موضوعي———في جريدة الحقيقة الغراء ،العدد( 3111)22/04/2026
فيلم Kika للمخرجة الفرنسية Alexe Poukine:قراءة اجتماعية للطبقية والهشاشة الاقتصادية
أسامة ختلان
لا يمكن مقاربة الجسد الأنثوي خارج منظومة الإنتاج وإعادة الإنتاج التي تحكمها الرأسمالية المعاصرة، حيث لا يُنظر إليه بوصفه كياناً فردياً مستقلاً، بل كمجال قابل لتوليد القيمة والتبادل داخل سوق واسع يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية وفق منطق الربح والخسارة. في هذا السياق، لا تبدو الدعارة في فيلم Kika كحالة أخلاقية منحرفة كما يصر الخطاب المحافظ، بل كأثر مباشر لبنية اقتصادية تُعيد توزيع العنف الاجتماعي بطرق غير مرئية. المرأة هنا ليست خارج النظام، بل في قلبه، بين كونها ذاتاً تحاول النجاة وكونها مادة قابلة للاستهلاك داخل اقتصاد لا يعترف إلا بما يمكن تحويله إلى قيمة.من هذا المنظور، يضع الفيلم الدولة الاجتماعية تحت المجهر، لا باعتبارها إطاراً محايداً للرعاية، بل كجهاز أيديولوجي يعيد إنتاج الهشاشة بدل الحد منها. إذ لا تتدخل المؤسسات إلا في لحظات تهديد النظام العام، بينما تغيب تماماً حين يتعلق الأمر بانهيار الأفراد في صمتهم اليومي. هذا التصور يقترب من قراءات كارل ماركس حول البنى الفوقية بوصفها امتداداً للعلاقات الاقتصادية لا نقيضاً لها. وهكذا يصبح الجسد الأنثوي منطقة ضغط مضاعف: يدان أخلاقياً، ويستغل اقتصادياً، ويترك سياسياً دون حماية. ضمن هذا الإطار، تتفكك فكرة “الاختيار الحر” التي غالباً ما تستخدم لتبرير العمل الجنسي، إذ تكشف الأحداث أن ما يبدو اختياراً هو في الحقيقة استجابة قسرية لضغط اقتصادي خانق. الدعارة هنا ليست انزلاقاً فردياً، بل نتيجة مباشرة لبنية طبقية تُقصي وتهمّش، وتعيد إنتاج العنف بأشكال ناعمة ومستمرة. الجسد لا يظهر كأداة للمتعة أو الانحراف، بل كوثيقة حيّة على فشل النظام في ضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.يتقدّم فيلم Kika، المعروض ضمن قسم Cannes Critics’ Week في Cannes Film Festival 2025، بوصفه دراسة دقيقة لمسار ذاتي يتشكل تحت ضغط الفقدان والضرورة. المخرجة Alexe Poukine تبني سرداً يتجنب الميلودراما والاستثارة، مفضلة تفكيك الشخصية من الداخل عبر تحولات بطيئة وغير صاخبة. شخصية كيكا، التي تؤديها Manon Clavel، لا تُقدَّم كبطلة تقليدية، بل ككائن يتآكل تدريجياً وهو يحاول الحفاظ على حد أدنى من التماسك.في بداية الفيلم، تنتمي كيكا إلى منظومة الرعاية كعاملة اجتماعية، أي أنها تمارس سلطة رمزية في دعم الآخرين. لكن هذا الموقع سرعان ما ينقلب، لتجد نفسها في الجهة الأخرى من المعادلة، موضوعاً للهشاشة بدل أن تكون فاعلة فيها. أداء Manon Clavel يمنح الشخصية كثافة داخلية واضحة، حيث تتحول الانكسارات النفسية إلى توتر جسدي دائم، يعبر عن صراع غير معلن أكثر مما يُقال بالكلام. مع وفاة شريكها المفاجئة أثناء حملها، تدخل كيكا في مواجهة مباشرة مع فراغ عاطفي وانهيار اقتصادي متسارع. من هنا، يعيد الفيلم ترتيب العالم من منظور البقاء، حيث لا يعود هناك مجال للخيارات الأخلاقية أو الوجودية، بل لسلسلة من القرارات القسرية التي تفرضها الضرورة. تتكثف التفاصيل اليومية ــ من عناصر حميمة وبسيطة إلى علاقات عائلية وعاطفية مفككة—لتكشف عن اقتصاد خفي يتحكم في الجسد ويعيد توجيهه نحو البقاء بأي ثمن.على المستوى البصري، يتجنب الفيلم أي نزعة استشراقية أو تلصصية في التعامل مع الجسد، ويقدمه ضمن مقاربة إنسانية دقيقة لا تختزل الشخصية في دور الضحية. هذا الخيار يضع العمل ضمن تقاليد الواقعية الاجتماعية الأوروبية، حيث يمتزج الحس الوثائقي بالبناء الدرامي لتقديم سرد قريب من الشهادة الحية على واقع مضطرب. يعيد الفيلم التفكير في الجسد كمساحة صراع بين القهر وإمكانية الفعل. المرأة لا تُختزل في كونها ضحية، بل تعرض كذات تتحرك داخل حدود ضيقة، تحاول إعادة تعريف وجودها رغم القيود. هذا التوتر بين الوكالة والضغط يشكل أحد أعمدة التجربة البصرية والنفسية في الفيلم.كما يوظف العمل تداخل الكوميديا السوداء مع التراجيديا، ليس كوسيلة تخفيف، بل كأداة لكشف عبثية الواقع. الضحك هنا ليس انفراجاً، بل شكل آخر من إدراك الألم. ومن خلال هذا المزج، يتجاوز الفيلم الحكاية الفردية ليطرح سؤالًا أوسع حول إمكانية إعادة بناء الذات في عالم يتآكل باستمرار.لا يقدم الفيلم التحولات بوصفها سقوطاً أخلاقياً، بل كمسار انزلاقي داخل بنية تضيق تدريجياً. ومع تصاعد الضغط، يتحول الجسد إلى مورد أخير للبقاء، لا خياراً حراً بل ضرورة وجودية. العلاقات المحيطة بكيكا ــ من الشريك إلى العائلة ــ تبدو عاجزة ومتفككة، ما يعمّق شعورها بالعزلة. يتجنب الفيلم الذروة التقليدية، مفضلًا تراكم اللحظات الصغيرة التي تبني الانكسار بدل الانفجار. هذا الإيقاع يمنح التجربة طابعاً تأملياً، حيث يصبح التحول الداخلي أهم من الحدث الخارجي. تبقى كيكا في منطقة رمادية بين الانهيار وإعادة التشكل، ما يجعل سؤال الفيلم مفتوحاً: كيف يمكن للذات أن تستمر داخل عالم يضيق باستمرار؟ يقلص الفيلم حضور الموسيقى إلى الحد الأدنى، معتمداً على أصوات الحياة اليومية، ما يعزز الإحساس بالواقعية ويقرب المتلقي من التجربة دون وسائط تجميلية. أما الكاميرا، فتتخذ مسافة حساسة من الشخصية، تراقبها دون استغلال، وتلتقط تفاصيل الانفعال الجسدي والنفسي بدقة عالية.في لحظات العنف والانكسار، لا يسعى الفيلم إلى الصدمة بقدر ما يكشف هشاشة الجسد تحت ضغط الاستغلال. بهذا تتحول التفاصيل الصغيرة ــ النظرات، الصمت، الحركة ــ إلى أدوات تحليل دلالي.الفيلم Kika يقدم قراءة دقيقة لعلاقة معقدة بين الجسد والاقتصاد والدولة، حيث لا يبدو العنف حدثاً استثنائياً، بل بنية مستمرة تتسلل في الحياة اليومية.#سينما العالم #جريدة الحقيقة#مجلة ايليت فوتو ارت ..


