💥 «رُفَقَاء» .. رهان كيسي أفليك على أسد فينيسيا
حكايات متشابكة تختبر الحقيقة والسرد
فينيسيا ــ خاص «سينماتوغراف»
ليس سهلاً أن يبدأ مخرج تجربته بفيلم يطلب من المشاهد أن يشك في كل ما يراه ويسمعه.
لكن كيسي أفليك يفعل ذلك في «رُفَقاء» (Company)، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الـ83، والذي يدخل سباق الأسد الذهبي بفيلم لا يهتم كثيراً بأن يقود جمهوره إلى إجابة واضحة، بقدر اهتمامه بالسؤال عن حاجتنا إلى الحكايات أصلاً.
منذ المشهد الأول، يضع أفليك السرد في موضع الشبهة. امرأة تظهر في عشاء عام 1975 وتبدأ في رواية قصة، لكن القصة لا تبقى قصتها طويلاً. تنتقل إلى شخصية أخرى، ومنها إلى زمن آخر، ثم إلى أشخاص جدد يحملون رواياتهم ومخاوفهم وأسرارهم.
هكذا لا يصبح «رُفَقاء» فيلماً عن حكاية واحدة، وإنما عن عملية الحكي نفسها، عن الطريقة التي يعيد بها البشر ترتيب ماضيهم كي يصبح قابلاً للاحتمال.
وهذه نقطة البداية التي تمنح الفيلم فرادته، كما تكشف في الوقت نفسه مشكلته الأساسية.
** الحقيقة ليست الهدف
كتب أفليك ورون هانسن السيناريو بطريقة تجعل الحقيقة دائماً في حالة انزلاق. ما نعرفه عن الشخصيات يأتي من روايات شخصيات أخرى، وما يبدو حقيقة في لحظة يمكن أن يتحول لاحقاً إلى مبالغة أو ذاكرة ناقصة أو حتى كذبة.
لكن الفيلم لا يستخدم هذا الأسلوب لمجرد صناعة لغز.
الأهم أن أفليك يسأل، هل نروي حياتنا كما حدثت، أم كما نحتاج إلى تذكرها؟.
من هنا تصبح الحكايات المتعددة انعكاساً للشخصيات نفسها. توم، الرجل المنعزل الذي يؤديه نيك نولتي، لا يحمل ماضيه فحسب، إنه يحمل الطريقة التي اختار بها النظر إلى ذلك الماضي.
وكذلك أليس وإيفلين وكاليب وبقية الشخصيات، حيث تتحول الذكريات إلى مساحة لإعادة تفسير الندم والخوف والرغبة في الانتقام.
إنها فكرة ناضجة، لكن الفيلم لا ينجح دائماً في ضبطها.
** حين يثقل السرد نفسه
المشكلة في «رُفَقاء» ليست غموضه، بل الكمية التي يطلب من المشاهد استيعابها.
كلما بدأ أحد الخيوط في اكتساب قوته، يفتح الفيلم خيطاً آخر. وكلما اقتربت إحدى الشخصيات من لحظة كشف، ينتقل إلى زمن أو راوٍ جديد.
في البداية، يمنح ذلك الفيلم توتراً ذهنياً جذاباً. لكن الإيقاع يبدأ بالتراجع عندما تتحول الاستطرادات من وسيلة لكشف الشخصيات إلى عبء على الحكاية.
كان يمكن لبعض القصص أن تكون أكثر قوة لو مُنحت مساحة أقل.
وهنا تحديداً يبدو طموح أفليك أكبر قليلاً من قدرة الفيلم على احتواء جميع أفكاره. إنه يريد أن يكون تأملاً في الذاكرة، ودراما تاريخية، وحكاية عن العنف، وفيلماً نفسياً، وأن يقترب أحياناً من أجواء الرعب.
والنتيجة مثيرة، لكنها غير متساوية.
** إخراج يعرف ماذا يريد
إذا كان السيناريو يتعثر أحياناً تحت ثقل أفكاره، فإن أفليك المخرج يبدو أكثر ثقة.
لا يستعرض الكاميرا لمجرد الاستعراض، ولا يحاول تحويل الغرب الأميركي إلى بطاقة بريدية.
بدلاً من ذلك، يستخدم المساحات المغلقة والإضاءة الثقيلة والتكوينات الضيقة ليمنح الشخصيات إحساساً دائماً بأنها محاصرة بما تعرفه وما تخفيه.
تصوير ماسانوبو تاكاياناغي يضيف إلى ذلك ملمساً بصرياً شديد الخصوصية. الطبيعة موجودة، لكن الفيلم لا يمنحها الرحابة المعتادة في أفلام الغرب، حتى الخارج يبدو كأنه امتداد للقلق الداخلي.
