لماذا يحجم الكتّاب عن الكتابة عن جوائزهم الأدبية، تلك التي يفوزون بها أو يشاركون في لجان اختيارها.- مشاركة: شادي لويس.

لماذا لا يكتب الكتّاب عن جوائزهم؟
شادي لويس

صنع الله ابراهيم رفض جائزة الرواية سنة 2003

يكتب الكتّاب عن كل شيء تقريباً، هذه مهنتهم أو على الأقل ما يجيدونه. ويحلو لبعضهم أن يوظفوا حياتهم اليومية كموضوعات مباشرة للكتابة السيرية، ويشمل ذلك كل شيء بما فيها الخصومات الشخصية والنمائم الأدبية. إلا أن المحير هو إحجام الكتّاب عن الكتابة عن جوائزهم الأدبية، تلك التي يفوزون بها أو يشاركون في لجان اختيارها.
 
لعل السبب يرجع إلى شعور بالحرج، حيث أن أي جائزة تشتمل على قطبي الاعتراف والمال، ويرفض معظمنا الحديث عن الذات حين يتعلق الأمر بالمكانة أو المكانة الاجتماعية، وإلا قد يحمل الأمر دلالة على الغرور أو عكسه أي النقص. أو لعل السبب يرجع إلى الشعور بالابتذال، فالصورة الكلاسيكية للكاتب تتعارض مع دنيوية الحديث عن الجوائز. هكذا قد تبدو الجائزة مثل شيء طبيعي يحدث في حياة الكاتب مثل التغوط، لا حاجة لإنكاره كما لا توجد ضرورة للحديث عنه. أيضاً، قد يبدو أن الحديث عن الفوز بأي جائزة لا يخرج عن التباهي أو الاعتذار أو التبرير.
ثمة من قبلوا الجوائز واستخدموا المناسبة للاحتجاج السياسي، مثل الكاتب البريطاني جون بريغر الذي قبل جائزة البوكر ولكن رفض حضور الاحتفالية، لئلا يرضى الكتّاب أن يكونوا أحصنة في حلبة للسباق. وهناك الكثير من قبلوا الجوائز وحضروا حفلاتها، وصرحوا بأن مراسم التسليم هي صفعة على الوجه أو بصقة أو ركله في المؤخرة. عربياً يمكن الوصول لبعض التصريحات من صنع الله إبراهيم بشأن واقعة رفضه جائزة الرواية العام 2003. لكن نادراً ما نجد من يكتب بشأن فوزه بشكل احتفائي، أو عن لعبة الحظ أو يد القدر أو أي شيء يتجاوز التحقير أو الشعور بالمهانة.
 
على الأرجح يعد جان جاك روسو أول من كتب عن الجوائز في كتابه الاعترافات، بشأن فوزه بجائزة أكاديمية ديجون العام 1750. ولعل روسو مهد التناول السلبي للجوائز، حين وصف كيف قلبت الجائزة الرسمية حياته رأساً على عقب وجلبت له عداوات هائلة، وأعرب عن ندمه على الدخول إلى عالم “الشهرة الزائف”. بشكل أكثر قتامة، كتب الشاعر والروائي الإيطالي تشيزار بافيزي في مذكراته البديعة والمقبضة “مهنة العيش” عن فوزه بجائزة ستريغا العام 1950 عن “ثلاثيته الروائية “الصيف الجميل”. وبالرغم من أنها أكثر جائزة مرموقة في إيطاليا حينها أو بالأحرى بسبب ذلك، يدون بافيزي عن “الشعور الهائل بالفراغ” الذي خلفته الجائزة داخله. وبشكل مأسوي، لن يمر سوى شهر من الفوز، قبل أن ينهي حياته بجرعة زائدة من الأقراص المخدرة.
الأميركيون في الأغلب أكثر خفة. في مذكراته المعنونة “كتب” يكتب الروائي الأميركي لاري مكمورتي عن فوزه بجائزة البوليتزر المرموقة عن روايته “حمامة وحيدة” العام 1986. وبحسه الساخر يدون كيف تغيرت حياته بعد الشهرة الطاغية التي فرضتها الجوائز، وكيف تحول من قارئ نهم وجامع كتب وشخص يبحث عن العزلة إلى مؤسسة تلاحقها الأضواء والترشيحات.

C:\Users\Rainbow1\Desktop\MURAKAMI-3 (1).jpg

في كتابه “مهنتي هي الرواية” يخصص الروائي الياباني هاروكي موراكامي فصلاً بعنوان الجوائز. وبالرغم من أنه يشير إلى فوزه بجائزة “غونزو” عن روايته “أسمع الريح تغني”، واعتبارها علامة فارقة في حياته و”تذكرتي لأصبح كاتباً” التي فتحت الأبواب له. لكن اللافت هو أن موراكامي لا يخصص فصله للجائزة التي نالها مبكراً في مساره الكتابي، بل يفرد معظمه لعدم فوزه بجائزة “ريونوسوكي أوكوتاغوا”. إذا حين يكتب الكتاب عن الجوائز ما يحفزهم أكثر هي الجوائز التي لم يفوزا بها. يبرر موراكامي ذلك الصمت بغياب الأساس للقيمة الحقيقة لأي جائزة. ويضيف الرد الاستهلاكي الجاهز بأن حب القراء هو الجائزة الكبري، وفي الجملة التالية يقر بأن هذا الرد هو تجاري بامتياز.

يبقى السؤال لماذا لا يكتب الكتاب عن جوائزهم؟ أو بالأحرى لماذا لا يحتفون بها؟

أخر المقالات

منكم وإليكم