لا تكونوا محايدين: حين يتحول الشعر إلى أخلاق للفعل
قراءة نقدية لغوية وهيرمينوطيقية وأسلوبية ونفسية وسيميائية في قصيدة آمال صالح.
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
حين يثقل العالم بالصمت، وتتحول الأيام إلى مواعيد متشابهة، والطرقات إلى طوابير، والوجوه إلى عابرين لا يلتفت أحدهم إلى أحد، يصبح الشعر أكثر من لغة؛ يصبح موقفاً من الحياة. فثمة لحظات لا يكفي فيها أن نرى، بل ينبغي أن نبصر؛ ولا يكفي أن نسمع، بل ينبغي أن نصغي؛ ولا يكفي أن نعبر، بل ينبغي أن نتوقف أمام ما يستحق أن يُعاش.
من هذا القلق الإنساني ولدت قصيدة «لا تكونوا محايدين»؛ قصيدة ترفض أن يكون الإنسان مجرد متفرج على العالم، أو رقماً في ساعة، أو اسماً في عنوان، أو جسداً يصطف في طابور طويل من العادات والمواعيد. إنها دعوة إلى استعادة الدهشة، وإلى تحرير الروح من القوالب التي تجعل الحياة نسخة باهتة من نفسها.
لا تكتب آمال صالح هنا عن الحرية بوصفها شعاراً بعيداً، بل تستدعيها من التفاصيل الصغيرة: من حلم ينبغي أن نصغي إليه، ومن زهرة تتفتح، ومن يد تصافح، ومن ابتسامة تُمنح لغريب، ومن عصفور مهاجر يعلّمنا أن للروح حقاً في التحليق.
إن «لا تكونوا محايدين» ليست دعوة إلى موقف عابر، بقدر ما هي سؤال عن معنى أن نكون أحياء: هل نمر في العالم مروراً عابراً، أم نترك فيه أثراً من دفء أرواحنا؟ وهل نكتفي بمراقبة الجمال، أم نشارك في صناعته؟ وهل نستسلم للزمن كما تقيسه الساعات، أم نستعيد زمناً آخر، زمن الحلم والصدفة والحب والقصيدة؟
لهذا تأتي القصيدة كنافذة تُفتح في جدار المألوف، وكصرخة هادئة في وجه الاستسلام، وكإيمان بأن العالم، مهما أثقلته العتمة، ما يزال قادراً على أن يخضرّ من جديد.
ومن هنا يبدأ النداء…
لا تكونوا محايدين.
نص القصيدة:
لا تكونوا محايدين…!
بقلم آمال صالح
حين تتكلم الأحلام اصغوا لها…
لا تمروا محايدين
توقفوا عند العتبات
واصرخوا…
اضحكوا حتى تتفتح الأزهار
بكامل وعيها
توحي للطبيعة
أن تعطيكم أسرارها
لا تمروا محايدين
اخرجوا من بوابات الحروف المنسقة
بنظام شديد
حفظتها المدن
وعلامات المرور
أرجوكم لا تكونوا محايدين
أريد أن ترقص المدينة مع الطبيعة
حتى وإن غاب الأخضر
وأصبحت الأشجار تنمو
في رحاب منطفئة
اخترعوا قواميسا جديدة
وتعالوا نكتب
ذلك الكون ليس للموت
ذلك الكون هو الأخضر
في يد تصافح
وجبين تخرج منه تباشير الصباح
أما المساء
فهو حين تشتعل المدينة
فقط من صدى قصيدة
لا تكونوا محايديين
تسايرون الزمن بالمواعيد
وتركبون الأماكن حسب العناوين
اخرجوا يوما الصدفة من جيوبكم
ابتسموا لغريب
واحلموا مع العصافير المهاجرة
لا تصطفوا دوما في الطوابير
انزعوا الساعات
وانسوا أنكم مقيدين
تعالوا إلى جمال الكون
بفتحة في نافذة الروح
حين تصبح الأيام مثل نوتات موسيقية
تعزف لكم أغنية
خارجة عن المألوف
أرجوكم لا تكونوا محايدين…!
القصيدة بوصفها موقفاً من العالم:
ليست قصيدة «لا تكونوا محايدين…!» للشاعرة آمال صالح نصاً يكتفي بتأمل العالم من مسافة آمنة، ولا قصيدة تستسلم لجماليات الوصف المحايد؛ إنها نصٌّ يضع القارئ في قلب المسؤولية، ويحوّل الشعر من مساحة للتلقي إلى مساحة للفعل. ومنذ عتبتها الأولى، يستقبلنا فعل الأمر: «لا تكونوا»، وكأن الشاعرة لا تريد قارئاً يتفرج على القصيدة، بل قارئاً يدخلها، ويتورط في أسئلتها، ويعيد النظر في موقعه من الحياة.
إن كلمة «محايدين» ليست في النص مجرد صفة، بل تتحول إلى مركز دلالي تدور حوله شبكة واسعة من الأفعال والصور والرموز: الإصغاء، الصراخ، الضحك، الخروج، الاختراع، المصافحة، الابتسام، الحلم، نزع الساعات، نسيان القيود، والانفتاح على جمال الكون.
ومن هنا يمكن القول إن القصيدة تؤسس ثنائية جوهرية:
الحياد _ الفعل
ثم تتشعب عنها ثنائيات أخرى:
المدينة _ الطبيعة،
النظام _ العفوية،
الساعة _ الحلم،
الطابور _ الصدفة،
المواعيد _ الحرية،
الموت _ الخضرة،
المألوف _ المختلف،
الصمت _ الصرخة.
وبقدر ما تبدو القصيدة بسيطة في معجمها، فإنها عميقة في بنيتها الدلالية؛ لأنها تستخدم المفردة اليومية لكي تنقلها من معناها المباشر إلى معنى وجودي وأخلاقي.
أولاً: العنوان بوصفه عتبة تأويلية
«لا تكونوا محايدين…!»
عنوان شديد الكثافة؛ لأنه لا يقدم موضوع القصيدة بقدر ما يقدم موقفها.
إنه تركيب إنشائي قائم على النهي، والنهي هنا لا يؤدي وظيفة المنع فحسب، وإنما يتحول إلى فعل احتجاج ومساءلة. أما الجمع في «تكونوا» و«محايدين» فينقل الخطاب من الفرد إلى الجماعة، ومن التجربة الذاتية إلى المجال الإنساني العام.
واللافت أن علامات الحذف المتبوعة بعلامة التعجب تمنح العنوان امتداداً صوتياً ونفسياً؛ فكأن العبارة لم تُغلق عند حدودها اللغوية، وإنما بقيت مفتوحة على صدى يتواصل في ذهن المتلقي.
إنها ليست: لا تكونوا محايدين وحسب، بل:
لا تنسحبوا من الحياة.
لا تقفوا خارج الألم والجمال.
لا تجعلوا أنفسكم متفرجين.
لا تسمحوا للزمن أن يحولكم إلى أرقام.
وهنا يتحول العنوان إلى مفتاح قرائي يضيء معظم مفاصل النص.
ثانياً: البنية اللغوية ـ اللغة بين البساطة والانزياح
تقوم لغة آمال صالح على مفردات مألوفة في ظاهرها، لكنها تكتسب داخل السياق طاقة إيحائية تتجاوز معناها القاموسي.
فالألفاظ:
الأحلام، العتبات، الأزهار، الطبيعة، المدن، الأشجار، القواميس، الكون، الأخضر، اليد، الجبين، الصباح، المساء، الصدفة، العصافير، الطوابير، الساعات، نافذة الروح، النوتات، الأغنية
تنتمي في معظمها إلى الحقل الحسي واليومي، غير أن الشاعرة تعيد ترتيبها بحيث تصبح اللغة اليومية لغةً فلسفية.
