية في مسرحية الخال فانيا حاله مثل حال بارتسوف بطل مسرحية في الطريق العام.وتتشابه أيضا مسرحية في الطريق العام مع مسرحيات تشيكوف الطويلة في أنه لا يكتفي فيها بعرض حدث مركز عن مأساة بارتسوف، ولكنه يعرض علينا فيها مشاكل أناس غيره تجمعوا معه في فندق بسيط فقير، ولكن أغلب الأحداث – في هذه المسرحية – كانت عن بارتسوف وتصوير جوانب من مأساته.
(٣)
ونلاحظ أيضا أن مسرحيات تشيكوف القصيرة غلب عليها الحس الكوميدي، من خلال رسم المواقف المثيرة للضحك فيها والتي تعتمد على المفارقات، ومن ذلك أننا نرى في مسرحية إجازة في الريف أن بطلها إيفان قد لجأ لصديق له يشكو له من كثرة من يستغلونه من المقربين منه – لا سيما زوجته – لقضاء حاجات لهم، وكيف أنه صار شديد الضيق من ذلك، حتى إنه فكر في الانتحار، وإذا بهذا الصديق يفاجئ إيفان بطلبه إليه خدمات يقدمها له، فهو أيضا لم يعنه شكوى إيفان له من كثرة من يرغبون في استغلاله ليقدم لهم خدماته، بل إنه هو أيضا قد طلب إليه أن يقدم له خدمات أخرى.وكذلك نرى مسرحية الجلف تقوم على موقف طريف، فبطلها سميرنوف يأتي لميسس بوبوف في بيتها مطالبا إياها بسداد كمبيالات وقعها زوجها الراحل له نظير كميات كبيرة من الشوفان أخذها منه، ويتعامل في البداية سميرنوف بحدة مع ميسس بوبوف، خاصة حين تخبره أنها ليس معها نقود في الوقت الحالي؛ لتعطيها له، وأنه عليه أن يأتيها بعد غد حين يكون وكيلها موجودا ليأخذ نقوده، وتعتذر إليه بعدم رغبتها في الحديث إليه؛ لأنها مازالت في فترة حداد على زوجها رغم مرور عدة أشهر على موته، وينفجر سميرنوف في وجهها غاضبا؛ لأنه مهدد بالحجز على أراضيه وعقاراته لو لم يسدد غدا مبلغا كبيرا وجب عليه سداده، وعندما تحتد ميسس بوبوف على سميرنوف وتوجه له كلمات نابية ينفجر فيها بطبيعته العصبية الحادة، ويطلب مبارزتها، ثم يتطور الموقف بينهما بعد ذلك، فيقع في غرامها، ويطلب إليها أن تقبله زوجا لها، وبعد ممانعة قليلة منها توافقه على ذلك.وأيضا نرى في مسرحية الخطبة نفس التحول الذي رأيناه في مسرحية الجلف، فبعد أن اشتبك فيها إيفان مع ناتليا؛ واحتد كل واحد منهما على الآخر، وتشبث برأيه فيما اختلفا فيه في عناد شديد شديد إذا بهما في نهاية المسرحية يتصافيان، ويستعدان لإقامة مراسم خطوبتهما.وأيضا نرى في مسرحية ليلة المحكمة موقفا طريفا، فبطلها زايتسف الشخص الظريف الفوضويي الذي اعتاد أن يتتبع أي متعة يعثر عليها في طريقه أو يستطيع الوصول إليها إذا به خلال سفره لإحدى المدن لعقد محاكمة له قد تنتهي بسجنه مدى الحياة – يحاول أن يجد خلال ذلك السفر أي تسلية وأي متعة، وبالفعل يرى امرأة جميلة مع زوجها، ويحتال بادعاء أنه طبيب حتى يتمكن من الاقتراب منها والكشف عليها، ويتصادف أن تكون هذه المرأة لعوبا، فتجاريه في نزوته، ويساعدهما في ذلك ما في زوجها من غفلة، فيتصور تقبيله لها نوعا من العلاج يعالجها به.