الزيارة إلى (حن بعل)
حنَّ بعل 247- 183 ق .م
لوفعلها حنَّ بعل عام 217 ق.م. واحتل روما
ماذا كان حدث للعالم؟
قرطاج
يحكى أن أليسار بعد موت أبيها، هربت من أخيها بيجماليون ،وسار معها في 814 ق.م الكثير من الأشراف، حتى وصلت موقع قرطاجة وبنت عاصمة جديدة أسمتها قرت حدشت، أي القرية الحديثة ، ويقول بعض المؤرخين أنها لم تكن هاربة ، بل كانت مهمتها بناء هذه المدينة الجديدة.
عندما دمّر الإسكندر المقدوني صور عام332 ق.م ، انتقلت سيادة البحر منها إلى قرطاجة التي ازدهرت اقتصادياً، وتوسعت لتواجه خطر الإمبراطورية الناشئة حديثاً روما وحيث وقعت بينهما ثلاثة حروب سميت بـ البونية الفونيقية.
كانت روما وقرطاجة ترتبطان بمعاهدة حسن جوار، وحتى دفاع مشترك منذ سنة 348 ق.م وبعد الانتصارات الرومانية على اليونان، تطلع الرومانيون إلى صقلية، ودخلوها عام 264 ق.م لتبدأ أول حرب بين روما وقرطاجة، وتستمر أربع سنوات لتخسر روما في أواخر 261ق.م في معركة واحدة كل الذي ربحته ، وبدأت هزائم روما حتى عام 241 ق .م حين عقد همليقار برقة معاهدة صلح مع روما مضطراً ، بعد أن تخلص من شيوخ قرطاجة – وهذا ما سيحدث مع ابنه حنَّ بعل فيما بعد – .
بعد انقطاع لسنوات عاد همليقار إلى الحرب، وسار على رأس الجيش القرطاجي إلى إسبانيا بعد أن نقض الرومان الصلح، وهنا تبدأ مرحلة جديدة منذ عام 237 ق.م ، حيث همليقار يستعد للسفر فتوجه مع ابنه البكر “حنَّ بعل” وهو ابن تسع سنوات، إلى معبد اليسار أميرة البحر المقدسة وشفيعة قرطاجة، ليؤمن حمايتها العطوف لنجاح عمله المقبل”.
يقول أسد الأشقر في كتابه “تاريخ سورية” :
يتقدم همليقار حتى المذبح، حنَّ بعل يتبعه. ثم تبدأ الحفلة :
حنَّ بعل يستعيد تلك الذكرى يوماً من أيام أواخر حياته في أرض المنفى :
” كنت واقفاً إلى جانب أبي أمام المذبح، عندما سكب الخمر وتمم جميع الطقوس، رجا جميع الحاضرين أن يبتعدوا قليلاً، ثم قربني وسألني بمحبة وعطف: إذا كنت أريد مرافقته مع الجيش إلى إسبانيا، قبلتُ بفرح عظيم، بل تضرعت إليه أن يأخذني معه، أمسك إذ ذاك بيميني وقربني إلى المذبح، وهناك طلب مني أن أقسم بأن لا أكون أبداً صديقاً للرومان..”
لكن كيف عاش حنَّ بعل هذه السنوات التسع؟
يروي بعض المؤرخين أن أمه كانت تضع في فناء دارها دميةً على صورة جندي روماني محشوة بالرمل، وتعلم ابنها الصغير أن يشد قوسه ويرمي بسهمه في قلب الدمية، وفي رقبتها وعينها، وبذلك دربت طفلها منذ نعومة أظفاره على البراعة في الرماية، كما عودته أن يركب فرسه دون سرج ويقوده دون لجام، ويضغط بساقيه الصغيرتين حتى لا يفقد توازنه وهو ينطلق في عدوه يسابق الريح ، وفي يمناه رمحه الطويل. وبذلك أينع الطفل وقد أصبح فارساً لا يبارى في فروسيته. ويرى مؤرخ آخر أن حنَّ بعل كان له فيلٌ خاص به منذ صغره، وقد كبر معه، وكان شجاعاً وذكياً، وهو الذي سيكون قائد الأفيال في جيشه الكبير.