فـ«الساعات» ليست ساعات زمنية فقط، بل تتحول إلى علامة على الزمن الذي يضبط الإنسان.
و«الطوابير» ليست مجرد تجمع بشري، وإنما علامة على الامتثال الجماعي.
و«العناوين» لا تحيل إلى الأمكنة وحدها، بل إلى نظام تصنيفي يريد أن يضع الإنسان داخل خانة محددة.
أما «الصدفة» فتظهر بوصفها نقيضاً لهذا النظام كله؛ لأنها تمثل المفاجأة، والممكن، والانفتاح على ما لا يخضع للجدولة.
وهنا يكمن أحد أجمل التحولات الدلالية في النص:
من الإنسان الذي يسير وفق المواعيد إلى الإنسان الذي يستعيد الصدفة.
وهذا انتقال من حياة مبرمجة إلى حياة محتملة.
ثالثاً: فعل الأمر وبناء الخطاب
تتأسس القصيدة أسلوبياً على كثافة الأفعال الإنشائية، ولا سيما الأمر:
اصغوا،
توقفوا،
اصرخوا،
اضحكوا،
اخرجوا،
اخترعوا،
تعالوا،
ابتسموا،
احلموا،
انزعوا،
انسوا.
وهذا التتابع لا يمكن اعتباره مجرد تنويع نحوي؛ إنه بنية عميقة في تشكيل القصيدة.
كل فعل أمر يفتح نافذة جديدة في الجدار.
اصغوا يحرر السمع.
توقفوا يعيد الإنسان إلى لحظة التأمل.
اصرخوا يحرر الصوت.
اضحكوا يستعيد الجسد حقه في الفرح.
اخرجوا يعلن مغادرة القوالب.
اخترعوا يدعو إلى خلق لغة جديدة.
ابتسموا يعيد العلاقة الإنسانية إلى بساطتها.
احلموا يسترد المستقبل.
انزعوا الساعات يحرر الإنسان من سلطة الزمن الميكانيكي.
وهكذا يتحول الأمر النحوي إلى درجات في سلم التحرر.
فالقصيدة لا تقول للقارئ ماذا يفكر فقط؛ إنها تقول له ماذا يفعل.
وهذا أحد أسرار قوتها الخطابية.
رابعاً: التكرار بوصفه لازمة طقسية
تعود العبارة:
«لا تكونوا محايدين»
في مواضع متعددة، فتتحول من جملة إلى لازمة إيقاعية ودلالية.
التكرار هنا ليس حشواً، وإنما هو أشبه بدقات متتابعة على باب مغلق.
كلما ظن القارئ أن النص ابتعد عن مركزه، تعيده اللازمة إلى السؤال الأساسي: ماذا يعني أن تكون إنساناً في عالم يحتاج إلى موقف؟
ومن الناحية الإيقاعية، تمنح اللازمة القصيدة بنية دائرية؛ فهي تبدأ منها وتعود إليها، وبذلك يصبح النص أشبه بحركة موجية:
نداء _ صور _ أفعال _ تحريض _ تأمل _ نداء.
وهذا البناء يفسر الطابع الإنشادي الذي يميز القصيدة.
خامساً: الهيرمينوطيقا ـ من ظاهر الحياد إلى باطن المسؤولية
تفتح القصيدة مجالاً خصباً للتأويل الهيرمينوطيقي؛ لأن كلمة «الحياد» تبدو في ظاهرها مفهوماً سياسياً أو اجتماعياً، لكنها في السياق تتحول إلى مفهوم وجودي.
ما الذي تعنيه الشاعرة حين تقول:
«لا تمروا محايدين»؟
إنها لا تتحدث عن موقف سياسي محدد فقط، بل عن طريقة في الوجود.
فالمرور المحايد يعني أن يرى الإنسان العالم ولا يتأثر به، أن يرى الحزن ولا يتحرك، أن يرى الجمال ولا يحتفي به، أن يرى الإنسان الآخر ولا يمد يده إليه.
من هنا تصبح القصيدة سؤالاً أخلاقياً:
هل يستطيع الإنسان أن يعيش دون أن ينحاز إلى شيء؟
وتأتي الإجابة ضمنية: لا.
فالإنسان، في تصور القصيدة، لا يصبح إنساناً كاملاً بمجرد وجوده، وإنما عندما يدخل في علاقة حية مع العالم.
ومن هنا يمكن قراءة النص باعتباره انتقالاً:
من الحضور الفيزيائي إلى الحضور الأخلاقي.
أن تكون موجوداً لا يعني أنك حاضر.
الحضور الحقيقي هو أن تكون لك استجابة.
سادساً: «حين تتكلم الأحلام»: أنسنة المجرد وتحويله إلى كائن حي
تفتتح الشاعرة:
«حين تتكلم الأحلام اصغوا لها…»
وهذه العبارة تحمل انزياحاً شعرياً واضحاً؛ فالأحلام لا تتكلم بالمعنى الحرفي، لكنها تُمنح صوتاً إنسانياً.
إنها عملية تشخيص تجعل الحلم كائناً قادراً على الخطاب.
والأهم أن الشاعرة لا تقول: حققوا الأحلام، وإنما تقول:
«اصغوا لها»
وهذا فرق دقيق وعميق.
فالتحقق يأتي لاحقاً، أما البداية فهي الإصغاء.
إن الشاعرة بذلك تؤسس أخلاقاً جديدة للعلاقة مع الذات: قبل أن تفعل، اسمع ما تقوله أحلامك.
وهنا يتحول الحلم من خيال إلى خطاب داخلي.
سابعاً: الطبيعة بوصفها شريكاً في المعنى
تحتل الطبيعة موقعاً مركزياً في القصيدة:
الأزهار، الأشجار، الأخضر، العصافير المهاجرة، الصباح، الكون.
لكن الطبيعة ليست خلفية جمالية، وإنما كيان مشارك في عملية الخلاص.
تقول الشاعرة:
«أريد أن ترقص المدينة مع الطبيعة»
وهذه من أكثر الصور كثافة في النص.
فالمدينة والطبيعة تبدوان في الأصل عالمين متباعدين، لكن الشاعرة تريد المصالحة بينهما.
الرقص هنا ليس مجرد حركة؛ إنه استعادة للتناغم.
المدينة تمثل النظام، والتخطيط، والمواعيد، والعناوين، والطوابير.
والطبيعة تمثل الحركة الحرة، النمو، الصدفة، الخضرة، الهجرة، التفتح.
وعندما تقول:
«أريد أن ترقص المدينة مع الطبيعة»
فإنها تقترح، في العمق، مصالحة الإنسان مع الجزء الطبيعي المنسي فيه.
ثامناً: «الأزهار بكامل وعيها» ـ شعرية المفارقة
من أجمل الانزياحات في القصيدة:
«حتى تتفتح الأزهار
بكامل وعيها»
فالزهرة لا تمتلك وعياً بالمعنى العقلاني، لكن الشاعرة تمنحها وعياً مجازياً.
والنتيجة أن الطبيعة تدخل في مجال الإنسان، والإنسان يدخل في مجال الطبيعة.
إنها ليست زهرة فحسب؛ إنها زهرة واعية بوجودها.
وبذلك يصبح التفتح فعلاً معرفياً، وليس فعلاً نباتياً فقط.
وهذه الصورة تكشف عن فلسفة خفية في النص: الحياة الحقيقية هي أن تتفتح بكامل وعيك.
تاسعاً: المدينة بوصفها استعارة للاغتراب
في القصيدة مدينة أخرى غير المدينة الجغرافية.
