أسواق القاهرة القديمة…

بقلم الباحثة / مي نعمان

تجول فى أى من تلك الأسواق القديمة تغمرك الروائح المختلفة والكثيرة والزحام وتنوع الالوان والطرقات الضيقة بالغورية والحمزاوي المتميز بالتوابل والعطور وخان الخليلى الممتلئ بالتحف والإبداع الإنساني ، والتربيعة ، وسوق الحميدية الذي تمتد فيه التقسيمات والخطوط حتى أنها تظهر كشريط قطر له محطات متتالية وفرش أرضيتة ظلال السقف المعلق الرائع وتشابهت تلك الأسواق مع أسواق البصرة وبغداد واليمن والرباط وتونس والجزائر فكانت هناك عناصر متشابهة بينهم ..

وورد عن أسواق القاهرة فى كتابات المقريزي فيقول ” والقصبة هى أعظم أسواق مصر ، وسمعت من غير واحد من المعمرين يقول أن القصبة كانت تحتوي على اثنى عشر ألف حانوت.

وهذا العدد الهائل من الأسواق كان يبدأ أمام القادم من باب الفتوح حيث يجد أولا أسواق الخضار واللحم ثم كانت حوانيت القصابين تصطف متجاورة تبيع لحم الضأن والماعز وكانوا يضعونه فى ورق الموز .

وهذه السمة المميزة فى الأسواق المصرية حتى اليوم وهى التقسيم النوعى للسلع فكل سلعة تجدها فى مكان معين وتتجاور الحوانيت لتبيع نفس السلعة والتنافس قائم بينهم وما وراء ذلك من فلسفة مستمدة من الدين الإسلامى وهى ” الأرزاق على الله ” وهذه التقسيمات مازالت حتى اليوم قائمة.

فمثلاً : سوق الحمزاوى الذى يعرض التوابل والعطارة ، بينما سوق الفحامين تتنافس فيه متاجر الأحذية ، سوق التمبكشية يوفر عرض الدخان والتمباك ، سوق الخرنفش يبيع الخيش والكهنة القديمة ، سوق تحت الربع وبه حوانيت الأدوات المنزلية ، الموسكى تنافس فى بيع الملابس والأدوات المنزلية ، الدرب الجديد به الحقائب والمصنوعات الجلدية ، سوق الرويعى به ماكينات الخياطة ولوازم الحياكة ، سوق الأزبكية المشتهر بتجارة الكتب القديمة أما سوق الصنادقية فهو مخصص للكتب الأزهرية ، والصاغة لبيع الذهب والمجوهرات ، وسوق النحاسين بيع النحاس والألومنيوم وأدوات المقاهى من النرجيلات أكواب وفناجين ، والأخشاب من ” درب السعادة ” ، والخردة والمنسوجات الشعبية ” وكالة البلح ” ، وبالطبع التحف والهدايا من خان الخليلى ، إلى جانب بعض المناطق التي اشتهرت ببيع السلع الغير مشروعة والتي تُطارد من قبل الدولة مثل الباطنية لتجارة المواد المخدرة .

أما عن الأسواق القديمة وتقسيماتها فلقد ورد الينا وصف المقريزي الذي يقول ..

بعد سوق القصاصين يجئ سوق المرحلين والذى كان يختص بتجهيز الجِمال للرحيل وكان يُقصد من سائر أنحاء مصر وخصوصاً فى موسم الحج فكان يشتمل على كل ما يلزم للرحالة وبدأ اندثار هذا السوق فى زمن السلطان برقوق ولم يعد منه شئ الآن ومكانه شارع السيارج .

وكان لدينا سوق حارة برجوان وعُرف ايام الفطامين بسوق ” أمير الجيوش ” وكان يضم مجموعة من باعة اللحم والزياتين والجبانين والخبازين والعطارين واندثر السوق منذ عام 601 هجراياً وحالياً موضعه تجار أقمشة .

أما عند مسجد الأقمر كان يوجد سوق الشماعين حيث تُباع الشموع الضخمة التى كانت تُحمل فى المراكب وكانت حوانيته تظل مفتوحة حتى منتصف الليل وكانت تجلس بها فتيات بزى خاص يُقال لهن زعيرات الشماعين وتُعلق بهذا السوق الفوانيس فى المواسم فيصبح رؤيته في الليل من أجمل الأشياء وتحتوي على شموع قد يصل الواحد منهما وزنه إلى قنطار كامل وشموع تُحمل على عجلات والآن تباع فيها الشموع التى تحمل فى الحفلات والفوانيس وقلل الأسبوع التي تضيئها الشموع عندما يكتمل المولود أسبوع إذا كانت بنت أما الولد فله الإبريق.

يلى هذا السوق ” سوق الدجاجين ” والذى تباع فيه الدجاج والأوز والطيور المتنوعة وعصافير محبوسة يقتنيها الأغنياء ثم يعتقها ، وتندثر هذا السوق الآن أما عادة العصافير فأصبحت متداولة لدينا .

بجوار الأزهر كان سوق ” الشرابشين ” وكانت تُباع فيه الخلع التى كان يُبلسها السلطان للأمراء والوزراء والقضاة وغيرهم ويرجع الإسم إلى ” الشربوش ” والذى كان يُشبه التاج كأنه شكل مُثلث على الرأس بدون عمامة وقد بطل هذا اللبس فى عصر الدولة الجركسية والآن يقع أجزاء منه تحت منشآت السلطان الغورى .

ثم سوق الحلاوين والذى كانت تُباع به منتجات من الحلوى على شكل تماثيل تُسمى علاليق وربما تطور هذا السوق وأصبح فيما بعد منطقة السكرية المعروفة قديما فى الروايات .

وتتصاعد الأنغام الموسيقية من سوق مُجاور حيث يُباع الأدوات الموسيقية وحوانيت صناعة العود والقيثارة وكان هذا السوق مُلتقى للمهتمين بالفن ولا يزال حتى الآن موجود مجموعة من الحوانيت لبيع الأدوات الموسيقية بالقرب من شارع محمد على المعروف أنه مقر الفرق الفنية التي تحيي الأفراح.

بجوار باب النصر في القرن الرابع عشر كان يوجد سوق العبيد والذي نُقل فيما بعد إلى خان الخليلي حيث كان يُعرض فيه الرجال والنساء للبيع ..

ذكر المقريزى لنا ثمانية وثلاثين سوقاً كانت موزعة على قصبة القاهرة ، بعضها اندثر بكل ما كان يحمله من زحام وبشر وضجيج الأصوات للبياعين و رجال ونساء مروا على هذه الأسواق.

والبعض تغير مكانه ولكنه يحمل نفس الإسم القديم مثل ” سوق السلاح ” ، وأخرى مازالت بنفس المكان ” سوق الصاغة ” وأخرى احتفظت بمكانها وصناعتها مثل ” سوق الخيامية ” ، ” خان الخليلى ” ” الحمزاوى ” ، ” التربيعة ”.

وتفاصيل تلك الأسواق لا تنتهى وحكايتها لا تنتهى ووردت لدينا كتابات عديدة تحكي قصصاً عنها فهى تمثل مصر القديمة وطبائع شعبها التى لا تتغير بتغير الزمان أو المكان .

******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم