الثور الكامن: بين عنف الحرب وهشاشة السلام في عمل سلام عمر
لا يقدم هذا العمل الحرب كصورة مباشرة بل كقوة كامنة تتشكل في وعي المتلقي. فاللطخة السودا في امتدادها الأفقي وانحناءاتها الحادة ومع اضمحلال كلمة “ الحرب ” في أعلاها تخلق إيحاء بصريا يستقر تدريجيا في هيئة ثور. هذا التشكل لا يفرض على العين بل يستدعى من داخلها كأن الإدراك نفسه يبحث عن صورة تختزل هذا التوتر.من هنا يتسلل إلى الذاكرة أثر لوحة الغرنيكا حيث يتحول الثور في تجربة بيكاسو إلى رمز مكثف للعنف والقوة غير القابلة للترويض. غير أن هذا الاستحضار لا يأتي بوصفه اقتباسا بصريا بل كامتداد لذاكرة إنسانية أصبحت ترى في هذا الكائن تجسيدا للطاقة حين تنفلت من كل نظام.في مقابل هذا “ الثور الكامن ” تمتد خلفية العمل بوصفها نقيضا ظاهريا أرقام مرتبة بعناية موزعة وفق منطق صارم تذكر بالنظام بالقياس وبفكرة الزمن الذي يمكن التحكم به. هنا يتجلى السلام لا كحالة شاعرية بل كبنية عقلانية تقوم على التنظيم والتراكم وعلى الإيمان بإمكانية بناء أفق مستقر عبر الترتيب والدقة.لكن هذا النظام على صلابته الظاهرة يظل هشا. فاللطخة/الثور لا تهاجم الأجساد بل تقتحم هذا النظام نفسه. إنها لا تدمر الأشياء بل تلوث معناها. الأرقام التي توحي بالاستقرار تسحب إلى داخل الفوضى وكأنها تفقد وظيفتها في العد والقياس لتتحول إلى أثر بصري فاقد للدلالة. في هذه اللحظة لا تعود الحرب حدثا بل تصبح انهيارا للغة التي نفهم بها العالم لغة الأرقام ولغة الكلمات معا.إن اضمحلال كلمة “ الحرب ” داخل الكتلة السوداء يعمق هذا المعنى فالكلمة التي يفترض أن تسمي تتلاشى وكأن اللغة تعجز عن احتواء ما تشير إليه. وهنا يظهر الثور لا كصورة مرئية فحسب بل كضرورة تأويلية كيان يتشكل عندما تفشل اللغة وتنهار البنية ويعود الإدراك إلى مستوى أكثر بدائية.في هذا التوتر بين الأرقام واللطخة بين النظام والفوضى لا يبدو السلام نقيضا للحرب بقدر ما يبدو محاولة مستمرة لتأجيلها. فكل ذلك البناء الدقيق كل ذلك الاجتهاد في تنظيم العالم يمكن أن يختزل أو يمحى بلحظة اندفاع واحدة.السلام ليس نقيض الحرب بل بنيتها المؤقتة. وما الأرقام التي نرتب بها العالم إلا محاولة دائمة لترويض ثور نعرف في أعماقنا أنه لا يكف عن العودة.#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت…


