وُلدت الأديبة مليحة إسحاق في بغداد خلال العقد الثاني من القرن العشرين لأسرة بغدادية أرستقراطية عريقة من يهود العراق، وهي الطائفة التي أسهمت بفاعلية في بناء النهضة المدنية والثقافية والاقتصادية للعراق في العهد الملكي.
نشأت في بيئة ميسورة تُولي العلم والأدب رعاية خاصة، مما أتاح لها الحصول على تعليم متميز ومطالعة واسعة باللغات العربية والأجنبية.
امتازت منذ شبابها المبكر بشخصية ثائرة ومتحررة، وجمال آسر، وحضور فكري لافت جعل منها قامة نسوية سابقة لعصرها في مجتمع بغدادي كان يخوض مخاض التحول نحو الحداثة والتنوير.
اقترن اسم مليحة إسحاق بمقر سكنها في حي الوزيرية البغدادي الراقي (المتاخم لحي الأعظمية)، حيث أسست هناك “ديواناً” أو صالوناً أدبياً وثقافياً شهيراً في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات.
كان الصالون ملتقىً نخبواً لكبار الشعراء، النُّقاد، والصحفيين العراقيين، وكانت تُدار فيه مساجلات نقدية وفكرية تناولت القصة الحديثة، التجريب الشعري، وقضايا حرية المرأة.
عاصرت كبار قادة الفكر والإعلام آنذاك، وكانت على صلة وثيقة وأخوية بالكاتب والصحفي الراحل سليم البصون والشاعر أنور شاؤول، وتصدرت صورها ونشاطاتها الغلافات والأعمدة الثقافية للمجلات العراقية المصورة في الأربعينيات.
تُعد مليحة إسحق من رائدات القصة القصيرة النسوية في العراق، ولعل انتشار طباعة أعمالها بين بيروت والقاهرة يعكس القيمة الفنية والأفق العربي الذي تمتع به نتاجها
مجموعة «عقلي دليلي» (بيروت، 1948): أولى مجموعاتها الصادرة في لبنان، وكرست فيها نزوع المرأة نحو العقلانية والاستقلال الذاتي في مواجهة الأعراف التقليدية.
مجموعة «ليالي ملاح» (القاهرة، 1950): نُشرت في مصر، وتناولت العوالم الوجدانية والاجتماعية البغدادية بعين ناقدة ورومانسية شفافة.
مجموعة «رائعة» (القاهرة): مجموعة قصصية امتازت بالبناء الدرامي المتماسك والحس الإنساني الرفيع.
مع موجات هجرة يهود العراق في خمسينيات القرن الماضي نتيجة الظروف السياسية المعقدة، رفضت مليحة إسحق التخلي عن هويتها البغدادية أو التنازل عن حبها للعراق.
آثرت البقاء في بغداد ومواصلة حياتها بعيداً عن الأضواء والسياسة، حيث اختارت الانزواء والتوقف عن النشر بعد منتصف الخمسينيات.
لم تغادر العراق إلا في عام 1992 تحت ضغط الظروف الصحية والاقتصادية الصعبة آنذاك، وانتقلت إلى العاصمة البريطانية لندن، حيث توفيت هناك عن عمر ناهز 76 عاماً.
ظلت متمسكة بأظافرها وأسنانها حتى الرمق الأخير في العراق لكن أقدار السياسة عبثت بجنون في النسيج الاجتماعي.
كانت تخالجها لحظات تود فيها لو أن قيامة تحدث فكيف لوطن بحجم الدنيا أن يلفظ أبناءه ويشردهم أو يزج بهم في مطاحن المـ ـوت المجاني؟!
لعلها وهي حبيسة الدار في بغداد كانت تتشبث بالذكريات وتتأملها ملياً مع يقينها بأن روحها منتفخة بملوحة الدموع. فوقع كلمة الرحيل لا يتفق أبدا مع روحها المبتهجة
تود أن يمنح الله ذراعيها خواص الجناحين كي ترفرف بهما كثيرا تقوسهما وتفردهما بعيدين عن جسدها كما يفعل عصفور في محاولته الأولى للطيران تحوم بهما من شاهق فوق العراق ودجلة.
لكن مليحة إسحاق ماتت أخيراً وهي تنتظر حدثاً فوق العادة يقربها من الأحباب غير أن شيئا من هذا لم يحدث… ماتت مليحة غريبة الروح والجسد ولم تعد بحاجة إلى الطيران.
#أسعد_صباح


