ومضة الأوريكا (وجدتها) الأرخميدية…«أسرار الكتابة»… كيف تحفر بئرا بإبرة.- مشاركة: بروين حبيب.

 

بروين حبيب

«أسرار الكتابة»… كيف تحفر بئرا بإبرة

كنت في بدايات مسيرتي الإعلامية قبل عقدين ونصف مولعة بسؤال ضيوف برنامجي من الكتّاب والشعراء عن طقوس الكتابة لديهم وأسرار العملية الإبداعية، وكان بعضهم يتعمد الغموض أو المبالغة حتى يكرّس فكرة أن الكتابة تعتمد على الإلهام الذي يسقط على الكاتب فجأة، فيكتب نصوصه الخالدة تماما كما كتب مارسيل بروست آلاف الصفحات في روايته «البحث عن الزمن المفقود» بمجرد تأمل قطعة مادلين.
وكم كنت معجبة بومضة الأوريكا (وجدتها) الأرخميدية مثلما حدث مع خوسيه ساراماغو في روايته «العمى» حين يقول إن الشرارة التي انبثقت منها تلك الرواية الأيقونية كانت في مطعم ينتظر فيه غداءه، وفجأة من دون أي مقدمات خطرت له فكرة «ماذا لو كنا جميعا عميانا» ثم أجاب نفسه «لكننا بالفعل كذلك»، ولكن هذا الإعجاب المسحور بالوحي النازل على ساراماغو انطفأ حين قرأت قوله «أنا شخص عادي تماما، ليست لدي عادات غريبة.. إنني لا أضفي طابعا رومانسيا على فعل الكتابة نفسه». هذه الجملة التي تعيد وضع رؤوسنا بين أكتافنا وكثير من أخواتها قرأتها في الكتاب الذي أعدته وترجمت ما جاء فيه سارة حامد حواس وصدر هذه السنة بعنوان «أسرار الكتابة كما يرويها كتاب العالم». وفيه جمعت المؤلفة كل الفقرات التي يتحدث فيها الكاتبات والكتاب عن الكتابة بجوانبها المختلفة، إذ تناولت في كتابها «عملية الكتابة عند عدد من الكتاب العالميين المؤثرين في العالم العربي، فبعض منهم نال جائزة نوبل في الآداب.. وكان معيارها في الاختيار ليست الجوائز فقط، بل قوة تأثير هؤلاء الكاتبات والكتاب على التكوين الثقافي للمتلقي العربي» كما كتبت في مقدمتها.
تتبعتْ سارة حواس من خلال الكتب والمقابلات الصحافية واللقاءات ومواقع الكتاب أنفسهم الإلكترونية سبعة عشر كاتبا وكاتبة، محاولةً كشف أسرار الكتابة عندهم ومصدر إلهامهم. ولا أدري إن كان القارئ سيصاب بخيبة ظن حين يقرأ أن هؤلاء الكتاب الكبار المشاهير يكادون يُجمعون على أن الإلهام ليس سوى وهم، فلا يوجد في الحقيقة سوى العرق والجهد والانضباط، فساراماغو الذي عرضنا مثالا من إلهامه المزعوم يقول بصراحة فجة «لا أؤمن بالإلهام، ولا أعرف ما يكون، ما أعرفه هو أنّ عليّ أن أقرر الجلوس إلى مكتبي، لن يدفعني الإلهام إلى هناك، فالشرط الأول للكتابة بسيط: أن تجلس ثم تكتب» وهو ما سبقه إليه صاحب نوبل الروائي الأمريكي وليم فوكنر حين كتب «لا أعرف شيئا عن الإلهام لأنني ببساطة لا أعرف ما هو، سمعت الناس يتحدثون عنه، لكنني لم أره يوما»، وهذا ما يوافقهم عليه واحد من كبار من نسب الفضل في كتاباته إلى الإلهام غابرييل غارسيا ماركيز، ولكنه يخبرنا ببساطة متناهية «هناك الكثير من الحقيقة في القول، إن الكتابة هي 1% إلهام و99% جهد». بل حتى من يؤمن بفكرة الإلهام من الكتّاب لا يعطيها تلك الأولوية مثلما فعل النوبلي الآخر أورهان باموق حين قال «الإلهام أمر أساسي لكن السرّ الأهم للكاتب ليس الإلهام لأن مصدر الإلهام ليس واضحا أبدا، الأهم من ذلك عناد الكاتب وصبره».
فالوسيلة الوحيدة لاستحضار الإلهام عند هؤلاء المبدعين ليست الجلوس مكتوفي الأيدي منتظرين نزول الوحي الأدبي، بل إجباره على النزول، وقد عبّرت الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي عن ذلك بكل وضوح حين كتبت، «تعلمت خلال أربعين عاما من الكتابة أنني إذا جلست أمام الحاسوب بانتظام وانضباط فسيأتي الإلهام في النهاية»، لذلك كما روت عن نفسها كان كل ما تفعله أن تذهب إلى المكتب وتجلس أمام الحاسوب وتواصل «الظهور والظهور والظهور، وفي النهاية يظهر الإلهام وإن امتنع في البداية عن المجيء فإنه في النهاية يأتي رغما عنه».
لا توجد فكرة على امتداد صفحات الكتاب التي تجاوزت الـ300 أكثر تردادا ووضوحا وعلى ألسنة جميع الكتاب، من أن الانضباط في العمل الكتابي هو السبيل الوحيد لإنتاج محصول أدبي يعتد به. والأمثلة على ذلك لا تحصى، فساراماغو يقول «أنا منتظم جدا ومنضبط إلى حد كبير» وصاحب «حفلة التيس» ماريو بارغاس يوسا يعترف بأنه تعلم من الكاتب الفرنسي فلوبير، أن الموهبة انضباط صارم وصبر طويل، لذلك يعمل بطريقة ملتزمة للغاية أشبه بموظف مكتبي، مقتنعا بأن «لا وجود لروائيين موهوبين بالفطرة، جميع الروائيين العظام صُقلت مواهبهم بالاجتهاد والإصرار والاقتناع»، وهو في هذا يتفق مع صديقه اللدود ماركيز، الذي وصف نفسه أيضا بالموظف حين قال «جعلت لنفسي جدول أعمال صارما، أشبه بساعات موظف بنك كما لو أنني مضطر للالتزام بموعد محدد يوميا»، فهو مقتنع تماما بأنه «لا يمكن كتابة كتاب يستحق شيئا من دون انضباط استثنائي»، فالكتابة عند هؤلاء المبدعين دوام عمل عادي عبّر عنهم جميعا أورهان باموق بوصف يومه النموذجي «أنا شخص شديد الانضباط أستيقظ في السابعة صباحا وأحاول كتابة صفحتين كل يوم، أشعر بالبؤس والانحطاط في أي يوم لا أكتب فيه»، لذلك كان يفتخر بإصراره على الكتابة أكثر من موهبته. وبعكس ما هو شائع من أن المبدعين كائنات ليلية يسهرون يراعون النجم، اتضح من خلال كتاب «أسرار الكتابة» أن هذه الشائعة من الأخطاء الشائعة، فهل نتفاجأ حين نقرأ، أن صاحب «طبل الصفيح» الحائز جائزة نوبل غونتر غراس يقول «لا أؤمن بالكتابة في الليل فأنا دائما ما أحتاج ضوء النهار لأبدأ»، ومثله ماريو بارغاس يوسا الذي يعترف بأنه لم يستطع يوما أن يكتب في الليل، وكذلك تفعل الكاتبة الكندية الحائزة جائزة نوبل بدورها أليس مونرو، التي كانت تكتب كل صباح طوال أيام الأسبوع ملتزمة بحصة يومية من الصفحات. لذلك كانت الكتابة عملا شاقا ومستمرا ومتعبا «يحتاج فيه الكاتب أن