إذن في عام 237 ق.م بدا همليقار تحسين قاعدته الأولى قادش وتوسيعها،قبل أن يسقط ضحية خيانةٍ فخلفه صهره “عزر بعل” وانتقم من الذين خانوه ، ثم اتجه إلى العمران، وبنى قرطاجنة – قرطاجة الحديثة – ثم بدأ بتوحيد الشعب في إسبانيا تحت لوائه ، لكن الديبلوماسية الرومانية أوقفت امتداد عزر بعل وتحييده قبل أن يقتل عام 224 ق.م غيلةً في خيمته حيث كل الأصابع تشير إلى روما.
إذاً في عام 224 ق.م. تسلم حنُّ بعل زعامة العالم الكنعاني ، وبدأ بانتصاراته الرائعة … يقول المؤرخ الروماني تيتوس ليف :
” ما كاد حنُّ بعل يحل بالمعسكر حتى اتجهت نحوه سائر الأنظار، وخيل لقدماء الجنود أنهم يرون همليقار في إبان شبابه قد بعث إليهم من جديد ، إذ ارتسمت على وجه ذلك الشاب نفس علائم العزيمة التي كانوا يشاهدونها على محيا قائدهم الأول.
كانت لــحنَّ بعل جسارة كبيرةٌ في مواجهة الأخطار، فإذا ما ادلهمت النوائب رأيته محافظاً أتم المحافظة على ثباته وانتباهه العجيب، وما كانت الأعمال مهما تجاسمت وكبرت مشقتها لتؤثر أدنى تأثير على جسمه أو فكره، وليس كذلك البرد القارس أو القيظ الشديد، وكان لا يأكل إلا ما يفي بالحاجة لسد الرمق ، أما يقظته ومنامه فما كانا منوطين بليل أو نهار، فكان إذا ما انتهى من أشغاله في أية ساعة من الساعات جنح إلى الراحة غير مفتش عن فراش وثير، ولا عن وحدة وسكون، بل طالما كنت تراه غارقاً في بحبوحة النعاس وهو منطرح في وسط المعسكر العام أو بين صفوف الطلائع المتقدمة، وقد ائتزر بإزار جندي بسيط ، وكان بذخه الوحيد منصرفاً إلى سيفه وفرسه. وكانت له مساوئ تقابل هذه المحاسن، قساوةٌ وحشية ، بُعد عن الآلهة وخشيتها ، لا يحترم يميناً أقسم عليه إلا يمينه معاداة روما.
إلى روما..
وبدء الحرب
ساغونتي على الشاطئ الشرقي لإسبانيا تحت حماية قرطاجة ، يتم الإعلان فجأة ً أن معاهدة صداقة تربطها بروما ، فهم حن بعل أن روما تريد الحرب لم يتسرع كما كانوا يرغبون ، بل أبلغ قرطاجة ، وطلب أذنا ً من مجلس شيوخها الذي أجاب روما حول رغبتها بالحرب : قبلناها. وهذا ما شجع حن بعل في الإعداد لحملته ، فقد قرر أن يسحق روما .
في ربيع 218 ق.م. غادر حن بعل برفقة أخيه أزر بعل ومهر بعل وتسعين ألف راجلٍ ، واثني عشر ألف فارس ، وأربعين فيلا ً :
أخضع الشمال الإسباني ،اجتاز البيرينيه وانحدر من الألب ومشقاتها وثلوجها إلى الأرض الرومانية ، لم يبق معه سوى 36 ألفا ً ، وصل بحيرة (تراسيمان ) عام 217 وانتصر انتصارا ً كبيرا ً على الرومان ، فكر بغزو روما لكنه فضل الحكمة والحذر والانتظار واتجه إلى كان (كاني ) في أواخر عام 216 ، وكانت معركة نتيجتها 150 ألف قتيل من الرومانيين وأسر 17300 ، وفرار 4200 ،لكنه لم يتابع إلى (روما ) .
كان صديقه وابن عمه ، مهر بعل يحثه على الهجوم فلما لم ينفذ قال له جملة ً ذهبت مثلا ً :
” إنك تعرف كيف تنتصر يا حن بعل
لكنك لا تعرف الاستفادة من النصر “
اعتبر البعض أنه أخطأ في عدم زحفه على روما ، فالانتصار كان حليفه واعتبر آخرون أن الفشل كان سيلاقيه عند أبواب روما .
