كتب القاص رشيد مليح،قراءة تحليلية في ثلاثية قصصية للكاتب الحسين قيسامي.

السخرية في القصة: النزوع الخلاصي من سلطة الإطار. قراءة تحليلية في ثلاثية قصصية للكاتب الحسين قيسامي القاص رشيد مليح Rachid Malih “وتكمن براعة السخرية في انتصار النرجيسية و قداسة الأنا المعلنة تفوقها وعدم السماح للمساس بها.” (سيغموند فرويد )يتشكل النزوع الخلاصي و التحرري في المتن السردي المدروس، عبر سعي الشخصيات نحو الانعتاق من سلطة الإطار الذي يرمز إلى الحتميات المجتمعية و البداهات الثقافية، التي تنزع إلى تنميط الفرد وتكبيل حريته وماهيته. وما ينسحب على شخصيات المتن، ينعكس على السارد، كما يبدو، حيث يسعى إلى التحرر من شرك التناسخ الأدبي و التكرار الأسلوبي، متوسلا بآلية السخرية في القصة..سخرية تتوكأ على جماليات أسلوبية و فنية كالتناص و التخييل و الهجنة اللغوية و البساطة المتمنعة، التي تسعى إلى تبليغ خطاب يصل إلى القارئ المفترض، دون تعقيد أو استغلاق أو تعمية.إذا كانت القصص الثلاث محور القراءة و التحليل ، ( الهروب من الإطار/أرسم ماما و بابا بالألوان /المرأة العجوز والبحر/ ) تمثل اتجاها في السرد الساخر ، تحديدا، فإن أي تصنيف جاهز أو تنميط مسبق للنص أو الكاتب، يعد تعميما وتبسيطا حد إغفال الرؤية القرائية الكلية و المتعددة، ما قد يقود إلى السقوط في الحكم المسبق التنميطي. الكاتب من خلال ما يستشف من قراءة المتن، قاص ساخر ، تناصي بامتياز، تخييلي، في ذات الآن.بل هو يكتب فن السخرية بخطاب فانطاستيكي ، متشابك و متعدد المرجعيات. يقول السارد في قصة “الهروب من الإطار “متناصا مع قصيدة” قارئة الفنجان” للشاعر نزار قباني. :”*1ياولدي لا تفرن من قدرك : مقدورك أن تبقى مسجونا بين الزاج و بين اللوح.و تكون حياتك طول العمر متخونة بجروح.” إن النص مهما تراءى بسيطا، كما يحدث أن تخادعنا حواسنا للوهلى الأولى، فهو أسبق من الألقاب والصفات الجاهزة التي تنمط الكاتب وتقيد أفق الإبداع.إن تماسك وتواتر معالم الهوية السردية و الفنية للقاص الحسين قيسامي، بما تحمله من مكونات فنية و أسلوبية خاصة و ما تتناوله من تيمات اجتماعية وأخلاقية نقدية، يعد تشييدا ضمنيا لهوية الكاتب واستراتيجيته في الكتابة. ولا تعتبر السخرية مكونا فنيا واحدا داخل أسلوبية النص السردي للكاتب، وإن بدا غالبا، بل تتجمع و تتكتل مجموعة من الأساليب الفنية الأخرى المتضافرة، إضافة إلى هيمنة تيمة الحرية المستعادة و الانتصار للكائن الاجتماعي البسيط و المقهور.السخرية هي فن خلخلة التمثلات الثابتة و الكامنة في النفس و المخيال، وتحويلها من شحنتها الانفعالية الصارمة، المتحجرة، إلى أفق من المفارقة ومتعة السخرية، التي تكسر حدود المألوف والمنطق لتعيد تشكيل الواقع .ففي قصة” الهروب من الإطار”.. والعنوان تناص مع عنوان اللوحة الشهيرة للرسام الإسباني بيردل بوريل 1874، يدخل السارد في حوارية مع النص الأيقوني/ اللوحة…مستدعيا قيمة الطفولة و الذاكرة والنوسطالجيا..