كتب المهندس السوري: محمد الضو..شكراً دبي… شكراً الإمارات ..في يوم العلم الإماراتي.

ثلاثون عاماً في حضرة الجميل… شكراً دبي، شكراً الإمارات

قبل ثلاثة عقود، حطّت بي الرحال في أرض الإمارات، ولم يكن في جعبتي من متاع الدنيا كثير، ولكن كان في صدري من الأحلام ما يضيق به متاع المسافرين، وفي نفسي من العزيمة ما يجعل الغريب يألف غربته، ويستأنس بالمجهول الذي ينتظره.

كانت البدايات متواضعة، وكان سكن العزّاب أول ما آواني في هذه البلاد. غرفة نتقاسم فيها المكان والأحلام، ووجوه جاءت من جهات الأرض المختلفة، يحمل كلٌّ منها حكايةً لم تكتمل، ورجاءً يبحث عن موضع قدم. ولم نكن يومئذ نعلم أن بعض الأوطان لا تستقبلك لتقيم فيها فحسب، بل لتقيم فيك، حتى يصبح الرحيل عنها ضرباً من اقتلاع الجذور.

بدأت معلماً، وما زلت أرى التعليم أشرف ما بدأت به حياتي المهنية، وأرجو الله أن يكون آخر عهدي بها؛ فما من صناعة أعظم من صناعة الإنسان، ولا من أثر أبقى من علمٍ تودعه عقلاً، أو قيمةٍ تغرسها في قلب.

ثم مضيت في دروب العمل، من التعليم إلى صناعة المحتوى التعليمي، ومنه إلى صناعة المحتوى العام والمتنوع، ثم إلى المساهمة في التواصل الاستراتيجي، حيث تعلمت أن الكلمة ليست مجرد وسيلة للبيان، بل قد تكون جسراً بين الرؤية والناس. وبعد ذلك كان لي نصيب من العمل في تطوير المؤسسات، أتعلم منها وأتعلم لها، وأشهد كيف تتحول الأفكار إلى مشروعات، والطموحات إلى إنجازات، والرؤى الكبيرة إلى واقع يعيشه الناس.

واليوم أعمل في مكان عزيز على قلبي، أجد فيه من المعنى ما يتجاوز الوظيفة، ومن الرسالة ما يسمو على حدود الواجب. وأتشرف في الوقت نفسه بأداء ثلاثة أو أربعة أدوار مهنية في مؤسسات مختلفة، أتطوع في ثلاث منها، لا طلباً لجزاء، ولا انتظاراً لثناء، ولكن لأن في القلب ديناً لهذه الأرض وأهلها، ولأن بعض الجميل لا يُردّ بالقول، وإنما يُردّ بالعمل، وإن كان الوفاء به كله فوق المستطاع.

ثلاثون عاماً لم تكن مجرد سنوات تُضاف إلى العمر، بل كانت عمراً آخر أهدتني إياه الإمارات؛ تعلمت فيها، وعلّمت، وعملت، وأخطأت وأصبت، وتعثرت ونهضت، ووجدت في كل مرحلة من يفتح باباً، أو يدل على طريق، أو يمد يداً.

وما أكثر ما سألت نفسي: لو أن الأقدار ساقتني إلى أرض أخرى، أكنت سأكون الإنسان الذي أنا عليه اليوم؟

لا أدري، ولكنني أعلم أن لهذه البلاد في كل نجاح حقاً، وفي كل خطوة أثراً، وفي كل ذكرى موضعاً لا يزاحمه فيه أحد.

وليس من الوفاء أن أنسب الفضل إلى نفسي وأنسى الأرض التي احتضنتني، والقيادة التي جعلت من الفرص حقولاً مفتوحة، والناس الذين لم يسألوني من أين جئت قبل أن يمنحوني الثقة، ولم يجعلوا من غُربتي حائلاً بيني وبين أحلامي.

وفي يوم العلم الإماراتي، لا أرى في هذا العلم ألواناً ترفرف في السماء فحسب؛ بل أرى ثلاثين عاماً من عمري، وأرى وجوهاً أحببتها، وأياديَ امتدت إليّ، وأبواباً فُتحت، وأحلاماً كانت صغيرة حتى كبرت في ظل هذا الوطن.

أراه علماً لوطنٍ لم يسأل أبناءه والمقيمين على أرضه عما كانوا يملكون حين جاؤوا، بقدر ما أفسح لهم المجال ليُظهروا ما يستطيعون أن يقدموا.

وما أعظم الفرق بين أرض تمنحك مكاناً تعيش فيه، ووطن يمنحك معنىً تعيش من أجله!

شكراً دبي، فقد جئتك غريباً، فأصبحتِ بعضاً من روحي.

وشكراً الإمارات، فقد منحتِني من الفرص والثقة والانتماء ما لا تفي به كلمات الشكر، ولا توفيه ثلاثون عاماً من العمل.

ولئن بقي من العمر بقية، فإنني أرجو أن تكون في خدمة الإنسان، وفي التعليم خاصة، وفاءً لأول الطريق، وردّاً لبعض الجميل.

كل عام وعلم الإمارات عالٍ خفّاق، وكل عام وهذه الأرض الطيبة وطنٌ للأمل، وموئلٌ للأحلام، ودارٌ يتسع قلبها لكل من جاءها بقلب صادق وعزم كريم.

شكراً دبي… شكراً الإمارات.

#يوم_العلم_الإماراتي #الإمارات #دبي #UAEFlagDay

أخر المقالات

منكم وإليكم