لعنة الخذلان .. وضريبة الفرار في ساعة العسرة

بقلم د.نادي شلقامي

كم من قلبٍ نقي كان يظن أنك سنده، فلما اشتدت به المحنة وجدك أول الهاربين؛ ليس العيب أن تمر بتجربة صعبة، بل العيب أن تكون أنت الغصة في حلق من أحبك، فهناك أناس يختبرون أقسى أوقات حياتهم، فيذهب أقرب الناس إليهم ليضيفوا لهم جرحاً جديداً اسمه “الخذلان”، والهروب في وقت الشدة ليس مجرد انسحاب عابر، بل هو رصاصة رحمة تُطلق على ما تبقى من ثقة في هذا العالم.

لقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا السلوك الذميم بلهجة شديدة، فقال تعالى: **﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾**، وأليس من نقض العهد أن تكون حاضراً في الأفراح وتختفي خلف أعذار واهية في الأتراح؟ إن الله حين وضعك في طريق المكروبين أرادك سنداً لا متفرجاً، ومواساةً لا عبئاً إضافياً، وتذكر دائماً أن “نفاق المواقف” هو أن تعطي وجه المحب في الرخاء، وتدير ظهر الغريب عند أول عاصفة.

إن النبي ﷺ يقول: **«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»**، فكيف لهذا البنيان أن يصمد إذا كانت أحجاره الأساسية تنسحب عند أول زلزال؟ وإذا كنت ممن يتخلى عند الشدة، فاعلم أنك لست وحدك من سينهار، بل الجميع سيسقط بسبب فرارك، والجزاء دائماً من جنس العمل؛ فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن ولى ظهره عن المنكسرين، ولى الله عنه وجوه الصادقين في يومٍ سيحتاج فيه هو إلى مَن يمسح دمعته. والخذلان لا يكون دائماً بالرحيل الجسدي، بل قد يكون بالصمت حين يجب الكلام، وبالبرود حين يجب الاحتواء، وما أصعب أن تنظر إليك عيون كانت ترجو وجودك فتجدك في مكان آخر، منشغلاً بنفسك وتاركاً إياهم يواجهون قدرهم وحيدين، فهذا النوع من الوجع لا ينساه المخذول أبداً، وسيبقى ندبة في جبين علاقتك بهم إلى الأبد.

لقد حذّر النبي ﷺ أشد التحذير من التدابر وهجران المسلم، فكيف إذا كان هذا الهجران في وقت الاحتياج والضعف؟ حيث قال ﷺ: **«لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا»**، فالفرار عند الشدة هو أعلى درجات التدابر لأنه انسحاب من مقتضيات الإنسانية والدين، وهو سلوك يضيق عليك واسع رحمة الله بقدر ما ضيقت على عباده. وأولئك الذين خذلتهم وهم أحياء، قد يرحلون فجأة ليصبحوا تحت التراب، وحينها لن يعودوا بحاجة إلى تبريراتك المتأخرة، بل ستعيش أنت بقية عمرك بصفة “الجبان” الذي هرب حين كان بإمكانه أن ينقذ روحاً بكلمة، وما أصعب أن تقف أمام قبرٍ وتدرك أن الشخص الذي بداخله قد مات مرتين: مرة حين خذلته وأنت حي، ومرة حين فارقت روحه جسده، والموت الأول كان أصعب عليه لأنه كان يراك ويفتقدك.

لا تنتظر أن تُحمَل الجثامين على الأعناق لتعرف قيمة من كانوا معك، بل ارجع الآن، واعتذر بصدق، وامسح دمعة، وكن السند الذي تمنيت أن تجده، فالقرآن لم ينادِ الأموات بل نادى الأحياء: **﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾**، فاتقوا الله فيمن وضعوا قلوبهم أمانة بين أيديكم، ولا تكونوا سبباً في ذبول أرواحهم ثم تقفون نادمين فوق قبورهم، فالندم لا يحيي من قتله الإهمال. وفي الختام، حين يُنادى عليك للرحيل، اختر ما تريد أن يُكتب في سجل حياتك؛ هل كنت غياثاً أم كنت جرحاً؟ فالدنيا سلف ودين، والوقت لا ينتظر ضعاف القلوب الذين يخشون ضريبة الوفاء، وإن مت ولم تصلح ما أفسدته من علاقات، فاعلم أن القبر سيصرخ في وجهك بالحقيقة التي حاولت الهروب منها: لقد رحلوا بمرارة خذلانك، والآن جئت وحيداً لتذوق مرارة خذلان العمل.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم