بقلم : أحمد رشدي
في زمنٍ أصبحت فيه الحياة أشبه بمسرحٍ واسع، لم يعد الإنسان يعيش بعفويته الأولى، ولا يتحدث بلغته الحقيقية، بل صار كثيرون يرتدون وجوهًا لا تشبههم، ويؤدون أدوارًا فُرضت عليهم حتى نسوا ملامحهم الأصلية. أصبحنا نبتسم لأن الموقف يتطلب الابتسام، ونجامل لأن الحقيقة أصبحت مكلفة، ونتظاهر بالقوة بينما أرواحنا منهكة، وكأن العالم لم يعد يسمح للإنسان أن يكون على طبيعته.
لقد تحولت الحياة عند البعض إلى سلسلة طويلة من التمثيل الصامت؛
موظف يؤدي دور الناجح رغم احتراقه الداخلي، وزوجة تؤدي دور السعيدة بينما تحمل في قلبها تعب السنين، وشاب يتظاهر بالصلابة خوفًا من أن يُتهم بالضعف، وفتاة تُخفي حزنها خلف صورٍ مثالية على مواقع التواصل.
الجميع يتحرك، يتحدث، يضحك، يشارك، لكن القليل فقط يعيش بصدق.
إن أخطر ما أصاب الإنسان المعاصر، أنه أصبح يخشى حقيقته أكثر مما يخشى كذب الآخرين. فالمجتمع في كثير من الأحيان لا يمنح مساحة كافية للضعف الإنساني، ولا يتقبل البساطة الصادقة، بل يدفع الناس دفعًا نحو التصنع والمبالغة، حتى بات الإنسان يشعر أنه مضطر لتقديم نسخة محسّنة من نفسه طوال الوقت.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في تعميق هذه الأزمة؛
حيث أصبح كثيرون يقيسون قيمتهم بعدد الإعجابات، ويصنعون لأنفسهم حياة افتراضية تبدو كاملة، بينما الواقع مليء بالوحدة والقلق والفراغ. تحولت المشاعر إلى محتوى، واللحظات الخاصة إلى عروض يومية،
وصار الإنسان منشغلًا بتصوير حياته أكثر من عيشها.
لقد فقدت العلاقات الإنسانية جزءًا كبيرًا من صدقها، لأن الناس باتوا يخشون التعبير الحقيقي عن مشاعرهم.
أصبح السؤال عن الأحوال مجاملة سريعة، وأصبح الإصغاء نادرًا، والاحتواء الحقيقي عملة قليلة في عالمٍ سريع لا يتوقف ليفهم أحدًا. حتى الحزن لم يعد يُعاش بصدق،
بل صار البعض يتعامل معه كضعف يجب إخفاؤه.
ومن المؤلم أن هذه الحياة المصطنعة تُرهق الروح ببطء.
فالإنسان حين يبتعد طويلًا عن حقيقته، يشعر مع الوقت بغربة داخلية قاسية، وكأنه يعيش حياة شخص آخر. يفقد شغفه، وتضعف علاقته بنفسه، ويصبح النجاح بلا طعم، والازدحام بلا دفء، والضحك بلا راحة.
لكن الحقيقة التي يجب ألا ننساها، أن الإنسان لم يُخلق ليكون ممثلًا طوال الوقت.
لقد خُلق ليشعر، ويخطئ، ويتعب، ويضعف، ثم ينهض من جديد بإنسانيته لا بأقنعته. والصدق مع النفس ليس رفاهية، بل ضرورة نفسية وروحية تحفظ للإنسان توازنه وسلامه الداخلي.
إن العودة إلى الحياة الحقيقية تبدأ حين يتوقف الإنسان عن مطاردة الصورة المثالية، ويبدأ في التصالح مع ذاته كما هي.
حين يسمح لنفسه أن يكون طبيعيًا دون خوف من أحكام الآخرين، وأن يُعبّر عن مشاعره دون خجل، وأن يعيش لحظاته بصدق لا باستعراض.
كما أن المجتمع بحاجة إلى مراجعة قاسية لكثير من المفاهيم التي جعلت الإنسان أسيرًا للتوقعات والضغوط والصور الزائفة.
نحن بحاجة إلى ثقافة تُقدّر الصدق أكثر من المظاهر، والإنسانية أكثر من الكمال المصطنع، والجوهر أكثر من الواجهة.
لقد أصبح العالم مزدحمًا بالوجوه… لكنه فقير في الحقيقة.
كثيرون يتقنون أداء أدوارهم ببراعة،
لكن القليل فقط يملكون شجاعة أن يعيشوا كما هم.
فنحن لا نحتاج إلى مزيد من التمثيل…
بل نحتاج إلى حياة صادقة،
تُشبه قلوبنا قبل أن تُرضي أعين الآخرين.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


