في محراب جلسة معرفية على منصة بحر الثقافة يوم 13 سبتمبر 2026 في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2026 مع محاورة من الطراز الرفيع – الأستاذة السعد المنهالي، خرجت هذه الكلمات:
من يملك الحقيقة البصرية؟
بين التوثيق والتزييف
كان الناس يقولون: «الصورة لا تكذب»، ويحسبون أنهم قد وضعوا أيديهم بهذه العبارة على ميزان لا يميل، وشاهد لا يخون، ودليل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فإذا رأوا صورةً سلّموا لها، وإذا نطقت الصحيفة بها صدّقوها، وإذا حفظها الأرشيف قالوا: هذه هي الواقعة كما حدثت.
وما كانت الصورة صادقة كل الصدق، ولا كانت كاذبة كل الكذب؛ إنما كانت مرآة يمسكها إنسان، والمرآة لا تختار موضعها، ولكن الإنسان يختار. يقف حيث يريد، ويُدخل في إطارها ما يشاء، ويترك خارجه ما يشاء، ثم ينتقي من عشرات اللحظات لحظةً واحدة، فيجعلها عنواناً للحدث كله.
والصورة، مهما اتسع إطارها، أضيق من الحقيقة؛ لأنها تريك ما وقع أمام العدسة، ولا تريك دائماً ما وقع قبل ذلك ولا ما حدث بعده، ولا تخبرك عمّن يقف خارج الإطار، ولا عن يدٍ ربما رتّبت المشهد، ولا عن كلمة قيلت فغيّرت ملامح الوجوه. إنها تريك جزءاً من الحكاية، أما الحكاية كاملةً فتحتاج إلى عين ترى، وعقل يسأل، وضمير لا يكتفي بظاهر الأشياء.
ولكننا اليوم لم نعد أمام صورة تختار من الحقيقة جانباً وتترك جانباً؛ لقد صرنا أمام صورة تستطيع أن تخلق ما لم يقع، وتصنع من العدم أشخاصاً لم يولدوا، وأماكن لم توجد، ولقاءات لم تُعقد، ومآسي لم تحدث. صار في مقدور الآلة أن تنشئ لك وجهاً لا صاحب له، ومدينة لا موضع لها على الخريطة، وأن تجعل رجلاً يقول ما لم يقل، ويفعل ما لم يفعل، ثم تقدم ذلك كله في هيئة من الإتقان تكاد تُسكت الشك في النفس.
وهنا صار السؤال أكبر من أن نقول: هل هذه الصورة جميلة؟ أو هل أُحسن التقاطها؟ صار السؤال: هل كان أمام العدسة شيء من الأصل؟
هذه هي المسافة الجديدة بين التصوير والتوليد؛ فالتصوير يبدأ من مشهد موجود، أما التوليد فيستطيع أن يبدأ من جملة مكتوبة. المصور ينتظر الضوء، والآلة تستدعيه؛ المصور يذهب إلى المكان، والآلة تبني المكان؛ المصور يشهد لحظةً مرت به، والآلة تنشئ لحظةً لم تمر بأحد.
وليس معنى هذا أن كل ما يصنعه الذكاء الاصطناعي باطل أو مذموم. فقد يكون فناً بديعاً، وخيالاً خصباً، ووسيلة نافعة للتعليم والإعلان وصناعة الأفلام. وليس العيب في أن نصنع عالماً متخيلاً، بل العيب أن نقدمه للناس على أنه عالم حقيقي. وليس الخطر في الصورة المولّدة حين تقول عن نفسها: «أنا من الخيال»، وإنما في الصورة التي ترتدي ثياب الوثيقة، ثم تزعم أنها شاهد على ما لم تشهد.
ومن هنا ينبغي أن نفرّق بين الفن والتوثيق. للفن أن يحلّق حيث يشاء، وأن يجمع البحر بالصحراء، وأن يضع القمر بين يدي طفل، وأن يبني مدناً فوق السحاب؛ لأننا ندخله ونحن نعلم أننا في فضاء الخيال. أما التوثيق فعليه أن يبقى أميناً للواقعة؛ لأنه لا يقدم نفسه حلماً، بل شهادة، ولا يطلب منا الإعجاب وحده، بل يطلب التصديق أيضاً.
ومن الظلم أن نجعل كل تعديل على الصورة تزويراً؛ فالمصور قد يصحح الإضاءة، أو يوازن الألوان، أو يزيل غباراً علق بالمستشعر، أو يقتطع من أطراف الصورة ما لا يؤثر في معناها. وهذه أعمال عرفتها الغرفة المظلمة قبل أن تعرفها البرامج الحديثة. ولكن الأمر يتغير حين تُحذف يد من المشهد، أو يُضاف دخان إلى السماء، أو تُنقل جماعة من موضع إلى آخر، أو تُجمع لحظات متفرقة في لقطة واحدة ثم تُقدم إلينا على أنها وثيقة.