أما حن بعل فقد رأى أسبابا ًأن جنوده كانوا بحاجة للراحة ، والجنود الرومان لم يحاربوا بعد . ولم يكن معه سوى ستٌ وثلاثون ألف مقاتلٍ ، بينما يوجد داخل أسوار روما خمسون ألفاً . كما أنه لم يكن يأمل بأية إمدادات من قرطاجة التي كانت تطالبه بالأموال .
من هنا اتجه إلى المعارك الصغيرة ، بينما بدأت روما بالتجنيد الإجباري وإعادة بناء جيشها . ما زاد الأمور تعقيدا ً بروز القائد الروماني " سيبيون " المعروف بالإفريقي ، وبأنه تلميذ مدرسة حن بعل العسكرية ، وقد واجهه بنفس الخطة ، لم يشتبك معه بل ذهب إلى قرطاجة :
في أوائل عام 206 سيطر على أسبانيا وفي ربيع 203 صار جاهزا ً لمهاجمة قرطاجة ، وبدأ هجومه الكاسح عليها .
حن بعل غادر روما بعد ستة عشر عاما ً من الانتصارات عائداً إلى أفريقيا ، قال أحد المؤرخين عن هذه اللحظة :
" يندر أن يكون رجلٌ عظيم قد تألم ألما ً عميقا ً عند مغادرته وطنه إلى المنفى ، كما تألم حن بعل عند مغادرته أرضا ً عدوة ً ، فبينما كانت السفينة تتجه به إلى بلاده ، لم يتمكن من انتزاع نظراته عن الشواطئ الإيطالية التي تغيب عنه إلى الأبد ، وقد انهال باللعنات المريرة فاتهم الآلهة والبشر واستنزل اللعنات على نفسه لأنه لم يمشي إلى روما بعد معركة كاني .
202 ق.م. زا ما
قرب قرطاجة
التقى الجيشان القرطاجي والروماني ، والتقى سيبيون وحن بعل وحدهما ، كلٌ مع مترجمه فقط ، ناقشا الأمر وهما على حصانيهما ، لم يصلا إلى اتفاق ، عاد كل منهما إلى معسكره صامتا ً استعدادا ً للحرب ، لكن يقال إن اتفاقا ً سريا ً أبرم بينهما يقضي باحترام كل منهما للآخر ، مهما كانت نتيجة القتال . هزم الجيش القرطاجي، وانسحب حن بعل مع قيادته ، ومحا سيبيون عار روما، وفرض اتفاقية ً مهينة ً لقرطاج عام 201 .
عاد حن بعل إلى قرطاجة واستولى على السلطة فيها ، وصار متصرفا ًمطلقا ً فيها عام 195 ، فأعاد تنظيم الجند وأصلح المالية ، وبدأ بتجهيز الناس للقتال ، لكن الأشراف أوقعوا به ثانية ً لدى روما التي اتفقت معهم على تسليمه واقتياده إليها ، وكاد الأمر أن يتم لولا تنبه حن بعل للأمر فركب البحر ليلا ً ووصل إلى صور التي استقبلته بصورة لائقة ثم إلى آسيا الصغرى حيث اجتمع بـأنطوخيوس الثالث ملك سوريا الذي اعتبر أن حن بعل جاءه كرسول من السماء، فهو في مواجهة مع روما ، لكنه لم ينفذ الخطة التي أعدها حن بعل فكسره الرومان، وغاب أنطوخيوس من التاريخ فالتجأ حن بعل إلى ملك بيثينيا ، حيث حاصره الرومان هناك فمات .
موت حن بعل
بعد 19 عاما ً من معركة زاما ، وفي الرابعة والستين من عمره ، قرر حن بعل أن ينهي حياته وهو في حماية ملك بيثينيا الذي قال :
” بعد حصار حن بعل ركب حصانه سحب سيفه
وجرح إصبعه وبدأ بالعدو ، وفي اليوم الثالث مات “
يقول المؤرخ بيكر في كتابه حن بعل :
” مات وكأنه فتح بابا ً وخرج منه في منتهى البساطة ، فهل توارى في هوة لا قرار لها ؟ أم مثل أمام الله ليحاكم ؟ إننا إذ نجهل ما يمكن أن تكون هذه المحاكمة ، لا نستطيع أن نقيس حن بعل ونقدره بمقاييسنا ، فهل كان نيزكا ً اخترق ليل تاريخ الإنسان بلا معنى وبلا هدف ؟ أم كان واحدا ً من تلك الكواكب الفائقة الجمال ، يتبع مسرى ً محددا ً ويحدث تأثيرا ً معينا ً ؟
هذا ما جعل تاريخه يسحر الناس ويدهشهم إلى أعمق أعماقهم . أن يكون رجلا ً عظيما ً ، فهذا ما لا يرقى إليه شك ٌ عند أحد ، ولكن هل كان شيئا ً آخر ؟ ما هي الرسالة التي حملها إلى العالم ؟ إن رجال الدولة وقادة الجيوش ليسوا إلا ربابنة سفن، والأمواج لا تخضع لمشيئتهم . وتاريخ حن بعل هو أنصع برهان ٍ على هذه الحقيقة ، فلو قدر لرجل أن يغير وحده مجرى التاريخ لكان حن بعل هو هذا الرجل . “
البحث عن قبر حن بعل
جرت محاولات كثيرة للبحث عن قبر حن بعل ، لكنها كلها باءت بالفشل . من أهمها تأكيد د. مفيد مانسل أن المكان المفترض يجب أن يكون شمال غرب جيبز. و في عام 1962 أتى خياط ٌ إلى المجلس المحلي في جيبز وقال إنه يعرف مكان القبر ، فإذا كافئوه بمبلغ مائتي ألف ليرة تركية فسيدلهم عليه . كان الدافع لمعرفة المكان أسطورة ٌ تروي أنه دفن بين العين والحاجب . هنا تشكلت مجموعة حكومية وبدأت البحث ، وخلال البحث يقول بسيم شيشنر : كنا نسأل المزارعين عندما تقدم منا مصطفى في حوالي السبعين قائلا ً :
- أنتم في المكان الخطأ فسألناه :
وأين نبحث ؟ قال :بين الينبوع والبئر على تلك التلة ، لقد حاول الفرنسيون والبريطانيون أثناء الحرب معرفة المكان دون جدوى . فسألناه :- ولماذا لم تخبرهم ؟ فأجاب :
- لم يسألني أحد . سألناه :
- لقد قام وزير الثقافة بالبحث ، ولم يصل إلى نتيجة ، لماذا لم تخبره ؟
أجاب : - لم يسألني كذلك . ثم سألناه : أين القبر ؟ فدلنا على صخرتين تبدوان فعلا ً كالعين والحاجب، لكن أحد الأساتذة الجامعيين أبلغ رئيس الجمهورية بأننا ندمر المواقع الأثرية ، فجاءتنا الأوامر بالتوقف . عام 1934 أمر كمال أتاتورك بالبحث عن القبر وإقامة نصب تذكاري لحن بعل ، لكن هذا النصب لم يبدأ العمل فيه إلا في عام 1980 ، الذكري المئوية لولادة أتاتورك ، ودشن في 24 تموز 1981 ، وحفر عل الرخام بأكثر من لغة :
” أقيم هذا النصب
بمناسبة مرور 100 عام
على ولادة أتاتورك
كتعبيرعن تعاطفه مع حن بعل”
زيارة الضريح ..
في 31 أيار 2000 كنت في استنبول ، انطلقت من غربها إلى شرقها ، متجاوزا ً البوسفور وركبت الحافلة الصغيرة باتجاه (إزمت ) وصلت خليج (جيبز ) وتابعت إلى منطقة جبلية ريفية ٍ تبدو مهجورةً لا سيارات تقودك إلى المكان ، استأجرت سيارة ً خاصة أوصلتني إلى المكان الذي يبدو أكثر موحشاً ، قادني السائق في دربٍ شبه رملي يوصل إلى النصب ، وهناك واجهته ، أجل وجها ً لوجه مع حن بعل …
وجهــاً لوجــه…
وحيداً ما تزال لا أحد يزورك
لا أحد يعرف مكانك بين الجفن والعين
أعترف أمامك … أحبك و سعيدٌ أني جئت إليك
حزين لأنك وحيد
دمعةٌ لأجلك لم تسقط في حضرتك
فسقطت بعيداً بين الجفن والعين
حيث سأضعك دائماً رغم السنين.
حنّ بعل سيجيء يوم ونحن إليك
ربما نستعيد وهج ذاكرتنا من جديد
سيجيء يوم وتخرج إلينا مع البعل
ستخرج في الربيع من ذرات التراب..
الصور لضريح حنّ بعل 31 أيار 2000
ابن السما الأوغاريتي