وذلك عبر آلية التخييل. السارد ينصح الطفل بالعودة إلى الإطار، ساخرا من مصير الحرية المجهول الذي قد يكلف كاننا بريئا وغضا مثله الكثير.يقول:(*2″لاتتركني أبدا”..مررت لساني على شفتي ونظرت إليه بعمق وأنا أهمس بخفوت في أذنيه:”واش بغيتي تباصيني …ارجع داخل الإطار. “)السخرية لا تعني تبلد الشعور أو الحياد السلبي اتجاه الواقع و تحدياته، بل هي تعبير عن المفارقة و التناقض بين الواقع الإشكالي وردة فعل الذات الساخرة، التي تسعى إلى التعالي على هذا الواقع وتنسيبه بعدما كان يتبدى مثل حالة مطلقة قائمة الذات، حد البداهة و التسليم السلبي. يقول فرويد:”*3و تكمن براعة السخرية في انتصار النرجسية وقداسة الأنا المعلنة تفوقها وعدم السماح للمساس بها. فالأنا ترفض أن تنغص عليها دوافع الواقع و محفزاته وتجبرها على المعاناة…”وقد يكون فعل الضحك المقرون بالسخرية تعبيرا عن الألم، واستبطانا لرغبة راسخة وملحة في تجاوز هذا الألم. على نحو ملهاتي يهزأ من تناقضات الواقع الإشكالي.نقتطف بعض تجليات سياقات السخرية في المتن:المثال١..”*4ماتبقايش تاخذي الأمور بشكل غير جدي..خوذيها بشكل جدك واش أنا جدي مسالي ليك؟”المثال٢:”*5راني مكاجية في لفلوكة على جميلك ياقرش حرتوكة..”المثال ٣:”*6 عندما تقرر الخروج للصيد، تضفر عمتي الباتول شعرها الأحمر المصبوغ بالحناء.”تتسم اللغة الموظفة في أسلوبية القصص الثلاث، بالبساطة التي تنتصر للدلالة و جمالية التخييل و المفارقة، كما تسودها هجنة لغوية تعبر عن تعددية لسانية لمجتمع متعدد النسق اللهجي و الثقافي.نستشف أن شخصية السارد، عبر هذه القصص، تنزع إلى الانعتاق و التحرر من أغلال الإطار المقيد للذات، مع الانتصار للإنسان البسيط و المهمش.ينتقد السارد قيم المجتمع السلبية، عبر مفارقات سردية تضج بالسخرية و التهكم و الاستشراف لأفق جديد، بعيدا عن جلد الذات الفردية و الجماعية، بل يتبدى الضحك كآلية لمجابهة الواقع، و تكريس إرادة النزوع إلى الحرية والخلاص. نسوق بعض النماذج التالية:1/الطفل الذي ينزع للهروب خارج الاطار، في تناص واستدعاء للمرجع الأيقوني لصورة الرسام الاسباني:بيردل بوريل.2/خشية السارد من شباك الصياد، في قصة المرأة العجوز والبحر..”*7رأيت الكاتب إرنست همنغواي في منامي يحمل شبكة لصيد السمك ويطاردني.”3/الأطفال الذين يلعبون بالطائرات الورقية.حالمين بالحرية والسلام داخل لوحة يستنطقها السارد/ الرسام على نحو تخييلي.يتكرر النزوع الخلاصي و التحرري عند الشخصيات، الطفل، تخصيصا، عبر رمزية الطائرات الورقية باعتبارها صورة الحلم بغد جديد يخلو من الحروب و الدمار والقتل، ثم خلاص الذات من النظرة الاجتماعية السلبية و النمطية اتجاه الفن، التي تمثلها زوجة السارد. ففي قصة:”أرسم ماما أرسم بابا بالألوان…”، تمثل الطفولة محورا رمزيا للتغيير الجذري وللقطيعة المرتجاة بين الحاضر و المستقبل. *” 8تدير أزهار عباد الشمس وجوهها الصفراء اللامعة لتتبعها. تتحرك من أجل تتبع أحلام الأطفال…أحلام أكبر من الحصار و طائرات ورقية تتحدى الموت…”يوظف السارد شخصيات الطبقات السفلى و البسيطة من المجتمع المغربي، بأسمائها الشعبية الدالة على الانتماء إلى طينة الثقافة الاجتماعية الأصيلة:.