هناك فرق بين أن تساعدنا المعالجة على رؤية ما التقطته الكاميرا، وبين أن تجعلنا نرى ما لم تلتقطه. الأولى قد تخدم الصورة، أما الثانية فتكتب واقعة جديدة.
ومع ذلك، فليست أخطر الصور تلك المصنوعة من أولها إلى آخرها. قد تكون الصورة صحيحة لا شائبة في ملفها، ولا أثر لتلاعب في ألوانها أو عناصرها، ثم تكون مع هذا أداةً للكذب؛ لأنها نُزعت من مكانها وزمانها، وأُلبست عنواناً لا يمت إليها بصلة. تؤخذ صورة من حرب مضت، فيقال إنها من حرب اليوم، أو من بلد بعيد، فيُزعم أنها وقعت في بلد قريب، أو من مشهد تمثيلي، فتُنشر على أنها مأساة حقيقية.
هنا لا تكذب الصورة، ولكن يكذب من يستنطقها بما لم تره.
وهذا النوع أشد خطراً؛ لأن الصورة تحمل في داخلها شيئاً حقيقياً، فيستعير الكذب منها صدقها. أما الصورة المصطنعة فقد تفضحها علامة أو يكشفها خلل، لكن الصورة الحقيقية الموضوعة في سياق كاذب تأتيك وفي يدها شهادة صحيحة لتثبت بها تهمة باطلة.
فمن يملك، إذن، الحقيقة البصرية؟
أيملكها المصور لأنه ضغط زر الكاميرا؟ إنه يملك الصورة من ناحية الإبداع والحق الأدبي، لكنه لا يملك الحقيقة كلها؛ لأن في الصورة أشخاصاً لهم كرامتهم، وأحداثاً لها ظروفها، ومجتمعاً ستؤثر فيه طريقة عرضها. وقد يلتقط المصور وجهاً باكياً، لكنه لا يملك أن يجعل صاحبه رمزاً للعجز طوال حياته. وقد يصور فقيراً، لكنه لا يملك أن يسلبه كرامته ليكسب تعاطف الناس أو جوائزهم.
وهل يملكها المحرر؟ إنه يختار الصورة، ويضع العنوان، ويقرر موضع النشر، وقد يجعل من لقطة صغيرة قضيةً تشغل العالم، أو يحجب صورة عظيمة فلا يراها أحد. لكنه، مهما بلغت سلطته، مؤتمن على المعنى، لا مالك له.
أم تملكها المنصة الرقمية؟ لقد صارت المنصات اليوم أبواباً واسعةً تمر عبرها الصور إلى ملايين الناس، ولكن خوارزمياتها لا تسأل عادةً: هل هذه الصورة أصدق؟ بل تسأل: هل هي أقدر على جذب الأنظار؟ هل ستثير غضباً أو خوفاً أو دهشة؟ وهل ستدفع الناس إلى التعليق والمشاركة؟
والحقيقة هادئة في كثير من الأحيان، أما الكذب فيحسن الصراخ. لذلك قد تمشي الحقيقة على قدميها، بينما يركب الزيف أسرع الخوارزميات.
ثم يأتي الجمهور، وهو الطرف الذي نظنه آخر السلسلة، مع أنه صار جزءاً من صناعتها. فما عاد المتلقي قارئاً أو مشاهداً فحسب؛ إن كل واحد منا يحمل اليوم صحيفةً صغيرة في هاتفه، وله جمهور يقل أو يكثر، وكل ضغطة على زر المشاركة قرار بالنشر، وكل تعليق قد يضيف إلى الصورة معنى لم يكن فيها.
من أعاد نشر صورة لم يتحقق منها لم يعد متلقياً بريئاً، بل صار حلقة في صناعة أثرها. وربما صنع الإنسان الكذبة مرة، لكن الذين يتناقلونها يصنعون لها ألف حياة.
وقد يقول قائل: سنحتكم إلى التقنية، فهي التي صنعت المشكلة وهي القادرة على حلها. وهذا صحيح من وجه، لكنه ليس الحقيقة كلها. تستطيع التقنية أن تحفظ الملف الأصلي، وتسجل نوع الكاميرا ووقت الالتقاط، وأن توقع الصورة رقمياً، وأن توثق التعديلات التي أُجريت عليها. وقد ظهرت معايير حديثة تساعد على إثبات مصدر المحتوى ورحلة انتقاله من لحظة إنشائه إلى لحظة نشره.
وهذا كله نافع وضروري، لكنه لا يغنينا عن العقل. فالتوقيع الرقمي قد يثبت أن الصورة خرجت من كاميرا بعينها، لكنه لا يثبت أن ما أمام الكاميرا لم يكن مشهداً مرتباً. وقد يثبت أن الملف لم يُعدل، لكنه لا يثبت أن التعليق المصاحب له صحيح. تستطيع التقنية أن تخبرنا بتاريخ الصورة، ولكنها لا تستطيع وحدها أن تحكم بعدالة الرواية.
