تزخر الذاكرة الإنسانية بحكايات خيالية نسجها القدماء لتفسير نشأة العالم وتسمية أرجائه الشاسعة. تنتمي قصة الأميرة “أوروبا” إلى صميم الميثولوجيا الإغريقية المليئة بالرموز والمجازات البديعة، حيث امتزج الخيال الشعري بحركة التاريخ ليمنح قارة بأكملها اسماً أسطورياً خالداً انبثق من شواطئ الشرق.على شواطئ مدينة صور الفينيقية المزدهرة، عاشت الأميرة أوروبا، ابنة الملك أغينور، محاطة بالبهاء ومروج الزهور المطلة على حوض البحر المتوسط. تميزت الأميرة بحسن آسر وحضور ساحر جذب إليها أنظار الآلهة في جبل الأولمب، وخصوصاً كبير الآلهة زيوس، الذي فتنته رقتها وجمالها الأخاذ.تجسد زيوس في هيئة ثور أبيض ناصع البياض، يفيض هيبة ووداعة، وتفوح من أنفاسه روائح الزعفران وزهور الربيع الفواحة. اقترب المخلوق الفاتن بهدوء وسكينة من الأميرة ووصيفاتها أثناء نزهتهن. شعرت أوروبا بالأمان والبهجة تجاه هذا الكائن الوديع، فاقتربت منه بخطوات واثقة، وتوجت قرنيه بأكاليل الغار والورد، ثم اعتلت ظهره باطمئنان وسرور.في تلك اللحظة المباغتة، انطلق الثور مسرعا نحو مياه البحر، وخاض غمار الأمواج حاملاً الأميرة المدهوشة باتجاه الأفق الغربي. أحاطت بهما كائنات البحر والدلافين احتفاءً بهذا الموكب الأسطوري العابر للأمواج، بينما تشبثت أوروبا بقرني الثور وهي تتأمل عظمة المشهد وجلال الرحلة البحرية الفريدة.وصل الثور شواطئ جزيرة كريت العريقة، وهناك استعاد زيوس هيئته الأصلية، معلناً حبه للأميرة ومكانتها الرفيعة. أصبحت أوروبا ملكة متوجة على الجزيرة، وأنجبت قادة وملوكاً خلد التاريخ أسماءهم، وفي مقدمتهم الملك مينوس، باني الحضارة المينوية وأحد أبرز رموز فجر التاريخ المتوسطي.ألهمت هذه القصة خيال الجغرافيين والمؤرخين الإغريق الأوائل، فأطلقوا اسم الأميرة الفينيقية “أوروبا” على كافة الأراضي الشاسعة الممتدة غرب موطنها المشرقي. والى اليوم لايزال الاسم رمزاً للصلة الوثيقة بين الشرق والغرب عبر العصور.
#حقبة تاريخ# مجلة ايليت فوتو ارت.