(عمتي الباتول…..)..وهي نموذج للمرأة التي تمثل تحرر الذات من سلطة التقاليد الذكورية، ممتهنة صيد السمك و مصارعة القروش مثل بحار أسطوري. إنها امرأة خارقة تتخلق داخل مخيال السارد، لذلك يجعل منها كائنا يتجاوز الواقع عبر رؤية حلمية سوريالية.يتناص السارد مع رواية” الشيخ و البحر “ل إرنست همنغواي، مؤنثا، بذلك، شخصية الشيخ على نحو مفارق و ساخر:”المرأة العجوز و البحر.”يحضر الطفل بشكل أساسي في المتن، إضافة إلى المرأة، و هما معا يعانيان، تحديدا ، من فقدان الحرية..إن التعبير عن دهشة الهروب و التحرر من سلطة الإطار، وقيوده الظاهرة والخفية، يرتكز على آلية التشابك النصي، إذ يتناص السارد مع النص الأيقوني للوحة المشهورة للرسام الإسباني التي تحمل عنوان “الهروب من الإطار”، كما بينا ذلك سابقا، مثلما يعمد إلى انتهاج مكون التخييل في رسم مشهد الأطفال ، وهم يتحررون من مرجعية الإطار و حتمية الواقع الذي تنسجه ريشة الرسام/ السارد. ففي قصة “أرسم ماما أرسم بابا بالألوان “، يتكرر فعل الهروب و الخلاص، إذ يهرب الأطفال من حدود الواقعي الضيق الخانق نحو المتخيل الرحب، يحملون طائراتهم الورقية المضادة لطائرات الموت، في تقابل تضادي تخييلي ساخر. يقول السارد :”*9تنساب الألوان و تندفع على سطح اللوحة، ويخرج الأطفال من الإطار حاملين طائرات ورقية. “يحضر التناص بشكل أساسي و مفصلي في قصص الحسين قيسامي، عبر سياقات مختلفة*:السخرية المبنية على المعارضة و التضاد..*توظيف صور و نماذج من التراث الثقافي و الفني المغربي والعربي و العالمي: أغنية الصنارة للمطرب المرحوم عبد الهادي بلخياط كنموذج:” 10شافوني الناس بالصنارة/دازوا وكالوا ليا مبروك/ظنوني صياد مهارة/وأنا القصيبة في يدي شوك…”*كسر بنية اللغة /المعيار و اعتماد اللسان الدارج بدل الفصيح.التناص تشابك خلاق عبر حوارية النصوص فيما بينها، مع تداخل الخطابات المتعددة اللغوية والاجتماعية والثقافية والجمالية، التي يزخر بها السياق الاجتماعي المتعدد.”*11إذا ما كان الأدب في أساسه تناصيا، فليس فقط لأن كل كتابة تراعي مجموع النصوص المكتوبة، بل أيضا لأنه يقع في معترك مجموع الخطابات التي تحيط به.”.إن القاص الحسين قيسامي كاتب ساخر، يجعل سروده تنفتح على نصوص أخرى، لتتلاقح فيما بينها، تعبيرا عن روح السخرية…فهي ليست سخرية مباشرة، بل تعتمد التداخل بين النصوص تجسيدا لحالة التناقض والتنافر و التهكم..بالمعارضة للنص/الأصل…أو المحاكاة الساخرة من المرجع المستوحى..