أثر الفوتوغرافيا في الرسم التشكيلي
اميرة ناجي /بغداد ناقدة وفنانة تشكيليةا
تغيّر عالم الفن إلى الأبد عندما التقط جوزيف نيسيفور نيبس أول صورة فوتوغرافية معروفة عام 1826 وكانت صورة بسيطة لمنظر من نافذته التُقطت باستخدام الكاميرا المظلمة واستغرقت عملية التعريض نحو ثماني ساعات غير أن أثر هذا الاكتشاف لم يكن بسيطًا بل امتد طويلًا ليُحدث تحولًا جذريًا في مسار الفنكما يحدث مع كل تقنية جديدة أثارت الفوتوغرافيا فضول الفنانين فسعى بعضهم إلى استكشاف إمكانياتها بينما رأى فيها آخرون تهديدًا مباشرًا لفن الرسم خصوصًا مع قدرتها على التقاط الواقع بدقة وسرعة وهنا وجد الرسامون أنفسهم أمام ثلاثة مسارات إما الاستمرار في تمثيل الواقع كما هو أو الابتعاد عن هذا النهج وهو ما مهّد لظهور الانطباعية أو دمج تقنيات التصوير الفوتوغرافي في أعمالهم التشكيلية بحلول منتصف القرن التاسع عشر أصبحت الفوتوغرافيا أداة مهمة يعتمد عليها كثير من الرسامين حتى وإن لم يصرّحوا بذلك فقد أشار يوجين ديلاكروا في مذكراته إلى أهميتها مؤكدًا أن استخدامها بذكاء يفتح آفاقًا جديدة للفنان كما وصفها الناقد إرنست شينو بأنها أثمن أداة في يد الرسام ومع مرور الوقت لم تعد الفوتوغرافيا مجرد وسيلة مساعدة بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل مفهوم الفن ذاتهأحدثت الفوتوغرافيا أيضًا تحولًا اجتماعيًا كبيرًا إذ جعلت الصورة في متناول مختلف طبقات المجتمع فلم يعد الفن حكرًا على النخب بل أصبح بإمكان الجميع امتلاك صور شخصية بتكلفة معقولة وهذا التحول منح الفن بعدًا ديمقراطيًا رغم أن بعض النقاد رأوا فيه تبسيطًا للإبداع الفنيقبل ظهور التصوير الفوتوغرافي كانت الواقعية تمثل جوهر الفن الأوروبي سواء في الكلاسيكية الجديدة أو الرومانسية ورغم اختلاف الموضوعات والأساليب ظل تمثيل الواقع بدقة قيمة أساسية لكن هذا المفهوم بدأ بالتغيّر مع ظهور الصورة الفوتوغرافية أدرك الفنانون أن الفوتوغرافيا تتفوق في التقاط اللحظة الثابتة فاختاروا التوجّه نحو ما لا تستطيع الكاميرا الإمساك به الضوء والحركة والانطباع اللحظي وهكذا وُلدت الانطباعية التي لم تسعَ إلى منافسة الفوتوغرافيا بل إلى مكمّلتها ومن هنا تحرّر الرسم من قيود الواقعية وبدأ يركّز على التعبير عن التجربة الإنسانية بدلًا من نسخهافي القرن العشرين تسارعت التحولات مع ظهور الحركات الحداثية فقد قدّمت الوحشية ألوانًا جريئة وركّزت التعبيرية على المشاعر الداخلية بينما أعادت التكعيبية تشكيل مفهوم المنظور وذهبت السريالية إلى أعماق اللاوعي وكل هذه الحركات لم تكن بمعزل عن تأثير الفوتوغرافيا بل جاءت كردّ فعل أو امتداد لها متجاوزة حدودها نحو فضاءات أوسع من الخيال والتجريدلم يقتصر التأثير على الرسم فقط بل تأثرت الفوتوغرافيا بدورها بالفن التشكيلي فبدأ الفنانون باستخدام تقنيات جديدة مثل المونتاج الضوئي وظهرت تجارب تجمع بين الوسائط المختلفة ومن أبرز الأسماء في هذا المجال الفنانة هانا هوخ التي قدّمت أعمالًا رائدة في هذا الاتجاهاليوم لم يعد الفن يُقاس بمدى دقته في تمثيل الواقع بل بقدرته على إثارة الفكر والمشاعر وأصبح العمل الفني مساحة للتأويل والتعبير ووسيلة لطرح الأسئلة بدلًا من تقديم الإجابات وهكذا لم تكن الفوتوغرافيا نهاية الرسم بل كانت بداية تحوّله الحقيقي تحول نقل الفن من نقل الواقع إلى إعادة خلقه ومن المرئي إلى المحسوس ومن الشكل إلى المعنى#الفن النقد التشكيلي #مجلة ايليت فوتو ارت..