التقنية تحرس الملف، أما الحقيقة فيحرسها الإنسان.
والمشكلة التي أخشاها ليست أن نصدق صورة مزيفة واحدة؛ فكم من أكذوبة عاشت يوماً ثم انطفأت! إنما أخشى أن نبلغ زمناً لا نصدق فيه شيئاً. أن تُعرض علينا صورة حقيقية لمظلوم فنقول: لعلها مصنوعة، أو يقدم إلينا دليل صادق فنرده بحجة أن الذكاء الاصطناعي يستطيع صنع مثله.
عندئذ يربح التزييف مرتين: مرةً حين يجعلنا نصدق ما لم يحدث، ومرةً حين يجعلنا ننكر ما حدث.
إن أخطر ما يهدد الحقيقة البصرية ليس كثرة الأكاذيب وحدها، بل انهيار الثقة بالشهادة المرئية كلها. وحين يفقد الناس قدرتهم على التمييز، يصبح المزيّف قادراً على اختراع الدليل، ويصبح المذنب قادراً على إنكار الدليل الصحيح.
ولذلك نحن بحاجة إلى ثقافة بصرية جديدة، لا تربي أبناءنا على الشك المرضي في كل شيء، ولا على التصديق الساذج لكل شيء، بل تعلمهم أن يسألوا: من نشر هذه الصورة أولاً؟ متى التُقطت؟ وأين؟ وهل ظهرت من قبل في سياق آخر؟ وهل أكدت الواقعة مصادر مستقلة؟ وهل لدينا ملف أصلي أو صور أخرى للمشهد؟
لسنا مطالبين بأن نصير جميعاً خبراء في الأدلة الرقمية، ولكننا مطالبون بشيء من التمهل. فإن أكثر الأكاذيب نجاحاً هي التي تصل إلينا في لحظة غضب، فتطلب منا أن ننشرها قبل أن نفكر فيها. وكثيراً ما تكون عبارة «انشر قبل الحذف» محاولةً لحذف العقل قبل نشر الصورة.
إن الامتناع عن مشاركة مادة مشكوك فيها ليس موقفاً سلبياً، بل مسؤولية أخلاقية. فليس كل ما يصل إلينا يستحق أن نمنحه طريقاً إلى الآخرين.
وتقع على المؤسسات الثقافية والإعلامية والجوائز الفوتوغرافية مسؤولية أكبر. عليها أن تضع تعريفاً واضحاً لما تسميه صورة فوتوغرافية، وأن تفرق بين الوثيقة والعمل الفني المركب والصورة المولدة اصطناعياً. وليس في هذا عداء للتطور؛ فالذكاء الاصطناعي باب جديد من أبواب الإبداع، ومن حقه أن يجد مساحته ومسابقاته وتقديره، ولكن بشرط أن يدخل من بابه باسمه الحقيقي، لا أن يتسلل متنكراً في هيئة صورة وثائقية.
كما ينبغي طلب الملفات الأصلية، وتوثيق مراحل المعالجة، والإفصاح عن الأدوات المستخدمة، وتدريب المحكمين والمحررين على فحص الصورة وسياقها معاً. فالأرشيف البصري ليس مجموعة صور جميلة فقط، بل ذاكرة الشعوب، وإذا دخل التزييف إلى الذاكرة صار الكذب تاريخاً تتوارثه الأجيال.
وبعد هذا كله، لمن تكون الحقيقة البصرية؟
ليست للمصور وحده، ولا للمحرر، ولا للمنصة، ولا للشركة التي صنعت الكاميرا أو البرنامج. الحقيقة أمانة مشتركة بين من شهد، ومن صوّر، ومن حرّر، ومن نشر، ومن رأى. فإذا أدّى كل واحد نصيبه من الأمانة بقي للصورة شيء من صدقها، وإذا تخلى كل طرف عن مسؤوليته ضاعت الحقيقة بينهم، كما تضيع الوديعة حين يزعم كل حامل أنه لم يحمل منها إلا قليلاً.
لقد كان السؤال في الماضي: هل التقطت الصورة اللحظة؟
أما سؤال زماننا فهو: هل نستطيع أن نثبت أن تلك اللحظة حدثت فعلاً؟
وسيبقى للصورة سحرها، وستظل قادرة على أن تحفظ وجهاً من النسيان، وأن تقرّب بعيداً، وأن تجعل مأساة إنسان قضية بشرية. لكن قيمتها في المستقبل لن تقوم على جمالها وحده، بل على الثقة التي تصاحبها، والسياق الذي يحفظ معناها، والأمانة التي تحميها من العبث.
فالصورة قد تكون باباً إلى الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كلها. ولا يكفي أن نفتح الباب؛ علينا أن نعرف من صنعه، وإلى أين يقود، ومن يقف وراءه.
وحين نرى، ينبغي ألا نكتفي بأن نفتح أعيننا، بل أن نوقظ عقولنا أيضاً.