أو من خلال الانزياح من نسق التعبير الفصيح إلى نسق اللسان المغربي الدارج. نستنتج أن مكون التناص، يمنح النص طابع التركيب والتشابك مع نصوص أخرى ضمنية أو صريحة مستبطنة أو ظاهرة. مما يجعل من فن السرد يتخذ بعدا تفاعليا نحو التفكير و التأمل والبحث عن النص الخفي داخل النص المقروء..و السعي لإدراك أسلوبية السارد في خلق المفارق و المضاد حينا..والمكثف التخييلي حينا آخر.خلاصة القول..فإن السخرية عند القاص الحسين قيسامي، هي محاولة للبحث عن حرية الفرد المفقودة المأمول استعادتها، و استشراف للحظة تحرره من سلطة الأطر وحتمية القيود المجتمعية القسرية..مع تصوير تناقضات طبقات المجتمع السفلى ..وذلك عبر لغة تمتح من الشفافية والبساطة، مع الانفتاح على الآخر عبر التناص واستحضار صور ولمحات من التراث الأدبي و الفني المغربي و العربي و الإنساني.إن هوية الكاتب قد تتجاوز، كما يفترض، تلك الألقاب والتصورات المسبقة التنميطية، التي تستحضر سمة فنية ما، دون الالتفات إلى باقي السمات و الخصائص التعبيرية الأصيلة، التي تشكل الأسلوب الأدبي في عمقه و هوية الكاتب في كليتها.رشيد مليح هوامش:1..الحسين قيسامي..قصة” الهروب من الإطار”..نشرت بصفحة كتاب القصة القصيرة،2 يوليوز 20252 الحسين قيسامي نفس المرجع3 سيغموند فرويد الغريزة و الثقافة ..ترجمة حسين الموزاني..منشورات الجمل. ط 2017.1..ص.1194 الحسين قيسامي..قصة أرسم ماما أرسم بابا بالألوان..نشرت في صفحة كتاب القصة القصيرة،18 غشت 20255 الحسين قيسامي. قصة” المرأة العجوز والبحر.”.نشرت بصفحة كتاب القصة القصيرة،12 نونبر 20256 الحسين قيسامي، نفس المرجع7 نفس المرجع 8 الحسين قيسامي قصة” أرسم ماما أرسم بابا بالألوان”..نشرت في صفحة كتاب القصة القصيرة..9 نفس المرجع 10..الحسيني قيسامي المرأة العجوز و البحر..مرجع سابق..11..ناتالي بييقي غروس.”.مدخل إلى التناص”..ترجمة عبد الحميد بورايو..دار نينوى 2012..ص 16رشيد مليح **المتن** 1/الهروب من الإطار “1”القاص الساخر الحسين قيسامي ” كلّ شيء يخدع .. يفتن بنفس الوقت”.أفلاطونبمتحف اللوفر بباريس أخذتني خطواتي المتمهلة الخاشعة، صوب لوحة “الهروب من الإطار” للرسام الإسباني بيردل بوريلا 1874. لوحة محاطة لوحدها بسياج يحول دون الاقتراب منها. تسمرت في مكاني وظللت مبهوتا امام روعتها. وتوضح اللوحة صورة صبي تبدو عليه ملامح الدهشة والخوف من الخارج ، وهو يحاول التملص من الإطار الذي وضع فيه.شهق الطفل وهو يستعيد أنفاسه و الدمع في مٍحْجَريه…قفز من الإطار وهو يتنهد بشكل متسارع، يسحب أنفاسا عميقة من صدره وضمني بحنان مستنجدا:”لا تتركني ابدا “مررت لساني على شفتي ونظرت إليه بعمق و أنا أهمس بخفوت في أذنيه: ” واش بغيت تباصيني….ارجع داخل الاطار ؟