التشكيلي العراقي: مؤيد نعمة..حين يسخر الطين من الواقع ،ويتحوّل الكاريكاتير إلى نحتٍ وذاكرة.فنان جمع بين جرأة الفكرة وعبقرية التشكيل وذاكرة الإنسان- إعداد: فريد ظفور.

مؤيد نعمة… حين يسخر الطين من الواقع، ويتحوّل الكاريكاتير إلى نحتٍ وذاكرة

رائد الخزف الكاريكاتيري في العراق… فنان جمع بين جرأة الفكرة وعبقرية التشكيل وذاكرة الإنسان

إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

مقدمة: فنان لم يرسم الوجوه فقط… بل أعاد تشكيلها

في تاريخ الفنون التشكيلية العراقية أسماء تركت بصمتها عبر اللون والخط والكتلة، وأسماء أخرى تجاوزت حدود الأدوات التقليدية لتبتكر لنفسها مسارات تعبيرية مختلفة. ومن بين هذه التجارب يبرز اسم الفنان العراقي الراحل مؤيد نعمة (1951–2005)، الذي استطاع أن يجمع بين الرسم الساخر والكاريكاتير السياسي والنحت والخزف، في تجربة فنية حملت خصوصية واضحة، سواء في موضوعاتها أو في أسلوبها أو في جرأتها التعبيرية.

كان مؤيد نعمة فناناً لا يكتفي بمراقبة الواقع، بل يعيد قراءته وتفكيكه، ثم يقدّمه للمتلقي بخطوط ساخرة وملامح مبالغ فيها، تحمل خلف ابتسامتها أسئلةً اجتماعية وسياسية وإنسانية. وإذا كان الكاريكاتير قد منحه مساحة واسعة للتعبير، فإن الخزف أتاح له أن ينقل السخرية من سطح الورق إلى عالم المجسمات، حيث تتحول الوجوه إلى كتل طينية نابضة بالحضور والدلالة.

إنه الفنان الذي جعل من الطين مادةً للتأمل والسخرية، ومن الملامح البشرية نصوصاً بصرية مفتوحة على التأويل.

من بغداد إلى معهد الفنون الجميلة… البدايات الأولى

وُلد مؤيد نعمة في بغداد عام 1951، ونشأ في بيئة عراقية كانت تشهد تحولات ثقافية وفنية واجتماعية متسارعة، انعكست على الحياة الصحفية والفكرية، ووفّرت للفنانين مساحات متعددة للتعبير عن واقعهم.

بدأت موهبته في الرسم والكاريكاتير بالظهور مبكراً؛ ففي عام 1967، وكان لا يزال في مرحلة الشباب، نشر رسماً كاريكاتيرياً جريئاً للرئيس الأمريكي ليندون جونسون في مجلة «المتفرج» الساخرة. وكانت تلك الخطوة مؤشراً مبكراً إلى امتلاكه حساً نقدياً وقدرة على توظيف المبالغة البصرية في التعبير عن المواقف والأفكار.

أما رحلته الأكاديمية، فتعود تفاصيلها إلى ما نقلته السيدة مها البياتي، زوجة الفنان الراحل، إذ ذكرت أنه تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1970، ثم التحق بأكاديمية الفنون الجميلة، قسم الخزف (السيراميك)، ليتخرج عام 1976.

وتشير روايتها إلى أنه خسر سنة دراسية بسبب تفرغه للمشاركة في إنجاز أول فيلم كارتوني عراقي سياسي بعنوان «لعبة كرة القدم الأمريكية»، بالتعاون مع الرسام بسام فرج ومجموعة من الرسامين.

وتكشف هذه المحطة عن جانب مهم من شخصية مؤيد نعمة؛ فهو لم يكن محصوراً في وسيط فني واحد، بل كان يمتلك فضولاً إبداعياً دفعه إلى خوض تجارب الرسم والتحريك والتعبير البصري، قبل أن يستقر تخصصه الأكاديمي في الخزف، الذي أصبح أحد أهم المكونات التقنية والجمالية في مسيرته.

الكاريكاتير… حين تصبح المبالغة وسيلة لكشف الحقيقة

لم يكن الكاريكاتير بالنسبة إلى مؤيد نعمة مجرد رسم ساخر غايته الإضحاك أو التسلية، بل كان وسيلة للتعبير عن المواقف وكشف التناقضات الاجتماعية والسياسية والإنسانية.

فالكاريكاتير في جوهره فن اختزال ذكي؛ يستطيع الفنان من خلال خط واحد أو ملامح مبالغ فيها أن يختصر شخصية كاملة، أو يكشف تناقضاً في سلوك اجتماعي، أو يعبّر عن موقف سياسي لا تستطيع المقالات الطويلة أحياناً أن توصله بالقوة نفسها.

وقد امتلك مؤيد نعمة حساً خاصاً في التعامل مع ملامح الوجوه، فكان يلتقط السمات الأكثر تعبيراً في الشخصية، ثم يعيد صياغتها بصرياً، معتمداً على المبالغة المدروسة والتكوين المتوازن والاختزال التعبيري.

ومن هنا اكتسبت أعماله قدرة على توثيق تفاصيل الحياة العراقية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ليس من خلال التسجيل الحرفي للأحداث، بل عبر التقاط روح المرحلة ومفارقاتها وشخصياتها ومناخها الاجتماعي.

لقد كانت خطوطه الساخرة أشبه بذاكرة بصرية تحفظ ما قد تنساه الوثائق المكتوبة؛ فالوجه عنده لم يكن مجرد ملامح، بل كان حاملاً لدلالات اجتماعية ونفسية وثقافية.

من «مجلتي» و«المزمار» إلى ذاكرة الطفولة العراقية

امتدت تجربة مؤيد نعمة إلى صحافة الأطفال، حيث ساهم برسوماته في الأعداد الأولى من مجلتي «مجلتي» و«المزمار»، الصادرتين عن دار ثقافة الأطفال في العراق خلال مطلع سبعينيات القرن الماضي.

وكان هذا المجال يتطلب لغة بصرية مختلفة، تجمع بين البساطة والخيال والقدرة على مخاطبة الطفل دون الوقوع في المباشرة أو التسطيح.

وقد أضافت هذه التجربة بُعداً آخر إلى مسيرته؛ فالفنان الذي كان يمتلك جرأة الكاريكاتير السياسي استطاع أن يتعامل أيضاً مع عالم الطفولة، وأن يوظف الخطوط والأشكال في صناعة مشاهد قريبة من خيال الصغار وذاكرتهم.

وهكذا تنقلت تجربته بين الصحافة الساخرة والصحافة الثقافية وصحافة الأطفال، مؤكدة أن الرسم بالنسبة إليه لم يكن مجرد مهنة، بل لغة تعبيرية متعددة الاستخدامات.

الريادة في الخزف الكاريكاتيري… عندما يصبح الطين وجهاً يتكلم

لعل أكثر ما يمنح تجربة مؤيد نعمة خصوصيتها هو انتقاله من الكاريكاتير المرسوم على الورق إلى الكاريكاتير المجسّم، عبر توظيف الخزف في تشكيل الوجوه والبورتريهات الساخرة.

فهو لم يكتفِ برسم الأنف الكبير أو الجبهة البارزة أو الذقن الممتد، بل نقل هذه المبالغات إلى عالم الكتلة والفراغ والحجم، لتصبح الملامح عناصر تشكيلية ثلاثية الأبعاد.

وتبرز أهمية هذه التجربة في الجمع بين معرفتين فنيتين مختلفتين: الأولى هي معرفة الرسام بطبيعة الخطوط والنسب والتعبير، والثانية هي معرفة الخزّاف بخصائص الطين والتشكيل والملمس والتجفيف والحرق والمعالجات السطحية.

إن تشكيل وجه كاريكاتيري بالخزف ليس مجرد نقل للرسم إلى مادة أخرى، بل هو إعادة بناء للشخصية ضمن فضاء مجسّم؛ إذ يتعين على الفنان أن يفكر في الوجه من جميع الجهات، وأن يوازن بين المبالغة التشريحية والانسجام البنائي، وأن يمنح الكتلة قدرة على التعبير دون أن تفقد تماسكها.

