
أركيولوجيا هوية التصوير المستلبة وتشييء الكائن
حين تصبح الفوتوغرافيا سؤالاً عن الإنسان والسلطة والمعنى
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: الصورة ليست بريئة دائماً
ليست الفوتوغرافيا مجرد عملية تقنية تقوم على دخول الضوء إلى العدسة، وسقوطه على وسيط حساس، ثم تحوله إلى صورة يمكن رؤيتها وحفظها وتداولها. فخلف كل صورة عينٌ اختارت، ووعيٌ انتقى، وزاويةٌ استبعدت، وإطارٌ ضمَّ أشياء وأقصى أشياء أخرى.
ومن هنا تبدأ المسافة بين الصورة بوصفها أثراً بصرياً، والصورة بوصفها خطاباً ثقافياً.
فالصورة قد تحفظ وجه الإنسان، لكنها قد تختزله أيضاً. وقد توثق المكان، لكنها قد تعيد اختراع معناه. وقد تمنح شخصاً حضوراً في الذاكرة، لكنها قد تحوله في الوقت نفسه إلى «موضوع» للنظر والتصنيف والاستهلاك.
هنا تبرز مجموعة من المفاهيم التي تبدو في ظاهرها فلسفية مجردة، لكنها تصبح شديدة الصلة بالفوتوغرافيا: التشييء، الاستلاب، الهوية، الأركيولوجيا، النقد الثقافي، الهرمنيوطيقا، التمثيل، الذاكرة، والسلطة.
والسؤال المركزي الذي يمكن أن تنطلق منه الفوتوغرافيا النقدية هو:
ماذا تفعل الصورة بالإنسان؟ وماذا يفعل الإنسان بالصورة؟ ومن يملك حق تعريف الإنسان من خلالها؟
أولاً: تشييء الكائن… عندما يتحول الإنسان من ذات إلى موضوع
مصطلح التشييء Reification من المفاهيم الأساسية في النظرية الاجتماعية والنقدية الحديثة، وله جذور مهمة في نقد ماركس للسلعة والاغتراب، ثم اكتسب صياغة مركزية في أعمال جورج لوكاش، ولا سيما في نقده لتحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات تبدو كما لو كانت علاقات بين الأشياء.
التشييء لا يعني فقط تحويل الإنسان إلى سلعة بالمعنى الاقتصادي المباشر؛ بل يمكن أن يكون أوسع من ذلك بكثير.
إنه يحدث عندما يجري اختزال الإنسان إلى:
رقم، وظيفة، جسد، صورة، سلعة، إحصائية، هوية جاهزة، أو موضوع قابل للاستهلاك.
المشكلة هنا ليست في رؤية الإنسان، وإنما في اختزال الإنسان في الطريقة التي يُرى بها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في الفوتوغرافيا.
فالمصور عندما يصور إنساناً يمكن أن يراه بوصفه ذاتاً لها تاريخ وذاكرة وكرامة وصوت، ويمكن في المقابل أن يحوله، من حيث لا يقصد، إلى «موضوع بصري» يخدم فكرة مسبقة عن الفقر أو الحرب أو الغرابة أو الجمال أو الاختلاف.
وهكذا يصبح السؤال الأخلاقي:
هل صورتُ الإنسان، أم استخدمتُ الإنسان لكي أصنع صورة؟
ثانياً: من التشييء إلى استلاب الهوية
إذا كان التشييء يسلب الإنسان شيئاً من إنسانيته بوضعه في خانة «الشيء»، فإن استلاب الهوية يتعلق بفقدان الإنسان قدرته على امتلاك صورته عن ذاته وتعريف نفسه بنفسه.
والهوية ليست اسماً وجنسيةً وملامحَ فقط.
إنها شبكة معقدة من:
الذاكرة؛
اللغة؛
المكان؛
التاريخ؛
الثقافة؛
الجسد؛
الموروث؛
التجربة الفردية والجماعية؛
والحق في إنتاج رواية الذات.