وتكثر الأنماط الكوميدية في مسرحيات تشيكوف القصيرة، ولا عجب في أن تبدو هذه الشخصيات فيها على هيئة أنماط كوميدية؛ لأنه قصد برسمه لها بث جرعة من الكوميديا في هذه المسرحيات، كما أن هذه المسرحيات لقصرها فلم يكن هناك مساحة مناسبة لتصبح الشخصيات فيها نامية، وتتطور مع تتابع الأحداث فيها، كبعض شخصياته في مسرحياته الطويلة، كشخصية فانيا في مسرحية الخال فانيا، وشخصية إيلينا في مسرحية طائر النورس، وشخصية إيفانوف في مسرحية إيفانوف.وأكثر نمط كوميدي عرضه تشيكوف في مسرحياته القصيرة هو نمط الشخص العصبي الذي يستثار بسهولة، كما نرى ذلك في شخصية سميرنوف في مسرحية الجلف، وشخصية الكاتب الموظف كوزما في مسرحية الحفل التذكاري، وإيفانوف في مسرحية إجازة في الريف، والشخصيات الثلاث التي ظهرت في مسرحية الخطبة، وهي إيفان وناتليا ووالدها استيفان.وأيضا من الأنماط الكوميدية التي صورها أنطون تشيكوف في مسرحياته القصيرة نمط الشخص الثرثار الذي لا يكاد يتوقف عن الكلام، وقد رأينا في مسرحية الحفل التذكاري امرأتين ثرثارتين لا تكادان تتوقفان عن الكلام.وأيضا من الأنماط الكوميدية التي وظفها تشيكوف في مسرحياته القصيرة الشخص النرجسي الشديد الإعجاب بنفسه، وقد بدا أندريا أندريفتش في مسرحية الحفل التذكاري ممثلا لهذا النمط، ويضاف لكونه نرجسيا شديد الإعجاب بنفسه أنه ظريف جدا.وأيضا من الأنماط الكوميدية التي اعتمد عليها تشيكوف وظهرت في إحدى مسرحياته القصيرة نمط الشخص المدعي، وقام به نيوخين في مسرحية عن مضار التبغ، فهو رغم ضحالة معلوماته في الطب حاول أن يخطب خطبة عن مضار التبغ، وكان يخفي ورقة يقرأ منها خطبته؛ حتى لا ينكشف جهله وادعاؤه.وبدا زايتسف في مسرحية ليلة المحكمة نمطا للشخص الفوضوي الذي لا يعبأ بغده أو ما يمكن أن يقع على رأسه من المصائب في سبيل أن يستمتع بكل لحظة يعيشها، ولديه جرأة وظرف يمكنانه من نيل هذه المتع.كما تعد ميسس بوبوف في مسرحية الجلف نمطا كوميديا للمرأة التي تتظاهر بالحداد على زوجها، ولكنها في حقيقتها تتلهف لأول رجل يستثيرها وتقع في هواه.
(٤)
وقد عالج تشيكوف في مسرحياته القصيرة قضايا مختلفة، ومنها ما يتعلق بالمجتمع الروسي في الفترة التي كتب فيها هذه المسرحيات – وهي خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر – ومنها التناقض الواضح في المجتمع، ومثال على ذلك أن كثيرا من الناس يتناسون الفواجع التي تسبب فيها بعض الناس لغيرهم؛ وذلك من خلال مشاركتهم في الاحتفالات التي يقيمونها على أطلال من تسببوا في هلاكهم، كما نرى مثالا على ذلك في مسرحية تاتيانا ريبينا، كما أنه في هذه المسرحية صور لنا ما قام به بعض الناس داخل إحدى الكاتدرائيات من هرج ومرج بما لا يتناسب مع وقار هذا المكان.وأيضا عرض علينا تشيكوف بعض الفساد الموجود في بعض مؤسسات الدولة في مسرحية الحفل التذكاري.وأهم ما عرضه تشيكوف في مسرحياته القصيرة هو تلك النمازج الإنسانية المختلفة التي نراها في كل عصر وفي كل مكان، وقد سبق أن تحدثت عنها خلال ذكري للأنماط الكوميدية في مسرحيات أنطون تشيكوف القصيرة.