وهنا تتجلى خصوصية مؤيد نعمة؛ فقد جعل من الأنف والوجنتين والجبهة والفم والذقن مفردات تشكيلية، لا مجرد تفاصيل تشريحية، وحوّل المبالغة الكاريكاتيرية إلى بناء نَحتي يحمل روح الدعابة والنقد والمفارقة.

ويمكن وصف هذه التجربة بأنها انتقال من كاريكاتير الخط إلى كاريكاتير الكتلة، ومن السخرية المسطحة إلى السخرية المجسّمة.

وبحسب ما يُتداول عن تجربته الفنية، يُعد من رواد التوجه الاحترافي إلى البورتريه الفخاري الكاريكاتيري في العراق، وهي تجربة تستحق دراسة توثيقية متخصصة تقارن أعماله بالمراحل الأخرى لتطور النحت الخزفي التعبيري.

إنها بحق سخرية الطين، حين يصبح الوجه مرآةً للإنسان، وحين تتحول المادة الصلبة إلى لغة قادرة على كشف ما تخفيه الملامح.

بين الفن والأكاديمية… صناعة أجيال جديدة

لم يكن مؤيد نعمة فناناً منشغلاً بإنتاج أعماله الخاصة فقط، بل امتدت مسيرته إلى المجال الأكاديمي والتعليمي، حيث تولى رئاسة قسم الخزف في معهد الفنون والحرف الشعبية، وأسهم في تدريس الطلبة وتوجيه أجيال من الفنانين والحرفيين.

وهذه المحطة تضيف إلى سيرته أهمية تتجاوز الإنجاز الشخصي؛ فالفنان الأكاديمي لا يترك أعمالاً فنية فحسب، بل يشارك في نقل الخبرة والمعرفة، وفي بناء الذائقة الفنية لدى الآخرين.

ومن المعروف أن الخزف من الفنون التي تحتاج إلى الجمع بين الحس الجمالي والمعرفة التقنية؛ فهو يتطلب إدراكاً لطبيعة المواد الطينية ودرجات الحرارة وتقنيات التشكيل والتزجيج والحرق، فضلاً عن القدرة على تحويل الفكرة إلى شكل مادي متماسك.

وقد جمع مؤيد نعمة بين هذه المعرفة التقنية والخيال التشكيلي، الأمر الذي أتاح له أن يتعامل مع الخزف بوصفه مجالاً للفن الحر والتجريب، لا مجرد حرفة تقليدية.

مها البياتي… شراكة ثقافية وإنسانية

وفي حياته الشخصية والثقافية، شكّل مؤيد نعمة مع زوجته الصحافية والأديبة العراقية المعروفة مها البياتي ثنائياً ارتبط بالإبداع والثقافة والاهتمام بالشأن الفكري.

وقد رافقت مها البياتي تجربته، وأسهمت شهادتها في إضاءة جوانب من سيرته الأكاديمية والفنية، ولا سيما تفاصيل دراسته ومشاركته في الفيلم الكارتوني السياسي الأول.

وتشير المعلومات التي نقلتها زوجته إلى أن حياتهما لم تكن بعيدة عن الضغوط السياسية والمهنية التي عرفتها تلك المرحلة، لكنهما تمسكا بقناعاتهما الثقافية وبحقهما في التعبير والإبداع.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية الشهادات الشخصية والعائلية في كتابة تاريخ الفن؛ فهي لا تملأ الفراغات الزمنية في السيرة فحسب، بل تحفظ التفاصيل الإنسانية التي قد لا تسجلها الكتب والمراجع الرسمية.

فلسفة مؤيد نعمة… ثلاثية الفكرة والمهارة والجرأة

ارتبط اسم مؤيد نعمة بوصفه «فنان السخرية السامية»، وهي تسمية تلخص جانباً من فلسفته في التعامل مع الفن، حيث تتجاوز السخرية حدود النكتة العابرة لتصبح أداة للتأمل والنقد وقراءة الواقع.

ويمكن قراءة تجربته من خلال ثلاثية فنية أساسية:

أولاً: الفكرة. لم يكن الشكل لديه منفصلاً عن المضمون، فالوجه الكاريكاتيري يبدأ من فكرة، والمبالغة لا تتحقق لمجرد التشويه، بل لخدمة معنى أو كشف مفارقة.

ثانياً: المهارة. امتلك أدوات الرسم والتشكيل، واستطاع أن ينقل خبرته من الورقة إلى الخامة، ومن الخط إلى الحجم، ومن الصورة ثنائية الأبعاد إلى المجسم الخزفي.

ثالثاً: الجرأة. لم يتعامل مع الفن باعتباره زينة بصرية أو وسيلة لإرضاء الأذواق السائدة، بل مساحة للتجريب والتعبير الحر، وهو ما منح تجربته خصوصيتها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب ارتباط اسمه بفكرة الاستقلال الفني والابتعاد عن المساومة التجارية، وهي صفات جعلت من أعماله جزءاً من ذاكرة الكاريكاتير والتشكيل العراقي.

مؤيد نعمة في ذاكرة الفن العراقي… من الإرث إلى التكريم

رحل الفنان مؤيد نعمة في بغداد يوم 27 تشرين الثاني عام 2005، تاركاً وراءه تجربة فنية متعددة المسارات، لم تقتصر على الكاريكاتير الصحفي، بل امتدت إلى النحت والخزف والتدريس والعمل الثقافي.

لكن رحيل الفنان لا يعني انتهاء حضوره؛ فالأعمال التي تحمل رؤية خاصة تواصل حياتها عبر الأجيال، وتتحول مع الزمن إلى وثائق بصرية وفنية تستحق الحفظ والدراسة.

وفي سياق الاهتمام بإرثه، تبرز المعلومات الواردة عن إطلاق «جائزة مؤيد نعمة للنحت والخزف الكاريكاتيري» في العراق عام 2026، ضمن مبادرات بيت الكاريكاتير العراقي، بوصفها خطوة لتشجيع الفنانين على الابتكار في هذا المجال، وإعادة تسليط الضوء على تجربة مؤيد نعمة.

وتكتسب هذه المبادرة دلالتها من ارتباطها باسم فنان ارتبطت تجربته بتقاطع الكاريكاتير مع الخزف والنحت، وهي مساحة فنية لا تزال تتيح إمكانات واسعة للتجريب والتطوير.

ومن المهم أن يترافق التكريم مع مشروع توثيقي متكامل يجمع أعماله ورسوماته ومجسماته، ويستعيد شهادات معاصريه وطلابه وأفراد عائلته، وصولاً إلى إعداد دراسة نقدية وأرشيف بصري يحفظ مراحل تجربته.

خاتمة: حين يبقى الطين شاهداً على روح الفنان

لم يكن مؤيد نعمة مجرد رسام كاريكاتير أو نحات خزفي، بل كان فناناً امتلك قدرة نادرة على الجمع بين الفكرة والمهارة والخيال، وعلى تحويل السخرية من مجرد موقف عابر إلى لغة تشكيلية ذات أبعاد إنسانية وفكرية.

لقد رسم الوجوه، ثم أعاد تشكيلها بالطين، وكأنما أراد أن يمنح السخرية جسداً وذاكرة، وأن يجعل من الملامح البشرية مسرحاً صغيراً تتجسد فيه تناقضات الحياة.

ومن الخط الأسود على الورق إلى الكتلة الخزفية، ومن الصحافة الساخرة إلى قاعات الفن والتعليم، ظل مؤيد نعمة يبحث عن جوهر الشخصية خلف مظهرها، وعن الحقيقة المختبئة خلف المبالغة.

وربما تكمن عظمة تجربته في أن أعماله لم تكن تضحكنا على الوجوه بقدر ما كانت تدعونا إلى التفكير فيها؛ فالسخرية عنده لم تكن نقيض الجمال، بل إحدى طرائق اكتشافه، ولم يكن الطين مجرد مادة للنحت، بل ذاكرة تحتفظ بملامح الإنسان.

رحل مؤيد نعمة، لكن وجوهه بقيت شاهدة على زمنها؛ فبعض الفنانين يتركون لوحات، وبعضهم يتركون أسلوباً، أما هو فقد ترك مساحة فنية يتعانق فيها الكاريكاتير مع الخزف، وتلتقي فيها سخرية الفنان بوجع الإنسان.

إعداد: فريد ظفور

أخر المقالات

منكم وإليكم