إنها المدينة التي تحفظ:
«بوابات الحروف المنسقة
بنظام شديد»
وتعيش وفق:
«علامات المرور»
وتسير خلف:
«المواعيد»
وتحدد الأمكنة بواسطة:
«العناوين»
وتصطف في:
«الطوابير»
وتقيس الحياة بواسطة:
«الساعات».
إننا أمام مدينة تتحول فيها الحياة إلى نظام من التعليمات.
ولهذا تبدو الدعوة إلى الخروج منها دعوة إلى كسر آلية الاستلاب.
المدينة هنا ليست ضد الطبيعة لأنها حضرية، بل لأنها أصبحت رمزاً للإنسان الذي فقد عفويته.
عاشراً: «اخترعوا قواميس جديدة» ـ ثورة اللغة
هذه العبارة من أكثر عبارات القصيدة أهمية:
«اخترعوا قواميسا جديدة»
فالقاموس، في ظاهره، كتاب للغة، لكنه في القراءة التأويلية يصبح رمزاً للنظام الذي يحدد الأشياء بأسمائها ومعانيها.
وعندما تطالب الشاعرة باختراع قواميس جديدة، فهي لا تطالب بتغيير الكلمات فقط، بل بتغيير طريقة رؤية العالم.
إنها دعوة إلى إعادة تسمية الأشياء.
فالحرية تحتاج إلى لغة.
والحب يحتاج إلى لغة.
والاختلاف يحتاج إلى لغة.
والإنسان الذي يستخدم قاموساً قديماً لواقع جديد قد يظل عاجزاً عن التعبير عن تجربته.
من هنا تصبح الكتابة نفسها فعلاً تحررياً.
الحادي عشر: «ذلك الكون ليس للموت» ـ جدلية الموت والخضرة
تصل القصيدة إلى نقطة فلسفية واضحة:
«ذلك الكون ليس للموت
ذلك الكون هو الأخضر»
هنا يتحول الأخضر إلى مفهوم كوني.
إنه ليس لوناً فقط، بل استعارة للحياة والنماء والأمل والقدرة على التجدد.
والمقابلة بين:
الموت _ الأخضر
ليست مقابلة بين نهايتين فقط، وإنما بين تصورين للعالم.
عالم يرى الحياة طريقاً إلى الفناء.
وعالم يراها إمكانية دائمة للإنبات.
ولذلك يصبح الأخضر في النص شبيهاً بفلسفة مضادة للعدم.
الثاني عشر: اليد والجبين والصباح ـ من التجريد إلى الجسد
من الصور الجميلة:
«في يد تصافح
وجبين تخرج منه تباشير الصباح»
بعد أن كانت القصيدة تتحدث عن الكون والطبيعة والمدينة، تنزل فجأة إلى الجسد.
اليد رمز للعلاقة.
والمصافحة فعل اتصال.
أما الجبين فيحمل معنى الكرامة والإنسانية والبداية.
والصباح يخرج من الجبين كما لو أن الإنسان نفسه أصبح مصدراً للنور.
وهنا تتجسد الفكرة الكبرى: التغيير لا يأتي دائماً من الخارج؛ قد يبدأ من يد تمتد إلى الآخر، أو من جبين يحمل بشارة جديدة.
الثالث عشر: المساء الذي تشتعل فيه المدينة
تقول الشاعرة:
«أما المساء
فهو حين تشتعل المدينة
فقط من صدى قصيدة»
وهنا تبلغ القصيدة درجة عالية من المجاز.
فالشعر لا يعود وصفاً للمدينة، بل يصبح قوة قادرة على إشعالها.
و«الاشتعال» هنا لا يعني بالضرورة الاحتراق، وإنما الاستيقاظ.
المدينة المطفأة تحتاج إلى شرارة.
والقصيدة يمكن أن تكون تلك الشرارة.
إنها رؤية تمنح الشعر وظيفة تتجاوز التزيين؛ فالشعر قادر على إحداث تحول في الوعي.
الرابع عشر: البنية النفسية ـ القلق من إنسان فقد دهشته
على المستوى النفسي، يمكن قراءة النص باعتباره صادراً عن قلق عميق من الاعتياد.