أخذته في أحضاني، وأنا أُهَدْهِدُه لتستكين نفسُه في لهفة الأب الخائف على مصير ابنه الضال. ــ يا ولدي لا تَفِرَّنَّ من قدرك:مقدورك أن تبقى مسجونا بين الزَّاج و بين اللُّوح. وتكون حياتك طول العمر مثخونة بجروح. أ لا تعلم بأن كل ساكنة المعمور شاهدوك وأنت تقوم بمحاولاتك البائسة للفرار من نافذة لوحتك، فَارْضَ بما قسمه الله لك. فاختفينا عَلَى حِينِ غِرَّةٍ في شوارع باريس على نغمات أنشودة لعبة غميضة:هيا هيا ……… نجري جريا غط البصرا ……… و خذ الحذراأنا في الصف ………. أنا في الخلف أنا يمناك ………… أنا يسراكسارع سارع …………. أنت البارعأدرك ندك ……………. تبلغ قصدك+++++++++؛؛!+++++؛؛+++++++++++++++++++++1–تعتبر هذه اللوحة مثالا جيدا لفن الترومبليه: توظيف صور واقعية لخلق نوع من الخداع البصري، تظهر فيها الأشياء ثلاثية الأبعاد بدلا من بعدين فقط، وذلك من أجل إضافة محور آخر للرؤية غير موجود.استخدم بيردل بوريلا تقنية الخداع البصري (ترومبلوي. Trompe l’œil) في رسم هذه اللوحة، والتي كانت متعارف عليها في الفن اليوناني و الروماني مثل جداريات بومبي المشهورة التي تصوّر مناظر عن طبيعة متخيّل. 2/أرسم ماما أرسم بابا بالألوان !!!!القاص الساخر الحسين قيسامي لطالما أحسست ــ وأنا أحثو الخطى في غسق الليل لوجهة ما وكأن لسان حالي يردد ومحمود درويش مقطعه الشعري: (في زرقة الليل يستيقظ الحالمون خفافاويمشون في ماء أحلامهم مرحين) اجل في زرقة الليل يمشي حلمي أمامي…يلازمني كظلي، أجلس وحيدا في مرسمي الصغير..ألتقط فرشتي، وألواني وأبدأ رحلتي مع الرسم. في زرقة الليل تتوارى الأصوات وأجد نفسي في مواجهة وحدتي..أشخبط بفرشاتي أطفالا يحملون طائرات ورقية.أتأمل لوحتي وأسمع صوت الأطفال من داخل خربشاتي:أرسم ماما أرسم بابا بالألوان أرسم علمي فوق القمم أنا فنانوعلى الرغم من أن فنون الخربشة تبدو للأخرين بلا معنى، إلا أنني أجد ضالتي فيها.تعاتبني زوجتي دائما على خربشاتي غير الجدية.أجيبها:”متبقايش تاخدي الأمور بشكل غير جدي… خوديها بشكل جدك واش أنا جدي مسالي ليك؟” تنساب الألوان و تندفع على سطح اللوحة ويخرج الأطفال من الإطار حاملين طائرات ورقية . كل طفل كتب حلمه عليها قبل أن يتركها تطير في الهواء.أطلق الأطفال لها العنان لتحلق في السماء على أمل أن يجدوا ما يختلج في نفوسهم في الأفق ويكسروا الحصار جسديا.أجلس دون حراك لأعود إلى ذاتي.اتأمل أمنيات الأطفال في الهواء كأنها تراتيل دينية. تحلق الطائرات الورقية عالياً في السماء بينما ضحايا يسقطون على الأرض.تحمل أحلام الأطفال عبر سماء الوطن لتصل الى السمو الذي يرتجونه، فلا شيء يوقفها الا القدر، فتسقط ثم تحلق دون ادنى خبر ، تحمل بصمات الأطفال وطموحاتهم وضحكاتهم المشاغبة خلف الغيوم.فرغت اللوحة من الرسم بسبب تلاشي الألوان..ربما ضحية لتأثيرات الألوان الهاربة على غرار لوحة فنسنت فان جوخ الشهيرة “عباد الشمس”. في الأصل كانت نابضة بالحياة ومليئة بالأصفر الدافئ، وقد تسبب مرور الوقت في تلاشي الألوان، طفقت انظر إلى هذه الشرارة اللونية المنتشرة هنا وهناك، فإذا بي أحس وكأنها تستعير من عباد الشمس أعينه الشاخصة إلى السماء، وكأنها تملي طلعتها بذلك الكائن الطفولي.