أوغاريت والأبجدية الأولى: بين جدل الحرف وولادة الوعي الكتابي في المشرق القديم..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في تاريخ اللغات القديمة تظلّ الأبجدية الأوغاريتية واحدة من أكثر المنجزات إثارةً للبحث والنقاش لا لأنها مجرد نظام كتابي بل لأنها تمثل لحظة تحوّل كبرى في الوعي الإنساني تجاه الكتابة ذاتها: من التعقيد المقطعي إلى البساطة الصوتية.
لقد اختلف الباحثون في قراءة العلامات المسمارية الأوغاريتية وتفسيرها إذ أظهرت النصوص المكتشفة في أوغاريت تنوعاً في أشكال الرسم للعلامة الواحدة الأمر الذي فتح باباً واسعاً للاجتهادات اللغوية حول القيمة الصوتية الدقيقة لبعض الحروف، وحدود التطابق بينها وبين الأنظمة الأبجدية اللاحقة.
الأبجدية الأوغاريتية وبنيتها الصوتية
تتفق غالبية الدراسات الحديثة على أن الأبجدية الأوغاريتية تتألف من نحو 27 إلى 30 علامة صوتية.. وهي بذلك تمثل أحد أقدم أنظمة الكتابة الأبجدية المعروفة، حيث تعتمد مبدأ “الحرف للصوت” بدل العلامة للكلمة أو المقطع.
وعند مقارنتها بالأبجدية العربية لاحقاً يلاحظ الباحثون وجود تقارب في عدد من الأصوات مع غياب بعض المقابلات المباشرة أو تداخلها ومن بينها الصوت المفخم الذي يقارب حرف الضاد في العربية.
في هذا السياق يذهب بعض الباحثين إلى احتمال وجود تمثيل صوتي قريب من الضاد في الأوغاريتية إلا أن هذا الطرح لا يزال محل نقاش علمي إذ يميل آخرون إلى أن العلامات التي قُرئت بهذا الاتجاه قد تمثل أصواتاً أخرى (مثل الدال أو الصوامت المفخمة القريبة منها)، نتيجة اختلاف أنظمة النقل الصوتي بين اللغات السامية القديمة..وهنا تكمن الإشكالية الأساسية:
هل غابت بعض الأصوات فعلاً عن النظام الأوغاريتي؟.. أم أن أدوات القراءة الحديثة لم تنجح بعد في إعادة تركيبها بدقة كاملة؟
إن الإجابة العلمية الدقيقة ما تزال مفتوحة وتخضع لإعادة فحص مستمر للنقوش والرقم الفخارية المكتشفة.
ومن الملامح اللافتة في الأوغاريتية وجود تمثيلات متعددة للصوت الحلقي (الهمزة وأخواتها) حيث يشير بعض اللغويين إلى تمييزات صوتية محتملة بين أشكال مختلفة من الحركات الهمزية (مضمومة مكسورة ومفتوحة) وهو ما يعكس ثراءً صوتياً مبكراً في اللغات السامية الشمالية الغربية، وإن كان توصيفه الدقيق لا يزال قيد البحث.
تمثل الأبجدية الأوغاريتية .. بغض النظر عن هوية مبتكرها الفردي الذي لا يزال مجهولاً تاريخياً .. نقلة نوعية في تاريخ الكتابة إذ أسهمت في تبسيط التعبير الكتابي بشكل غير مسبوق.
فبدلاً من مئات العلامات المقطعية ظهرت منظومة محدودة من الرموز الصوتية ما جعل الكتابة أكثر قابلية للتعلم والاستخدام ومهّد لاحقاً لتطور الأبجديات السامية واليونانية ثم اللاتينية في سلسلة تأثير حضاري ممتد.
مسألة الترتيب الأبجدي وأثره التاريخي
وتشير المقارنات بين الأبجدية الأوغاريتية وترتيبات الحروف اللاحقة في اللغات السامية إلى وجود تشابه في منطق الترتيب الأبجدي.. وهو ما دفع بعض الباحثين إلى دراسة العلاقة المحتملة بين الترتيب الأوغاريتي وبعض التقاليد الأبجدية اللاحقة بما فيها اليونانية.
ومع ذلك فإن هذا التشابه لا يعني بالضرورة علاقة اشتقاق مباشرة بل قد يعكس تقاليد تنظيم صوتي مشترك في بيئة لغوية واحدة واسعة الانتشار في شرق المتوسط.
الأوغاريتية في ضوء الاكتشافات الأثرية
رغم آلاف الرقم الفخارية التي كُشفت في موقع أوغاريت لا تزال هناك نصوص غير مقروءة بالكامل أو تحتاج إلى إعادة تفسير وهو ما يجعل هذا الحقل العلمي مفتوحاً باستمرار أمام المراجعة والتصحيح.
فكل رقيم جديد قد يعيد رسم صورة دقيقة أكثر عن بنية هذه اللغة وعن تفاصيل النظام الكتابي الذي استخدمه أهل أوغاريت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
خاتمة
إن الأبجدية الأوغاريتية ليست مجرد أثر لغوي منقوش على الطين بل هي شاهد على لحظة وعي حضاري مبكر حاول فيها الإنسان أن يختزل العالم في أصوات قليلة قابلة للكتابة والانتقال.
وما يزال حتى اليوم هذا الإرث العظيم يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات وكأن أوغاريت لم تقل كلمتها الأخيرة بعد..
بل تركت أبوابها مفتوحة لقراءات لا تنتهي.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