يكتب كل يوم تماما كما يحتاج الرياضي أن يتدرب يوميا». على رأي إيزابيل الليندي التي تجاوز يوسا رأيها حين قال «الكتابة صعبة للغاية وتجبرني على بذل جهد شاق أشبه بالتعرق دما». ولكن الروائي البريطاني جوليان بارنز يمنع الكتّاب حتى من الاحتجاج على مشقة الكتابة، ويضعهم أمام هذه المفارقة الساخرة، «بالطبع الكتابة عمل شاق وينبغي أن تكون كذلك، لكن هل تفضل استبدالها برعاية طفلين توأمين مفرطي النشاط». ويرى أن الكتّاب حين يتذمرون من تعب الكتابة فهم يستعرضون معاناتهم أكثر ممّا يعانونها فعلا. واللافت للنظر أن هذه المشقة ناتجة عن إعادة الكتابة لا الكتابة الأولى نفسها، وكمثال على ذلك يقول توني موريسون وهو من أصحاب نوبل أيضا، «أعيد صياغة الفقرات التي تحتاج إلى مراجعة بقدر ما أستطيع أن أراجعها مرة بعد أخرى أي نحو ست أو سبع مرات، بل تصل أحيانا إلى ثلاث عشرة مرة»، فالعمل الحقيقي يبدأ مع المراجعة لأنها تجعل النص أفضل، فلا نستغرب إذا أخبرنا ماريو بارغاس يوسا أن إعادة الكتابة متعة وبإمكانه العمل عليها لعدة ساعات يوميا متوافقا تمام مع النوبلي التركي أورهان باموق، الذي يصرح بفخر «أنا أقضي معظم وقتي في إعادة الكتابة والتصحيح وإجراء التعديلات»، ولكنّ الكاتب الوحيد ضمن مجموعة الـ17 الذي كره عملية إعادة الكتابة هو وليم فوكنر مسجلا بوضوح «أما عن التنقيح والحذف فأعترف بأنني كسول ولا أحب هذا العمل الشاق».
هل تستحق الكتابة كل هذا العناء الذي وصفته إيزابيل الليندي، «أجلس يوميا لأكتب.. أعيش في عزلة أثناء الكتابة، أقضي ما بين عشر إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا في غرفة وحدي، لا أتحدث إلى أحد ولا أجيب عن الهاتف». يصدمنا الجواب غير المتوقع الذي نسمعه من غابرييل غارسيا ماركيز واحد من أكثر روائيي العالم مبيعا «حتى بلغت الأربعين من عمري لم أحصل على قرش واحد من إيرادات حقوق المؤلف، رغم أنني كنت قد نشرت خمسة كتب»، أو حين نعلم أن الروائية الكندية صاحبة نوبل أيضا وأيضا أرسلت روايتها «العين الأكثر زرقة» إلى اثنتي عشرة دار نشر «قال معظمها شيئا مثل: ليست سيئة لكن شكرا، لا». هذا في العالم الغربي، حيث لا تزال عجلة المطابع تدور بقوة، فما بالنا بعالمنا العربي، حيث يعيش الكتاب وكتبهم في نكبة حقيقية، لذلك كان من المهم اتباع نصيحة وليم فوكنر «لا تجعل الكتابة مهنتك، اعمل شيئا آخر يوفر لك ما تحتاجه من مال لتعيش كما تريد، لا يهم ما هو عملك المهم ألا تربط كتابتك بالمال أو المواعيد النهائية».
قضايا متعددة تحفل بها النقول التي اختارتها سارة حامد حواس لمشاهير الكتاب العالميين نتعرف على كواليس عمليتهم الإبداعية، بعضها مفاجئ والبعض الآخر مخيب للآلام، ولكن لا نملك إلا الإعجاب بهؤلاء المثابرين الذين يسعون لحفر بئر بإبرة!

شاعرة وإعلامية من البحرين

أخر المقالات

منكم وإليكم