فالشاعرة لا تخشى الموت وحده؛ إنها تخشى حياة تشبه الموت.
وهذا أكثر حضوراً في صور:
المواعيد،
العناوين،
الطوابير،
الساعات،
الأماكن المحددة،
اللغة المنسقة،
الزمن المبرمج.
كلها تشير إلى إنسان يعيش، لكنه لا يختار.
ومن هنا تأتي الرغبة في:
الصدفة،
الابتسامة،
الحلم،
الهجرة،
نزع الساعة،
الخروج من المألوف.
النفس الشعرية إذن تبحث عن استعادة الدهشة.
والدهشة في هذا النص ليست ترفاً جمالياً؛ إنها علامة على أن الروح ما تزال حية.
الخامس عشر: الصدفة في مواجهة النظام
تقول الشاعرة:
«اخرجوا يوما الصدفة من جيوبكم»
صورة شديدة الذكاء؛ لأن الصدفة لا توضع عادة في الجيب.
وهنا تكمن المفارقة.
إن الشاعرة تتعامل مع الصدفة كما لو أنها شيء يحتفظ به الإنسان ثم ينساه.
وهذا يعني، رمزياً، أن الإنسان يحمل داخله إمكانية المفاجأة، لكنه يدفنها تحت ثقل العادة.
إخراج الصدفة من الجيب هو، في العمق:
إخراج الممكن من أسر الممنوع.
السادس عشر: العصافير المهاجرة ـ صورة الذات التي لا تعترف بالحدود
«واحلموا مع العصافير المهاجرة»
العصفور المهاجر هنا ليس صورة للطيران فقط، وإنما صورة للذات التي ترفض أن يكون المكان سجناً.
والهجرة تمنح الرمز بعداً وجودياً: الانتقال، البحث، التجربة، المغامرة.
وفي الوقت نفسه، فإن العصافير لا تحمل خرائط بيروقراطية؛ إنها تعرف طريقها بالحدس.
وهنا تعود القصيدة إلى صراعها المركزي:
الإنسان الذي يعيش وفق الخرائط
في مقابل الكائن الذي يعرف طريقه بالإحساس.
السابع عشر: الساعات والطوابير ـ نقد الزمن الميكانيكي
من أكثر المقاطع دلالة:
«لا تصطفوا دوما في الطوابير
انزعوا الساعات
وانسوا أنكم مقيدين»
الساعات هنا ليست أدوات لقياس الزمن فحسب، وإنما رمز إلى استبداد الزمن الخارجي.
حين تصبح الساعة هي التي تحدد متى نعمل، ومتى نصل، ومتى نغادر، ومتى نلتقي، يفقد الإنسان شيئاً من زمنه الداخلي.
ولهذا فإن نزع الساعة لا يعني رفض الوقت، بل استعادة الزمن الإنساني.
زمن التأمل.
زمن الحب.
زمن المصادفة.
زمن الحلم.
الثامن عشر: «نافذة الروح» ـ الانفتاح بوصفه خلاصاً
تبلغ القصيدة واحدة من أجمل صورها في:
«تعالوا إلى جمال الكون
بفتحة في نافذة الروح»
فالروح تصبح بيتاً، والبيت له نافذة، والنافذة تحتاج إلى فتحة.
إنها استعارة مركبة للانفتاح.
الكون جميل، لكن الجمال لا يدخل الروح إذا كانت نوافذها مغلقة.
وهكذا لا تجعل الشاعرة الخلاص في تغيير العالم وحده، بل في تغيير قابلية الإنسان لرؤية العالم.
وهذه نقطة هيرمينوطيقية بالغة الأهمية:
العالم لا يتغير فقط عندما نغيره، بل عندما نغير الطريقة التي نقرأه بها.
التاسع عشر: الأيام بوصفها موسيقى
تقول الشاعرة:
«حين تصبح الأيام مثل نوتات موسيقية
تعزف لكم أغنية
خارجة عن المألوف»
وهنا تنتقل القصيدة من البصري إلى السمعي.
الأيام تتحول إلى نوتات.
والحياة تصبح موسيقى.
وهذا التحول يؤكد أن الشاعرة لا تريد مجرد حياة جديدة، وإنما تريد إيقاعاً جديداً للحياة.
إن «الأغنية الخارجة عن المألوف» تختصر مشروع القصيدة كله.
فالمألوف هو ما قاومته الشاعرة منذ البداية:
المرور المحايد،
الطوابير،
الساعات،
المواعيد،
العناوين،
القواميس القديمة.
أما الخروج عن المألوف فهو أن يستعيد الإنسان حقه في أن يكون مختلفاً.
العشرون: الموسيقى الداخلية ـ الإيقاع خارج الوزن
على الرغم من أن القصيدة تنتمي إلى الكتابة الحرة_ النثرية ولا تقوم على نظام عروضي صارم، فإنها ليست خالية من الإيقاع.
إيقاعها ينبع من:
التكرار،
التوازي،
تتابع الأفعال،
قصر الجمل،
الوقفات،
علامات الحذف،
علامات التعجب،
التجاور الصوتي،
والتدرج الدلالي.
وتشكّل سلسلة:
اصغوا ـ توقفوا ـ اصرخوا ـ اضحكوا
موجة صوتية متصاعدة، قبل أن تنتقل القصيدة إلى:
اخرجوا ـ اخترعوا ـ تعالوا
ثم إلى:
ابتسموا ـ احلموا ـ انزعوا ـ انسوا.
إنها موسيقى فعلية، لكنها ليست موسيقى الوزن، بل موسيقى الحركة.
وهذا ينسجم تماماً مع جوهر القصيدة: نص يريد أن يحرك الساكن.
الحادي والعشرون: الشعر بوصفه مقاومة للاستلاب
إذا جمعنا الخيوط السابقة، وجدنا أن القصيدة لا تهاجم الحياد وحده؛ إنها تقاوم منظومة كاملة من الاستلاب.
فالإنسان المستلب هو الذي:
يمر ولا يتوقف،
يرى ولا يصغي،
يعيش ولا يحلم،
يمشي في الطابور،
يضبطه عقرب الساعة،
يتنقل بين العناوين،
ويستخدم القواميس نفسها التي ورثها دون أن يسأل إن كانت ما تزال صالحة.
في المقابل، تقترح الشاعرة إنساناً آخر:
يصغي،
يصرخ،
يضحك،
يخرج،
يخترع،
يبتسم،
يحلم،
ينزع الساعة،
ويفتح نافذة الروح.
وبذلك تصبح القصيدة مشروعاً لإعادة صناعة الإنسان من الداخل.
الثاني والعشرون: البعد الأخلاقي ـ هل الحياد فضيلة دائماً؟
تثير القصيدة سؤالاً أخلاقياً بالغ الأهمية:
هل الحياد فضيلة في كل الظروف؟
إن النص يجيب بالنفي، لكنه لا يفعل ذلك من خلال خطاب فلسفي مباشر، وإنما من خلال الشعر.
فحين يصبح الصمت أمام القبح مشاركة فيه، يتحول الحياد من فضيلة إلى موقف يحتاج إلى مساءلة.
غير أن قوة القصيدة تكمن في أن مفهوم الحياد لديها أوسع من المجال السياسي؛ فهو يشمل أيضاً الحياد تجاه الحب والجمال والحلم والإنسان.
ولهذا يمكن أن نقول إن الشاعرة لا تدعو إلى الانحياز الأعمى، وإنما إلى استعادة الفاعلية الإنسانية.
الثالث والعشرون: ما تحت الجلد الشعري
ما تحت الجلد الظاهر للقصيدة ليس مجرد احتجاج على مدينة جامدة، وإنما خوف عميق من أن يتحول الإنسان إلى نسخة مكررة من نفسه.
إنها تخشى أن يفقد الإنسان قدرته على المفاجأة.
أن يصبح له موعد لكل شيء، إلا الحلم.
وعنوان لكل مكان، إلا الروح.
وساعة لكل لحظة، إلا الحب.
وطابور لكل حركة، إلا الخيال.
لذلك تبدو القصيدة، في جوهرها، دفاعاً عن الإنسان غير القابل للقولبة.
إنها تقول، في طبقتها العميقة:
لا تسمحوا للعالم أن يحولكم إلى وظائف، وأرقام، ومواعيد، وعناوين.
كونوا بشراً قبل أن تكونوا أفراداً داخل نظام.
الرابع والعشرون: ملاحظات لغوية وفنية
تتميز القصيدة في مجملها بسلامة لغتها وانسيابها، مع وجود بعض المواضع التي يمكن ضبطها تحريرياً إذا أريد للنص أن يخرج في صيغة نهائية منشورة.
من ذلك:
«لا تكونوا محايديين»
والصواب:
«لا تكونوا محايدين».
كما أن عبارة «قواميسا» يمكن ضبطها كتابياً بحسب نظام التنضيد إلى «قواميسَ» إذا أريد إظهار العلامة الإعرابية، لكن تركها من دون تشكيل هو الأنسب في النشر الشعري المعاصر.
وهذه ملاحظات تحريرية لا تنتقص من القيمة الشعرية للنص، بل تتصل بمرحلة الصياغة النهائية والتدقيق.
قصيدة تريد للقارئ أن يتحول
إن قصيدة «لا تكونوا محايدين…!» لآمال صالح ليست نصاً عن الحياد بقدر ما هي نص عن الإنسان حين يستعيد حقه في أن يكون حاضراً.
قوتها الأساسية أنها لا تضع الحرية في مستوى الشعارات، وإنما تربطها بتفاصيل صغيرة:
أن تصغي إلى حلمك.
أن تتوقف عند عتبة.
أن تصرخ.
أن تضحك.
أن تبتسم لغريب.
أن تحلم مع عصفور مهاجر.
أن تخرج الصدفة من جيبك.
أن تنزع ساعتك.
أن تفتح نافذة روحك.
ومن هنا تتشكل فلسفة القصيدة:
الحرية ليست دائماً حدثاً عظيماً؛ قد تبدأ من حركة صغيرة يقوم بها الإنسان ضد اعتياده.
إن الشاعرة تنقل القصيدة من مجال القول إلى مجال الفعل، ومن الجمال إلى الأخلاق، ومن الطبيعة إلى الوجود، ومن اللغة إلى المسؤولية.
ولعل أجمل ما في النص أن الشاعرة لا تكتفي بأن تقول للآخرين: لا تكونوا محايدين؛ إنها، في العمق، تواجه كل واحد منا بسؤال أكثر قسوة:
ماذا فعلتَ بالحياة حين مررتَ بها؟
هل كنتَ مجرد عابر؟
أم كنتَ يداً تصافح؟
أم جبيناً تخرج منه تباشير الصباح؟
أم نافذة مفتوحة على الكون؟
أم قصيدة قادرة على أن تشعل مدينة كاملة من صدى الكلمات؟
هنا تكمن القيمة الحقيقية للنص؛ إذ يتحول الشعر من مرآة للعالم إلى قوة لتغييره، ومن لغة تصف الحياة إلى لغة تطالبنا بأن نعيشها بطريقة أخرى.
وهكذا تأتي اللازمة الأخيرة:
«أرجوكم لا تكونوا محايدين…!»
لا بوصفها نهاية للقصيدة، وإنما بوصفها بداية لسؤال يبقى معلقاً خارج النص، في ضمير القارئ.
فالقصيدة تنتهي على الورق،
لكن نداءها يبدأ في الإنسان.
Amel Saleh