ولهذا فإن استلاب الهوية قد يحدث عندما يفرض خطاب مهيمن على الإنسان صورةً جاهزة عنه، فيصبح مضطراً إلى رؤية نفسه من خلال عيون الآخرين.
وهنا تقترب المسألة من مفهوم الاغتراب، ومن أسئلة ما بعد الاستعمار والهيمنة الثقافية والتمثيل.
لكن ينبغي الحذر من تبسيط المسألة؛ فالهوية لا تكون دائماً «أصيلة» في جهة و«مزيفة» في جهة أخرى. الهوية الإنسانية مركبة ومتحولة، وقد تتشكل من تداخل ثقافات وتجارب وانتماءات متعددة.
لذلك فإن المصطلح الأدق ليس البحث عن «هوية أصلية نقية»، بل دراسة الآليات التي تحدد من يملك حق تعريف الهوية وكيف يتم إنتاج هذا التعريف.
ثالثاً: أركيولوجيا الهوية المستلبة
من المهم هنا إجراء ضبط اصطلاحي.
عبارة «أركيولوجيا الهوية المستلبة» ليست، بالصيغة نفسها، مصطلحاً فلسفياً كلاسيكياً مستقراً على غرار «أركيولوجيا المعرفة» عند ميشيل فوكو، وإنما يمكن استخدامها بوصفها تركيباً نقدياً معاصراً يجمع بين مفهوم الأركيولوجيا ومفهوم استلاب الهوية.
أما الأركيولوجيا عند فوكو فلا تعني التنقيب عن آثار مادية تحت الأرض، وإنما تشير إلى طريقة في تحليل تاريخ الخطابات والمعارف وشروط ظهورها.
السؤال الأركيولوجي لا يكتفي بالسؤال:
ماذا نعرف؟
بل يسأل:
كيف أصبح هذا الشيء معرفة؟ ومن الذي حدد قواعد القول عنه؟ وما الشروط التاريخية التي جعلت خطاباً معيناً ممكناً؟
وعندما ننقل هذا المنهج إلى مجال الهوية، يصبح بإمكاننا طرح أسئلة أكثر عمقاً:
من قال إن هذه الجماعة هي كذا؟
من صنع صورتها؟
من كتب تاريخها؟
من امتلك الكاميرا؟
من امتلك الصحيفة؟
من امتلك المتحف؟
من امتلك أرشيف الصور؟
ومن امتلك حق تسمية الإنسان وتحديد موقعه داخل الصورة؟
هنا تصبح أركيولوجيا الهوية المستلبة حفراً في الطبقات الخطابية والتاريخية والبصرية التي صنعت صورة الإنسان عن نفسه وصورة الآخرين عنه.
رابعاً: الفوتوغرافيا بوصفها جهازاً لإنتاج الهوية
لقد كانت الكاميرا منذ القرن التاسع عشر أكثر من آلة تسجيل.
دخلت الفوتوغرافيا إلى:
الاستديو، والشرطة، والطب، والاستعمار، والصحافة، والأنثروبولوجيا، والحرب، والإعلان، والأسرة، والمتاحف، والأرشيف.
وهذا يعني أن تاريخ الفوتوغرافيا هو أيضاً تاريخ لأشكال متعددة من تصنيف الإنسان وتمثيله.
فصورة الهوية الشخصية مثلاً تمنح الفرد اعترافاً مؤسسياً بوجوده، لكنها في الوقت نفسه تختزله إلى ملامح قابلة للقراءة والتصنيف.
والصورة الصحفية قد تجعل معاناة الإنسان مرئية للعالم، لكنها قد تضعه أيضاً داخل إطار سردي يحدد مسبقاً كيف ينبغي للمشاهد أن يفهمه.
أما الصورة الاستعمارية القديمة، فقد لا تكون مجرد وثيقة عن الشعوب التي صورتها؛ بل قد تكون جزءاً من خطاب أنتج صورة «الآخر» وفق منظور القوة التي امتلكت الكاميرا.
وهنا تتضح أهمية النقد الثقافي للصورة.
خامساً: النقد الثقافي الفوتوغرافي
النقد الثقافي الفوتوغرافي لا يسأل فقط:
هل الصورة جميلة؟
هل التكوين ناجح؟
هل الإضاءة جيدة؟
هل التعريض صحيح؟
بل ينتقل إلى أسئلة أخرى:
من يظهر في الصورة؟ ومن يغيب؟
من يصور؟
من يملك سلطة النظر؟
ما الخطاب الذي تنتجه الصورة؟
ما الصور النمطية التي تعيد إنتاجها؟
كيف تؤثر الثقافة في طريقة رؤيتنا للصورة؟
بهذا المعنى يصبح النقد الثقافي انتقالاً من جماليات الصورة إلى سياسة الصورة ومعناها الاجتماعي.
ولا يعني ذلك إلغاء القيمة الجمالية أو التقنية، وإنما توسيع مجال القراءة.
فالصورة يمكن أن تكون ناجحة تقنياً وجمالياً، وفي الوقت نفسه قابلة للنقد من حيث خطابها الثقافي.
سادساً: النقد الفني… من الشكل إلى الدلالة
النقد الفني التقليدي يهتم بعناصر مثل:
التكوين، الخط، الشكل، اللون، الضوء، الظل، التوازن، الإيقاع، المنظور، العمق، المساحة، والرمز.
وفي الفوتوغرافيا تضاف إليها عناصر تقنية مثل:
البعد البؤري، عمق المجال، سرعة الغالق، فتحة العدسة، الحساسية، المدى الديناميكي، إدارة الضوء، المعالجة الرقمية، واختيار لحظة الالتقاط.
لكن الصورة المعاصرة لم تعد تسمح للنقد بأن يتوقف عند هذه العناصر.
فالضوء ليس مجرد ضوء.
واللون ليس مجرد لون.
والزاوية ليست مجرد اختيار هندسي.
والإطار ليس مجرد حدود للصورة.
كل عنصر يمكن أن يتحول إلى حامل للمعنى.
زاوية التصوير من الأعلى قد تجعل الشخص يبدو صغيراً وضعيفاً، بينما قد تمنحه الزاوية المنخفضة حضوراً وقوة.
القرب الشديد قد يحول الوجه إلى مساحة نفسية، بينما المسافة البعيدة قد تحوله إلى جزء من المشهد الاجتماعي.
وهكذا تتحول التقنية إلى لغة.
سابعاً: النقد الأدبي يدخل إلى الصورة
قد يبدو الحديث عن النقد الأدبي والفوتوغرافيا غريباً، لكن العلاقة عميقة.
فكما يقرأ الناقد الأدبي:
الكلمة، الاستعارة، الرمز، السرد، الراوي، الزمن، الشخصية، الحذف، والتضمين،
يمكن للناقد الفوتوغرافي أن يقرأ:
الإطار، الضوء، الظل، الجسد، المكان، النظرة، اللحظة، المسافة، الغياب، والرمز.
الصورة، بهذا المعنى، تمتلك شيئاً يشبه النحو البصري.
فالمصور يختار ما يظهر، وما لا يظهر، وما يقع في المركز، وما يترك على الهامش.
وهذا يشبه، في بعض وجوهه، عمل الكاتب عندما يختار الكلمات والأحداث والشخصيات ويحدد ما يروى وما يُحذف.
لذلك يمكن أن نتحدث عن:
سردية الصورة.
ويمكن أن نسأل:
أين تبدأ الصورة؟
أين تنتهي؟
ما قصتها قبل لحظة الالتقاط؟
وماذا سيحدث للشخصية بعد أن يغادرها المصور؟
إنها أسئلة أدبية بقدر ما هي فوتوغرافية.
