الأديب والشاعر العراقي: مازن جميل المناف واحداً من الأصوات الأدبية التي اختارت أن تنحاز إلى المناطق العميقة من التجربة الإنسانية.- إعداد: غني العواد.

مازن جميل المناف..
شاعر القلق الوجودي وصوت الإنسان في مواجهة العتمة

يُعدّ الأديب والشاعر العراقي مازن جميل المناف واحداً من الأصوات الأدبية التي اختارت أن تنحاز إلى المناطق العميقة من التجربة الإنسانية، وأن تجعل من القصيدة فضاءً مفتوحاً للتأمل في أسئلة الوجود والمصير والخذلان. فهو شاعر حداثي تتكئ تجربته على النص المفتوح والرؤية الوجودية، وتتشابك في كتابته السوداوية الفلسفية مع الاعتراف الداخلي والمناجاة الثائرة، في محاولة دائمة لاكتشاف المعنى وسط عتمة الحياة وتقلباتها.
وقد وصفه عدد من النقاد بـ «شاعر الوجودية السوداء»، لما تنطوي عليه نصوصه من رمزية جنائزية وقلق وجودي واحتجاج على وجع الإنسان المعاصر. فهو لا يكتفي بتسجيل الحزن أو استحضار الألم، بل ينفذ إلى جذورهما، محاولاً مساءلة الإنسان في ضعفه وانكساره وحيرته، ومحوّلاً القصيدة إلى مرآة تعكس ارتجاجات الروح وأسئلتها التي لا تهدأ.
البدايات وتشكّل الموهبة
وُلد مازن جميل المناف في بغداد عام 1970، وفيها عاش ونشأ، وتلقى تعليمه في مدارسها الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، فكانت بغداد بفضائها الثقافي والإنساني المتنوع حاضنة مبكرة لتكوين شخصيته ووعيه.
أما البذرة الأولى لموهبته الأدبية، فقد ظهرت في الصف الأول المتوسط، حين تنبّهت مدرسة اللغة العربية إلى خصوصية أسلوبه السردي في مادة الإنشاء، وقالت له عبارة تركت أثراً عميقاً في نفسه: «أنت مشروع كاتب». كانت تلك الكلمات أشبه بنافذة انفتحت أمام فتى يكتشف للمرة الأولى أن ما يكتبه يمكن أن يكون بداية طريق طويل.
ومنذ ذلك الوقت، بدأ المناف يعمل على صقل موهبته بالقراءة والاطلاع، فاتسعت علاقته بالأدب والفكر والفلسفة، وأخذت التجربة تنمو معه عاماً بعد آخر، حتى غدت الكتابة جزءاً أصيلاً من تكوينه الفكري والوجداني.
يحمل المناف شهادة الدبلوم، إلا أن تجربته المعرفية لم تتوقف عند حدود التحصيل الأكاديمي، بل اتسعت عبر القراءة والممارسة والانخراط في المشهد الثقافي والإعلامي، ليصبح اسمه حاضراً في عدد من المنابر الأدبية والصحفية والثقافية العراقية والعربية.
الحضور الثقافي والإعلامي
ينتمي مازن جميل المناف إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وشغل عدداً من المواقع والمهام الثقافية والإعلامية، من بينها نائب رئيس المركز العراقي للثقافة والآداب، ونائب رئيس تحرير صحيفة مدارات ثقافية الورقية، ونائب رئيس تحرير مجلة السطور الأدبية.
كما يحمل عضوية اتحاد الصحفيين العراقيين، وهيئة إدارة وكالة الإعلام العراقي والعربي، ومنظمة الإعلاميين والصحفيين العراقيين المستقلة، وسكرتارية الشؤون الثقافية في جريدة العراق الإخبارية، إلى جانب عضويته في مجلة الفنون الأدبية واتحاد الأدباء الدولي – فرع العراق واتحاد كتاب الإنترنت العراقيين وتجمع الصحفيين العراقيين.
وعمل في وقت سابق مراسلاً لصحيفة سيروان، جامعاً في تجربته بين الكتابة الأدبية والعمل الصحفي الميداني، وهو ما أتاح له الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية وقضايا المجتمع والإنسان، وانعكس ذلك على طبيعة كتاباته واتساع موضوعاتها.
منجزه الأدبي
أصدر المناف عدداً من الدواوين والأعمال الأدبية التي حملت بصمته التأملية والاعترافية، ومن أبرزها:
وجع عبر نوافذ الرماد – 2019.
نعش الدمى – 2021.
آخر مشهد من حماقتي – 2022.
كوامن الهروب – 2022.
للقيامة موعد آخر – 2023.
نقاب الخديعة – 2023.
الهوس الراقد – 2024، بالاشتراك مع الروائي والمترجم علي البدر.
وصيتي على جدران الله – 2026، في كتاب يقع في 580 صفحة.
كما أصدر كتابه «مقالات تحت المجهر» بجزأيه الأول والثاني عام 2022، متضمناً مجموعة من المقالات الاجتماعية والفلسفية والأدبية.
وشارك كذلك في إصدار الكتاب الموسوعي المشترك «خمسون مبدعاً عراقياً – أنطولوجيا» عام 2020، بالاشتراك مع الأديب الراحل رجب الشيخ، فضلاً عن رسائل حوارية مشتركة معه ما تزال قيد الطبع، إلى جانب مخطوطات أدبية أخرى تنتظر النشر.
المقالة والدراسة والحضور الصحفي
كتب المناف عشرات المقالات والدراسات الأدبية والاجتماعية والسياسية والفلسفية، ونُشرت كتاباته في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، من بينها: الدستور، النهار، الشرق، العراق الإخبارية، كواليس، البديل الجزائرية، الكلمة الحرة، مدارات ثقافية، أوتار، الأسرار السورية، البينة الجديدة، أوراك، الحقيقة، الثقافية، والمستقبل.
كما عُرف بحضوره الإعلامي من خلال التحقيقات والتغطيات الصحفية، فضلاً عن عموده الشهري الثابت في صفحة «أقلام حرة»، ليؤكد من خلال هذا النشاط أن مشروعه لم يكن شعرياً فحسب، بل كان مشروعاً ثقافياً متعدد المسارات.
وشارك في لقاءات إذاعية وتلفزيونية عديدة، من أبرزها حواره عبر إذاعة «صوت العرب» من القاهرة حول حياة الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة، إلى جانب مشاركاته في إذاعة النهار الفضائية، وقناة الغدير، وقناة روج آفا السورية، وإذاعة القوات المسلحة وغيرها من المنابر الإعلامية.
تجربته في مرآة النقد
حظيت تجربة مازن جميل المناف باهتمام عدد من النقاد والأدباء العراقيين والعرب، الذين توقفوا عند خصوصية مشروعه الشعري وفرادته الأسلوبية، ومن بينهم: المرحوم عباس باني المالكي، طالب عمران المعموري، حميد العنبر الخويلدي، جبو بهنام بابا، جلال ساجت، قصي المحمود، خالد الخليفة، حيدر الشماع، د. سعدي عبد الكريم، جاسم السماري، عبد الستار نور علي، حسين عجيل الساعدي، غالب فيصل، سمر الغوطاني، المرحوم رجب الشيخ، داود السلمان، عماد خالد نعمة، وغيرهم.
ولم يقتصر حضوره النقدي على أن يكون موضوعاً للقراءة والدراسة، بل مارس هو أيضاً دوراً في تقديم التجارب الأدبية، فكتب مقدمات وإضاءات نقدية لعدد من الكتب والمجاميع الشعرية والقصصية، مقدماً قراءات تنم عن انشغال واضح بالفعل الثقافي بوصفه مشروعاً معرفياً متكاملاً.
ومن أبرز ما كتب في هذا المجال مقدمة المجموعة القصصية «ولع السباحة في عين الأسد» للقاص المغربي حسن إبراهيمـي، ومقدمة كتاب «مقاربات مع شعراء عراقيين وعرب» للشاعر والروائي علي البدر، فضلاً عن إضاءات نقدية للشاعرة سناء شمه في ديوانها «قارئ الهوى»، وللشاعر علي السيد في ديوانه «احتضار دمعة مساء».
حضور في موسوعة الشعر العراقي
أُدرج اسم مازن جميل المناف ضمن موسوعة الشعر العراقي الفصيح للباحثة المغربية فاطمة بوهراكة، تحت التسلسل 3163، في خطوة تؤكد حضوره ضمن خارطة الشعر العراقي والعربي المعاصر.
التكريم والاعتراف
نال المناف عدداً من كتب الشكر والتقدير والدروع والأوسمة الثقافية، من بينها كتاب شكر من وزارة الثقافة العراقية، ودرع الإبداع الوظيفي عام 2023 عن قصته القصيرة «بقايا أمل»، ضمن احتفال أقيم في جامعتي بغداد والمستنصرية.
كما نال قلادة ودرع الإبداع من جريدة العراق الإخبارية وصحيفة الشرق، إلى جانب تكريمات من اتحاد الصحفيين العراقيين ووكالة الإعلام العراقي، فضلاً عن مشاركته في فعاليات وأمسيات وملتقيات ثقافية وأدبية مختلفة.
شاعر يكتب من حافة السؤال
في تجربة مازن جميل المناف، تبدو القصيدة أكثر من مجرد بناء لغوي أو انفعال عابر؛ إنها محاولة لمواجهة الأسئلة التي تسكن الإنسان حين يتجرد من يقينه، ويقف وحيداً أمام الزمن والموت والحب والخسارة والخذلان.
إنه شاعر اختار أن ينظر إلى العتمة لا بوصفها نهاية، بل بوصفها مساحة للتأمل والبحث. ولذلك تتجاور في نصوصه الفلسفة مع الشعر، والاعتراف مع الاحتجاج، والحزن مع الرغبة في العثور على نافذة للضوء.
ويواصل المناف حضوره في المشهد الأدبي والثقافي من خلال الأمسيات والندوات واللقاءات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، كما له قصائد مشتركة منشورة ضمن دواوين عربية وعراقية.
وهكذا تتشكل مسيرته بوصفها رحلة كاتب بدأ حلمه في مقعد دراسي صغير، حين قالت له معلمته: «أنت مشروع كاتب»، فآمن بالكلمة، وواصل الطريق بالقراءة والتجربة والمثابرة، حتى أصبح له منجزه الخاص وصوته الذي يمكن تمييزه داخل المشهد الأدبي العراقي.
إنها رحلة بدأت من بغداد، ونمت في ظلال القراءة، وتبلورت عبر الشعر والصحافة والنقد، لتترك وراءها تجربة أدبية تنشغل بالإنسان في أقصى حالات قلقه، وتبحث، رغم كل العتمة، عن معنى يستحق أن يُكتب.
اعداد
غني العواد
أعلام من بلادي

أخر المقالات

منكم وإليكم