نبع عين الفيجة.. الذي قدّسه الرومان وأنقذ دمشق من العطش – تحرير: حسان سعد.

عين الفيجة
النبع الذي قدّسه الرومان وأنقذ دمشق من العطش

من أسرار المعبد الروماني إلى معركة الماء والهوية حكاية نبع صنعت مياهه تاريخ مدينة بأكملها.
▪️ من قلب الجبل وُلدت الحكاية:
على بُعد نحو 20 كيلومتراً شمال غربي دمشق، تتفجر مياه عين الفيجة من كهوف صخرية تغذيها الأمطار والثلوج. عُرف النبع باسمه المشتق على الأرجح من اليونانية «Pegai»، أي الينابيع، فيما ارتبط بنهر بردى الذي سمّته النصوص القديمة «أبانا». لم يكن مجرد مصدر للماء، بل شرياناً أساسياً للحياة في دمشق.
▪️ عندما تحوّل الماء إلى معبد مقدّس: شيّد الرومان عند النبع مجمعاً دينياً ومعمارياً ضم معبداً وقنوات وأحواضاً حجرية. وكشفت نقوش يونانية وعملات رومانية من القرن الثالث الميلادي عن ارتباط الموقع بعبادة نهر بردى. وقد وثّق اكتشاف أثري سنة 2007 جانباً من هذه الطقوس، ليكشف أن المياه كانت تحمل قداسة دينية قبل أن تصبح مورداً هندسياً منظماً.
▪️ عبقرية دمشق في تقسيم المياه: طوّر سكان دمشق عبر العصور شبكة مائية معقدة، توزعت عبر سبعة مجارٍ رئيسية، أبرزها يزيد وتورا وبانياس والقنوات والمزاوي والديراني، إضافة إلى بردى الأصلي. لم تكن هذه الأقنية مجرد قنوات للري، بل منظومة اقتصادية واجتماعية نظّمت حقوق المياه، وأسهمت في ازدهار المدينة وبساتين الغوطة قروناً طويلة.
▪️ صور نادرة أنقذت ذاكرة المكان: وثّق الرحالة ريتشارد بوكوك معالم الفيجة في رسوم نُشرت عام 1745، ثم ظهرت صور بونفيس التاريخية ورسوم موسوعة Picturesque Palestine بين 1881 و1883. تكشف هذه الوثائق مشهداً مدهشاً: مياه هادرة، وكهوف طبيعية، وأقواس رومانية، وأطلال تختبئ بين الأشجار، قبل أن تغيّر مشاريع التحديث ملامح الموقع.
▪️ 1932.. حين انتصر الدمشقيون على العطش:
تحوّل النبع إلى مشروع وطني حديث بمساهمة شخصيات سورية، أبرزها لطفي الحفار. بدأ تنظيم المشروع سنة 1924، وافتُتح في 4 آب 1932، بتكلفة قاربت 272 ألف ليرة عثمانية ذهبية. وصلت المياه إلى منازل دمشق عبر شبكة حديثة، لكن أعمال التوسعة غيّرت أجزاء من المشهد الأثري القديم، في مفارقة جمعت التقدم العمراني بخسارة بعض شواهد التاريخ.
▪️ النبع الذي واجه الحرب والجفاف:
تعرضت منشآت الفيجة لأضرار جسيمة عامي 2016 و2017، ما تسبب بأزمة مياه طالت ملايين السكان. وفي 2025 انخفض تدفق النبع بشدة نتيجة الجفاف، قبل تحسنه مع أمطار ربيع 2026. وبين المعبد الروماني وأنابيب العصر الحديث، بقيت الحقيقة واحدة: من يملك الماء يحمي حياة دمشق، ومن يهمل النبع يهدد ذاكرة المدينة ومستقبلها.
……………………………….
المصادر:

  • دراسة الباحث باسل الحناوي حول المجمع المائي الأثري في عين الفيجة.
  • مجلة Syria الأثرية (2008)؛ جامعة دورهام (2018).
  • رحلات ريتشارد بوكوك (1745).
  • أرشيف التاريخ السوري المعاصر (1932).
  • تحرير: حسان سعد

#سوريات_Souriat
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1792

أخر المقالات

منكم وإليكم