ثامناً: الهرمنيوطيقا… فن تأويل الصورة
الهرمنيوطيقا Hermeneutics هي فلسفة ونظرية في التأويل والفهم، ارتبطت تاريخياً بتفسير النصوص، ثم توسعت لتشمل فهم التجربة الإنسانية والأعمال الفنية والخطابات.
وفي مجال الفوتوغرافيا يمكن أن تتحول الهرمنيوطيقا إلى سؤال:
كيف نفهم الصورة؟
لكن فهم الصورة ليس مجرد وصف لما نراه.
إذا رأينا باباً قديماً، فالوصف يقول:
«باب خشبي قديم.»
أما التأويل فيسأل:
ماذا يعني هذا الباب؟
هل هو رمز للغياب؟
أم الذاكرة؟
أم الهجرة؟
أم الزمن؟
أم الانغلاق؟
أم العودة؟
هنا تبدأ الهرمنيوطيقا.
فالصورة لا تحمل معنى واحداً مغلقاً بالضرورة، بل تتشكل دلالتها من العلاقة بين:
الصورة + المصور + الموضوع + الثقافة + المتلقي + السياق التاريخي.
ومن هنا تأتي فكرة مهمة:
الصورة لا تنتهي عند لحظة التقاطها؛ إنها تبدأ حياة جديدة عند كل مشاهدة وتأويل.
تاسعاً: الفوتوغرافيا بين الوثيقة والتأويل
لطالما ارتبطت الفوتوغرافيا بفكرة الحقيقة.
«الكاميرا لا تكذب.»
لكن هذه العبارة تحتاج إلى مراجعة نقدية.
الكاميرا تسجل الضوء الذي وصل إليها، لكنها لا تسجل الواقع كله.
المصور يختار:
المكان،
اللحظة،
العدسة،
المسافة،
زاوية الرؤية،
التوقيت،
التكوين،
وما يدخل الإطار وما يبقى خارجه.
ثم تأتي مراحل أخرى:
التحميض في الفيلم،
الطباعة،
القص،
المعالجة،
التحرير،
اختيار العنوان،
وضع الصورة داخل مقال أو معرض أو كتاب،
ثم استقبال الجمهور لها.
ولهذا فإن الصورة الفوتوغرافية ليست «الحقيقة» نفسها، بل أثر من آثار الواقع يحتاج إلى قراءة.
عاشراً: من الصورة إلى الأيديولوجيا
الأيديولوجيا لا تظهر دائماً في صورة شعار سياسي مباشر.
قد تكون كامنة في:
طريقة ترتيب الأجساد،
اختيار الشخصيات،
تقسيم الفضاء،
إظهار الفقر،
إخفاء القوة،
إبراز الجمال وفق معيار محدد،
أو تقديم ثقافة معينة بوصفها معياراً عاماً.
وهنا يصبح النقد الثقافي قادراً على كشف ما يمكن تسميته:
السياسة الخفية للصورة.
ليست السياسة هنا بالضرورة سياسة الأحزاب أو الانتخابات، وإنما سياسة التمثيل:
من يملك حق الظهور؟
كيف يظهر؟
ومن يحدد المعنى الذي ينبغي أن نراه فيه؟
الحادي عشر: الصورة والذاكرة… حين يصبح الأرشيف شاهداً
للصورة وظيفة أخرى شديدة الأهمية: حفظ الذاكرة.
لكن الأرشيف الفوتوغرافي ليس محايداً تماماً.
ما وصل إلينا من الماضي يعتمد على ما تم تصويره، وما تم حفظه، وما لم يتلف، وما تم أرشفته، ومن امتلك القدرة على إنتاج الصورة أصلاً.
ولهذا يمكن للفوتوغرافيا أن تصبح مجالاً لما يمكن تسميته:
أركيولوجيا الذاكرة البصرية.
نحفر في الصور القديمة لا بحثاً عن الماضي فقط، وإنما بحثاً عن:
كيف كان الناس يرون أنفسهم؟
كيف أرادوا أن يظهروا؟
كيف كانت السلطة تصورهم؟
كيف تغيرت المدن؟
كيف اختفت المهن؟
كيف تبدلت الأزياء؟
كيف تغيرت العمارة؟
وأي وجوه اختفت من الذاكرة لأنها لم تدخل الأرشيف؟
هنا تلتقي الفوتوغرافيا مباشرةً بمشروع التاريخ البصري.
الثاني عشر: من «تشييء الكائن» إلى «تشييء الصورة»
يمكن توسيع المفهوم أكثر.
فإذا كان الإنسان يمكن أن يُشيَّأ، فإن الصورة نفسها يمكن أن تُشيَّأ.
يحدث ذلك عندما تتحول الصورة من أثر ثقافي وإنساني إلى مجرد:
سلعة، رقم، محتوى، مشاهدات، إعجابات، إعلان، أو وحدة قابلة للبيع والاستهلاك.
في العصر الرقمي لم تعد الصورة تعيش فقط في ألبوم أو كتاب أو معرض.
لقد أصبحت تدخل في اقتصاد الانتباه.
الصورة اليوم يمكن أن تُقاس بعدد المشاهدات، والمشاركة، والتفاعل، والانتشار.
وهنا تظهر مفارقة العصر الرقمي:
تحررت الصورة من الورق، لكنها دخلت في شبكة جديدة من الخوارزميات.
ومن هنا ينتقل النقد الفوتوغرافي إلى مرحلة جديدة:
من نقد الصورة التناظرية إلى نقد الصورة الرقمية والحاسوبية والخوارزمية.
الثالث عشر: الذكاء الاصطناعي والسؤال الجديد عن هوية الصورة
مع الذكاء الاصطناعي أصبح السؤال أكثر تعقيداً.
لم يعد السؤال:
ماذا صورت الكاميرا؟
بل أصبح:
هل الصورة التي أمامنا التقطت أم حُسبت؟
هل هي وثيقة؟
أم محاكاة؟
أم تركيب؟
أم توليد خوارزمي؟
ومن هو مؤلفها؟
المصور؟
الخوارزمية؟
النموذج؟
المستخدم؟
أم شبكة العلاقة بين الإنسان والآلة؟
هنا تصبح الهرمنيوطيقا والنقد الثقافي أكثر أهمية؛ لأننا لم نعد نفسر محتوى الصورة فقط، وإنما نفسر شروط إنتاجها ووجودها ومصداقيتها.
الرابع عشر: نحو «النقد الفوتوغرافي المركب»
يمكن اقتراح نموذج نقدي متعدد الطبقات لقراءة الصورة:
- المستوى التقني
كيف صنعت الصورة؟ - المستوى الجمالي
كيف بُني التكوين والضوء واللون والإيقاع؟ - المستوى الدلالي
ماذا تعني العناصر البصرية؟ - المستوى السردي
ما الحكاية التي تقترحها الصورة؟ - المستوى الثقافي
أي قيم وثقافات وتمثيلات تنتجها؟ - المستوى التاريخي
في أي زمن ظهرت؟ وما سياقها؟ - المستوى الأيديولوجي
ما علاقات القوة التي تظهر أو تختفي فيها؟ - المستوى الهرمنيوطيقي
كيف يمكن أن تتعدد تأويلاتها؟ - المستوى الأنطولوجي
ما طبيعة الصورة نفسها؟ أثر واقعي أم تمثيل أم بناء رقمي أم توليد خوارزمي؟ - المستوى الأخلاقي
هل تحترم الصورة الإنسان الذي تمثله أم تحوله إلى موضوع للاستهلاك؟
وهذا النموذج يجعل النقد الفوتوغرافي أكثر من مجرد حكم على «جمال الصورة».
إنه يصبح قراءةً في كينونة الصورة ووظيفتها الثقافية والإنسانية.