وفي الوقت الذي تدور فيه الأرض وتتحرك الشمس عبر السماء من الشرق إلى الغرب محتضنة أحلام الأطفال، تُدير أزهار عباد الشمس وجوهها الصفراء اللامعة لتتبعها. تتحرك من أجل تتبع أحلام الأطفال…. أحلام أكبر من الحصار وطائرات ورقية تتحدى الموت.3/المرأة العجوز و البحر القاص الساخر الحسين قيسامي رأيت الكاتب إرنست همنغواي في منامي يحمل شبكة لصيد السمك ويطاردني. تساءلت: هل اعيش نفس سيناريو رواية “الشيخ و البحر” ؟ قلت في نفسي الصيد في الماء العكر هو أسلوب همنغواي يتكرر على الألسنة عبر الزمان والمكان.فالماء العكر لا يتواجد فيه سمك وإنما ضفادع وأفاع، ومن يصطاد فيه لا يجد ما يأكله، حيث انه مجرد إهدار للوقت وإيقاع ضرر بالآخرين. وبالرغم من كل محاولات العجوز المستميتة في الرواية لكي ينقذ سمكته إلا أن جهوده ذهبت أدراج الرياح ونجحت القروش في التهام السمكة ولم يتبق منها سوى جمجمتها وسلسلتها الفقرية.رأيت فيما يرى النائم: عمتي الباتول تخرج كل صباح بقاربها وتتوغل قي البحر لكي تصطاد بعض الأسماك لتعيل عائلتها.فهي عكس العجوز في رواية همنغواي تقاوم القروش لانقاذ صيدها.عندما تقرر الخروج للصيد تظفر عمتي الباتول شعرها الأحمر المصبوغ بالحناء… وشم أخضر يزين ذقنها… رسوماتٌ تزيينية تُضفي على وجهها وجسدها جمالاً لا يُضاهى، يُناسب عينيها الحادّة وجمالها الفريد وحمرةَ خديها المشعّة… في يدها أساور (مسايس) من فضة…تأخذ هاتفها…تلتقط سيلفي و هي تصطاد على إيقاع أغنية الركادة:” راني مكاجية في لفلوكة ..على جميلك يا قرش حرتوكة !!!.تروي تجاعيد وجه و ملامح عمتي الباتول تفاصيل سنوات من الشقاء قضتها المرأة بين أمواج البحر الذي حفظت خباياه وأسراره عن ظهر قلب، فهي التي عبرت عبابه في زورقها الخشبي الصغير طيلة عقود دون كلل أو ملل.وبفضل جلدها وإصرارها على ركوب البحر رغم كبر سنها أصبحت مشهورة ويضرب بها المثل في الكد والعمل وهي دائمة الابتسامة وهي تغني اغنيتها المشهورة:”شافوني الناس بالصنارةدازوا وقالوا ليا مبروكظنوني صياد مهارةوانا القصيبة في يدي شوكايامي ياناس مشات خسارةايامي ياناس مشات خسارةوالحب اللي كانوللى مشروكلقصيبة عندي وسيلةننسى بها كل ما فاتننسى بها سنين طويلةضاعت وبقات ذكريات» فمع بزوغ فجرِ كلِّ يومٍ جديد تخرج من بيتها لملاقاة البحر، ترمي بشباكها في عمقه ملقيةً عليه تحية الصباح، بادئةً نهارها بمحاذاة أمواجه المتكسرة.تهمس للبحر وللموج الهائج، تضحك للسمك حتى ينجذب الى شبكاها وتصطاده. فجأة اقتربت سمكة قرش عملاقة يبلغ طولها 3 أمتار.ولم تكتف السمكة بالمرور العابر، إذ حامت مرارا وتكرارا أسفل قارب عمتي الباتول.وجدت نفسها وجهاً لوجه مع القرش الجائع، الذي حاول أن يسرق صيدها تحت أنظارها، فما كان من عمتي إلا أن ركلت القرش، مما أجبرته على التراجع والعودة إلى المياه منتشية بانتصارها:” لي ضربنا قاعو، ما يهمنا صداعو.. “#كتاب القصة القصيرة#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم