حكاية الحجر والنار والماء:
تحت قباب البخار… حين تغتسل حمص بأنوثه الماء والدفء.
الحمام العام بوصفه مختبر السحر الرطب
في مدينة حمص، التي عصفت بها الحروب وتآكلت حوافها بمرور الزمن فأضاءات الحكايا عند زوايا الاحجار، وتبدت تحف معمارية لا تتحدث بصوت المآذن، بل بصوت خرير الماء وتصاعد البخار.. فالحمامات التاريخية هنا ليست مجرد أماكن للنظافة، بل هي صالات مدينة قديمة، يلتقي فيها التاجر بالفلاح، والعروس بجدتها، والحكواتي بجمهوره.
واللافت أن معظم هذه الحمامات بنيت على أطلال حمامات رومانية، لكن العصر الأموي والمملوكي منحها هويتها الحمصية المؤكدة، كانت تُبنى بجوار الجامع الكبير والأسواق لسهولة الحركة ، ولأن الجسد النظيف عند الحمصي والعربي عموما، كان مقدمة للروح النظيفة.
أشهرها: حمام النوري (أم القباب)
هذا العملاق العتيق، الذي ينسب للدولة النورية، هو أقدمهم وأكثرهم هيبة. تخيل معي سقفاً مليئاً بالقباب الصغيرة التي تشبه فقاعات الصابون العملاقة، تتناثر فيها فتحات زجاجية صغيرة تُمرر الضوء كأنه خيوط ذهب هادئة. داخله دهاليز متعرجة، تبدأ بـ “المشلح” (غرفة خلع الملابس)، ثم “الوِسطاني” (الغرفة الدافئة)، وصولاً إلى “الجِواني” (الغرفة شديدة الحرارة) حيث الحجر الأسود الأملس يوشوشك بحرارة الأمومة.
ولايمكن أن ننسى: حمام العبد، وحمام السوق
كل حمام كان له شخصيته.
حمام العبد كان ملتقى العرسان، يدخلونه في الصباح الباكر ليُطهّروا أرواحهم قبل الزفة،
بينما كان حمام السوق ملتقى التجار الذين يتبادلون الصفقات خلال لفائف المناشف الساخنة! وكان الحمّامي (عامل الحمام) أشبه بطبيب نفسي وأخصائي تدليك في آنٍ واحد، يلين عضلات الناس ويروي أخبار المدينة أيضاً.
الهندسة المعمارية الفريدة للحمامات في المدينةالقديمة.
الأعجب في حمامات حمص هو نظام التدفئة الأرضي (الفرن البلدي) الذي كان يُشعل تحت البلاط مباشرة، والدخان يصعد عبر جدران مزدوجة كأنها عروق توزع الدفء. الماء كان يُسخن في مراجل نحاسية ضخمة، وكان الأطفال يتسابقون في النقاط المضيئة على الأرضيات الرخامية المطعمة بالفسيفساء.
ولم يقتصر دور الحمام على النظافة بل كان بمثابة الروح الاجتماعية او مسرح المدينة الموازي..قسمت فيه الايام بين الجميع بشكل عادل.. أيام للرجال وأيام للنساء. وفي أيام النساء، تتحول القاعة الكبرى إلى كرنفال من الضحكات، والأغاني الشعبية، ذلك البناء الهندسي الذي لا يغلق أبوابه على أجسادٍ فقط، بل على أرواحٍ تبحث عن طهرٍ أعمق من الماء ،ليتحول الحمام لما يشبه الصالون الثقافي الأول، حيث تُحل الخلافات، وتُعقد الزيجات، وتُروى سير الأبطال على أنغام إبريق الماء المسكوب على البلاط.
. وفي أيّام النساء، يتحوّل المكان إلى مملكةٍ ضاحكة، مملكةٍ تغسل فيها المرأة حمص كلها عن جسدها، ثم تخرج كأنها مولودةٌ من جديد.
أولاً: يومُ النساء.. مهرجانٌ تحت القباب
في الصباح الباكر، حين يغادر الرجال الحمام، تبدأ المدينة الأنثوية باستنشاق رائحة بخور الجاوي والزعتر البري الذي يُلقى على جمر الفحم. تتهادى النساء إلى “المشلح” الواسع، وكأنهن يملن إلى ساحة احتفالٍ لا إلى حمامٍ عاديّ. هنا، لا أحد يستعجل. الوقتُ يصبح كالعسل: ثقيل، دافئ، وحلو بنكهة لاذعة المذاق.
هنّ لا يأتين لتنظيف البدن فحسب، بل ليغسلن التعب عموما.. وهموم المنزل، وشجون الحياة.
تلك الأبواب الخشبية التي تُغلق خلفهنّ، كأنها تفصل عالماً عن عالم، تاركةً الرجال في شوارع الجدال، والنساء في فضاءٍ من الحرّية الرطبة.
في طقوس الماء والنار والضحك
يبدأ المشهد في “الوِسطاني”، حيث حجارة الرخام المصقولة تعكس وهج النوافذ الزجاجية الصغيرة التي تشبه عيوناً مذهّبة. هنا، تقشّر النساء أنفسهنّ بأحجار الخفّاف، وتتبادلن أطباق الحِنّاء والصابون البلدي الأسود، الذي تفوح منه رائحة الغار والزيتون كأنه قطعةٌ من جبال الساحل البعيدة.
لكن اللحظة السحرية تحين في “الجِواني”، حيث الحرارة تصبح كحضنٍ أمومي، يفتح المسامّ ويُذيل الجمود. هناك، تجلس النساء في حلقاتٍ صغيرة، تغمرهنّ ألسنة البخار، وتنطلق الحكايا:
· الجدة تحكي عن ايام شبابها و حمامات دمشق القديمة، وكيف كانت تأتي إلى حمص عروساً.
· العروس الجديدة تهمس لصديقتها عن ليلة الزفاف، بينما تخلع خواتمها الذهبية خوفاً من سخونة الماء.
· الجارة تناجي الأخرى عن سرٍّ في جيب زوجها، وسط ضحكاتٍ تملأ القباب كأنها أجراس كنيسةٍ بعيدة.
ويبقى للاحتفال… عرسٌ صغير في كل حمّام
في أيام الأفراح، كان الحمام يتحول إلى قاعة أعراسٍ موازية. كانت العروس تأتي برفقة أمّها وخالاتها، ومعها سلالٌ من الورد والفل، وعلب الحناء المزيّنة بخيوط الذهب. يبدأ الحفل بغناء الزغاريد، ثم يتولّى “الطواشي” (خادمة الحمام) تظهر تفنّنًا في تحضير الماء المعطّر باللوز المرّ والمسك. المشهد كلّه يؤلف لوحة منقلب التراث و طقساً جماعياً، حيث تتدلّى الضفائر الطويلة ، وتتطاير رذاذات الماء كاللآلئ، والأطفال يركضون بين الأرجل عراةً، يرشّون بعضهم بعضاً بفرحٍ بريّ.
والجدير بالذكر أن لكل حمّامٍ “نظامه الأنثوي”: ففي حمام العبد، كانت العرائس يتمتعن بزاوية خاصّة، يُزيّن سقفها بنقوشٍ ملونة تشبه سجاد الحنايا، أمّا في حمام السوق، فكانت النساء يتبادلن وصفات الجمال والنقاط السريّة لكل وصفة ، ويخرجن وكأنّ على بشرتهنّ طبقةً جديدةً من الحياة.
دور الحمّامجية.. حكيمة الماء الساخن
لا يكتمل السرّ الأنثوي دون ذكر “الستّ الحمّامية”، تلك المرأة التي تعرف كلّ شيء عن كلّ النساء. كانت بمثابة معالجٍ نفسيٍّ وجسديٍّ، تفرد العضلات بأصابعها الخبيرة، وتسمع البوح دون أن تبوح، وترشّ على الجروح الباطنية ماءً وملحاً وكلاماً لطيفاً. كانت هي حلقة الوصل بين حمّام وآخر، وبين سرٍّ وآخر، وبين جيلٍ وأمٍّ.
بعد الخروج.. حمصٌ أخرى
عندما تغادر النساء الحمام، في الظهيرة أو المساء، يخرجنَ بوجوهٍ تلمع كالقمر، وقلوبٍ أخفّ من الريح. تجلس بعضهنّ على عتبة باب الحمام او في صحن البراني ، ينتظرن ازواجهن، أو يتناولن كوباً من العرقسوس او الشاي او التمر هندي والزهورات. كأنّ حمص كلها ترى فيهنّ انعكاساً لروحها الرطبة، التي لا تجفّ، ولا تنسى، وتُصرّ على الحياة رغم كلّ الجفاف.
واقع الحمامات الاثرية اليوم
للأسف، كغيرها من معالم حمص، تضرر بعضها وتشققت قبابها، لكن روحها لم تبرد. بعضها لا يزال مفتوحاً، يحاول ترميم جدرانه، وما زال كبار السن يدخلونها ليس للاستحمام فقط، بل ليشتموا رائحة الطفولة، ذلك المزيج العجيب من الصابون البلدي، والفحم المشتعل، وعرق الحجارة القديم… وقد برد الماء
ندخلها كغرباء، ونخرج منها كحمصيين جدد، لأن هذه الحمامات علمتنا درساً: أن العمارة ليست حجارة باردة، بل ذاكرة دافئة رطبة.
سمر محفوض
خاص مجلة ايليت فوتو ارت