الخامس عشر: نحو أركيولوجيا فوتوغرافية للصورة
من هنا يمكن صياغة مفهوم أكثر تخصصاً:
الأركيولوجيا الفوتوغرافية للصورة.
وهي ليست بحثاً في تاريخ الكاميرا والتقنيات فقط، بل حفراً في الطبقات التي صنعت الصورة بوصفها معرفة وذاكرة وتمثيلاً.
فالصورة تحمل طبقات متراكبة:
طبقة الضوء،
طبقة التقنية،
طبقة عين المصور،
طبقة الموضوع،
طبقة الثقافة،
طبقة التاريخ،
طبقة السلطة،
طبقة الذاكرة،
وطبقة المتلقي.
وكلما أزلنا طبقة، ظهرت طبقة أخرى.
وهنا تتحول عملية قراءة الصورة إلى نوع من الحفر المعرفي.
الصورة القديمة ليست مجرد ورقة أو ملف رقمي.
إنها موقع أثري للذاكرة.
والوجه ليس مجرد ملامح.
إنه وثيقة عن زمنه.
والشارع ليس مجرد خلفية.
إنه سجل للتحولات الاجتماعية.
والجسد ليس مجرد شكل.
إنه مساحة تتقاطع فيها الثقافة والأخلاق والسلطة والنظرة.
السادس عشر: المصور بوصفه شاهداً وناقداً
في هذه الرؤية لا يعود المصور مجرد شخص يحمل كاميرا.
إنه:
شاهد، وباحث، ومؤوّل، ومؤرشف، وصانع معنى.
وعليه أن يدرك أن كل صورة تتضمن مسؤولية.
حين يصور طفلاً، أو لاجئاً، أو عاملاً، أو امرأة، أو شيخاً، أو مدينة قديمة، فهو لا يلتقط لحظة فحسب، وإنما يساهم في بناء الصورة التي قد يحملها الآخرون عن ذلك الإنسان أو المكان.
ولهذا فإن أخلاقيات التصوير ليست قضية هامشية.
إنها جزء من فلسفة الصورة.
خاتمة: حين تستعيد الصورة إنسانيتها
بين تشييء الكائن واستلاب الهوية وأركيولوجيا الخطاب والنقد الثقافي والهرمنيوطيقا، تنفتح أمام الفوتوغرافيا مساحة فلسفية واسعة.
لم تعد الصورة مجرد سطح مرئي، بل أصبحت نصاً بصرياً يمكن قراءته، ووثيقة يمكن مساءلتها، وذاكرة يمكن تفكيكها، وخطاباً يمكن نقده.
التشييء يسألنا:
متى يتحول الإنسان إلى شيء؟
والاستلاب يسأل:
متى يفقد الإنسان حقه في تعريف ذاته؟
والأركيولوجيا تسأل:
كيف تشكلت الشروط التي أنتجت هذه الحالة؟
والنقد الثقافي يسأل:
من يملك سلطة تمثيل الإنسان؟
والهرمنيوطيقا تسأل:
كيف نفهم ما تقوله الصورة وما تخفيه؟
أما الفوتوغرافيا فتضع كل هذه الأسئلة أمام العين.
ولهذا فإن مستقبل النقد الفوتوغرافي لن يكون في المفاضلة بين صورة جميلة وأخرى أقل جمالاً فقط، وإنما في القدرة على الانتقال من النظر إلى الصورة إلى التفكير من خلالها.
فالصورة العظيمة ليست تلك التي تجعلنا نرى أكثر فحسب، بل تلك التي تجعلنا نشُك في الطريقة التي نرى بها.
وعندما تستعيد الفوتوغرافيا الإنسان من وراء الإطار، لا تعود الكاميرا آلةً لتشييء العالم، بل تصبح وسيلةً لاستعادة الذات، والذاكرة، والكرامة، والتاريخ، والمعنى.
وهنا، تحديداً، تبدأ الصورة في مغادرة حدودها البصرية لتصبح فلسفةً للوجود الإنساني.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