أما المونتاج، فهو أحد أبرز عناصر الفيلم. الانتقال بين الأزمنة لا يأتي دائماً على نحو تقليدي، بل يتعامل أفليك مع الزمن باعتباره جزءاً من بنية الذاكرة نفسها.
وفي أفضل لحظاته، يبدو الفيلم وكأنه لا ينتقل من قصة إلى أخرى، بل ينتقل من ذاكرة إلى ذاكرة.
** نولتي يخطف مركز الثقل
وسط البناء المعقد، يأتي نيك نولتي ليقدم أكثر أداءات الفيلم رسوخاً.
توم رجل يعيش تحت وطأة ماضٍ لم يعد قادراً على تغييره. لكن نولتي لا يلعب الشخصية باعتبارها رجلاً مكسوراً فقط، يمنحها دفئاً خافتاً، كأن وراء القسوة سنوات طويلة من محاولة التصالح مع الذات.
في مشاهده مع كايلي كوان، يهدأ الفيلم ويصبح أكثر إنسانية. تختفي الرغبة في تفسير كل شيء، ويصبح ما بين الشخصيتين أهم من المعلومات التي يمكن أن نحصل عليها منهما.
كايلي كوان تقدم حضوراً هادئاً، بينما تضفي إميلي ألين ليند على إيفلين قدراً من الغموض يتجاوز وظيفتها كراوية للحكاية.
أما أديلايد كليمنس، فتمنح ريبيكا تعقيداً لافتاً؛ شخصية لا يمكن الاطمئنان إليها تماماً، وكلما عرفنا عنها أكثر أصبح فهمها أصعب.
ويأتي أتيكوس أفليك في قلب القصة الأكثر قتامة، بشخصية كاليب، الرجل الذي يحمل في حضوره شيئاً من الخطر قبل أن نعرف مصدره.
** من الغرب إلى الرعب
أكثر خيارات الفيلم جرأة هو انتقاله التدريجي من الدراما التاريخية إلى أجواء أكثر قتامة واقتراباً من الرعب.
التحول ليس اعتباطياً. فالرعب موجود منذ البداية في فكرة الماضي الذي يرفض الرحيل، وفي العنف الذي تنتقل آثاره من شخصية إلى أخرى.
لكن التنفيذ لا يبلغ دائماً قوة الفكرة.
هناك لحظات ينجح فيها أفليك في خلق توتر حقيقي من خلال ما لا نراه، ولحظات أخرى يبدو فيها التحول النبري وكأنه محاولة إضافية لرفع منسوب الإثارة بعد أن بدأ السرد يفقد بعض زخمه.
وهذه واحدة من مفارقات «رُفَقاء».. الفيلم أكثر إثارة عندما يثق بأفكاره، وأقل قوة عندما يحاول التأكيد عليها.
** فيلم لا يطلب حلاً
في النهاية، يضع «رُفَقاء» المشاهد أمام خيارين، إما أن يحاول ترتيب كل التفاصيل بحثاً عن إجابة نهائية، أو أن يتخلى عن هذه الرغبة ويقبل بأن الفيلم يريد منه شيئاً آخر، والأفضل هو الخيار الثاني.
لأن «رُفَقاء» لا يتحدث فعلياً عن سر واحد ينبغي كشفه. إنه يتحدث عن البشر عندما يعيدون اختراع ماضيهم، وعن القصص التي تصبح أحياناً أكثر صدقاً من الوقائع نفسها.
قد يكون هذا الطرح أكبر من بعض أدوات الفيلم، وقد يؤدي تشعب الحكايات إلى لحظات طويلة ومترهلة، لكن ذلك لا يلغي جرأة التجربة.
كيسي أفليك لا يقدم في «شركة» فيلماً سهلاً، ولا فيلماً مكتملاً تماماً. لكنه يقدم عملاً يملك شخصية ورؤية ومخاطرة حقيقية.
وفي مسابقة فينيسيا، ربما لا يكون السؤال ما إذا كان الفيلم قد حل لغزه بنجاح، بل ما إذا كان سيبقى في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض.
«رُفَقاء» يملك فرصة في ذلك.
فبعد انطفاء الشاشة، قد لا تتذكر كل ما حدث، لكنك ستتذكر السؤال الذي تركه الفيلم معلقاً.. (كم من الحقيقة نحتاج إليها، وكم من الحكاية نحتاج كي نواصل الحياة؟).
#فيلم، #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت

