كتب الدكتور عصام عسيري مقالات لافتا بعنوان (التراث بين سندان الهوية ومطرقة النقد)

التراث بين سندان الهوية ومطرقة النقد

د. عصام عسيري

ليس كل عمل يستلهم التراث أصيلًا، وليس كل عمل يتجاوزه حداثيًا بالضرورة. وبين هذين الوهمين تتشكل واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في الفنون البصرية المعاصرة، وهي علاقة الإبداع بماضيه، وحدود سلطة التاريخ على الحاضر، وقدرة الفنان على تحويل ذاكرته الثقافية إلى لغة بصرية جديدة، بدلًا من الاكتفاء باستعادة صورها المألوفة واجترارها لعقود وقرون.

فهل يستلهم الفنان التراث لأنه يجد فيه طاقة جمالية وفكرية تستحق الاكتشاف، أم لأنه مطالب بإثبات هويته عبر رموز تاريخية يتوقعها منه الجمهور والمؤسسات الثقافية؟ وهل تكمن أصالة العمل في جذوره الثقافية، أم في قدرته على إنتاج تجربة فنية تتجاوز المألوف؟ ثم أين يقف النقد من هذه العلاقة المتوترة بين الذاكرة والابتكار وبقية روافد الإبداع؟ هل يحللها ويطورها ويختبر نتائجها، أم يكتفي بالاحتفاء بالتراث حينًا، ومسايرته حينًا آخر، أو رفضه باسم الحداثة؟

إن المسألة لا تتعلق بمشروعية استلهام التراث، فذلك حق إبداعي لا يحتاج إلى تبرير، بل بطبيعة العلاقة التي يقيمها الفنان معه، وبالمعايير التي يُحكم من خلالها على نتائجها. وهنا تحديدًا تتجاوز الإشكالية حدود الممارسة الفنية لتصبح سؤالًا عن الثقافة النقدية ذاتها، وعن قدرتها على التمييز بين القيمة التاريخية والقيمة الجمالية، وبين أصالة الرؤية ومجرد الانتماء إلى مرجعية موروثة.

التراث: ذاكرة حية أم سلطة على الإبداع؟

لا يولد الفن من فراغ، ولا تتشكل التجربة الإبداعية بمعزل عن التاريخ الثقافي الذي ينتمي إليه الفنان. فالمكان واللغة والعمارة والرموز والممارسات البصرية المتوارثة تترك آثارها في الوعي، وتشارك في تشكيل الحساسية الجمالية، سواء ظهرت في العمل الفني بصورة مباشرة أم ظلت كامنة في طرائق بنائه وتصوراته.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن التراث ينبغي أن يكون موضوعًا إلزاميًا للفن، أو أن الفنان مطالب باستحضار مفرداته الظاهرة كي يثبت أصالته. فثمة فرق بين التراث بوصفه مصدرًا للمعرفة والإلهام، والتراث بوصفه سلطة تحدد للفنان ما ينبغي أن يبدعه، وما الأشكال التي يجب أن يتبناها، وما الموضوعات التي تمنح عمله الاعتراف الثقافي.

في الحالة الأولى، يصبح التراث ذاكرة حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل. وفي الثانية، يتحول إلى مجموعة من الصور والرموز الجاهزة، تُستدعى لإثبات الانتماء، حتى إن لم تكن ضرورة تعبيرية في التجربة الفنية.

وهنا تنشأ المفارقة: التراث الذي يفترض أن يمد الإبداع بجذوره قد يتحول، بفعل التقديس غير النقدي، إلى قيد يحد من حركته. فحين تصبح المحافظة على المواضيع والأشكال الموروثة غاية في ذاتها، يتراجع السؤال عن إمكاناتها الجمالية، ويحل محله سؤال الامتثال لها. وبدلًا من أن يعيد الفنان اكتشاف الماضي، يصبح مطالبًا بإعادة إنتاج صورته المألوفة.

والحال أن التراث لم يتشكل تاريخيًا بوصفه منظومة ثابتة؛ بل كان حصيلة تحولات اجتماعية وجمالية، وتفاعلات بين الثقافات والبيئات والأزمنة. وما نراه اليوم تراثًا مستقرًا كان في لحظة من لحظات تشكله فعلًا ابتكاريًا تجاوز ما سبقه، وفتح أفقًا جديدًا للتعبير.

فإذا كنا نحتفي بإبداع الأجيال السابقة لأنها ابتكرت، فبأي منطق نحرم الأجيال الحالية من حقها في الابتكار، ثم نطالبها بأن تثبت أصالتها بتكرار ما أنجزه الآخرون؟

الأصالة والحداثة: ثنائية مضللة
ظل الجدل حول الأصالة والحداثة حاضرًا في مسارات الإعلام والفن والثقافة العربية الحديثة، متداخلًا مع أسئلة الهوية والاستقلال الثقافي، وآثار الاستعمار، وتطور المؤسسات التعليمية، والاحتكاك بالتيارات الفنية العالمية.

وفي هذا السياق، ظهرت اتجاهات رأت في التراث أساسًا لتأسيس حداثة عربية متجذرة في البيئة المحلية، بينما دعت اتجاهات أخرى إلى تحرير الفن من سلطة الموروث، والتأكيد على استقلال التجربة الفردية وحق الفنان في اختيار موضوعاته وأساليبه.

غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الاختلاف إلى ثنائية مغلقة: تراث في مقابل حداثة، وأصالة في مقابل تجريب، وانتماء في مقابل حرية.

فالحداثة ليست بالضرورة استيرادًا لأشكال غريبة عن البيئة الثقافية، كما أن استلهام التراث لا يضمن وحده استقلال التجربة أو أصالتها. يستطيع الفنان أن يستوعب أدوات وتقنيات نشأت في سياقات عالمية، ثم يعيد توظيفها من داخل تجربته الخاصة، كما يستطيع أن يستلهم مرجعيات محلية وينتج منها أعمالًا تفتقر إلى الابتكار.

وقد أظهرت تجارب فنانين عرب، مثل العراقي جواد سليم والمصري حامد ندا، تنوع طرائق التعامل مع الذاكرة المحلية والرموز الشعبية والتاريخية في بناء رؤى حديثة، دون أن يعني ذلك أن تجربتيهما تمثلان مسارًا واحدًا أو تصورًا موحدًا للعلاقة بين التراث والحداثة.

إن المسألة لا تُحسم بمصدر الشكل، بل بما يفعله الفنان به. فالعمل لا يصبح أصيلًا لمجرد أن مفرداته محلية، ولا يفقد أصالته لمجرد أنه يستفيد من تجربة فنية عالمية.

الأصالة ليست استنساخًا للماضي، والحداثة ليست قطيعة معه؛ إنهما تتحددان بقدرة الفنان على اتخاذ موقف إبداعي مستقل من المرجعيات التي يتفاعل معها.

من استلهام التراث إلى استهلاكه بصريًا:
ليست كل عودة إلى التراث اكتشافًا جديدًا له. فقد يستحضر الفنان الخط العربي أو الزخارف الهندسية أو العمارة التقليدية أو الرموز التاريخية، دون أن يمنحها وظيفة تتجاوز حضورها المألوف. وقد تتحول هذه المفردات إلى علامات جاهزة تمنح العمل مظهرًا محليًا، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات عمقه الجمالي أو الفكري.

وهنا ينبغي التمييز بين نقل المفردة التراثية واستيعاب منطقها التشكيلي. فالزخرفة الإسلامية، مثلًا، ليست مجرد وحدات هندسية متكررة، بل نظام بصري تتفاعل فيه علاقات الوحدة والتعدد، والتوازن والإيقاع، والمركز والامتداد، والكتلة والفراغ.

يستطيع الفنان أن ينقل هذه الوحدات إلى اللوحة، لكنه يستطيع أيضًا أن يستوعب المبادئ التي تنظمها، ثم يحولها إلى بناء تجريدي مستقل، لا يحتفظ بالضرورة بأشكالها الظاهرة.

وكذلك يمكن استلهام القط العسيري أو الزخارف النجدية أو العمارة الحجازية، ليس بوصفها صورًا جاهزة لإثبات الهوية، بل بوصفها تجارب بصرية تكشف عن طرائق خاصة في تنظيم اللون والسطح والفضاء والإيقاع.

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذا التمييز إلى مفاضلة آلية تمنح التجريد أفضلية على التوظيف المباشر. فقد ينجح الرمز التراثي الواضح في إنتاج معنى جديد حين يوضع داخل سياق مغاير، بينما يفشل تكوين تجريدي في تجاوز التكرار، رغم ادعائه التحرر من المرجعيات التقليدية.

المعيار الحقيقي هو مقدار التحول الذي يحققه الفنان، ومدى ضرورة اختياراته الشكلية داخل العمل، وقدرتها على إنتاج دلالات تتجاوز ما كان معروفًا سلفًا.

فالتراث لا يصبح معاصرًا لمجرد نقله إلى وسيط حديث، كما أن استخدام مفرداته القديمة لا يجعل العمل تقليديًا بالضرورة. المعاصرة ليست تاريخًا جديدًا للمواد، بل موقف من العالم، وطريقة في بناء المعنى، وقدرة على مساءلة الموروث وإعادة اكتشاف إمكاناته.

أزمة النقد: حين تحل الهوية محل القيمة الفنية

إذا كانت مسؤولية الفنان أن يبتكر، فإن مسؤولية النقد أن يكشف طبيعة هذا الابتكار، لا أن يمنحه قيمة مسبقة استنادًا إلى موضوعه أو مرجعيته.

غير أن الخطاب النقدي قد يقع أحيانًا في فخ الاحتفاء بالهوية المعلنة، فيمنح العمل قيمة استثنائية لمجرد استحضاره رموزًا تاريخية أو محلية، دون أن يتوقف بما يكفي عند بنائه التشكيلي، وعلاقاته اللونية، وتنظيمه للفضاء، وقدرته على إنتاج المعنى والتواصل مع الجماهير.

وقد يحدث العكس أيضًا، حين يُنظر إلى التراث باعتباره عائقًا أمام الحداثة، ويُختزل استلهامه في الحنين إلى الماضي أو العجز عن ابتكار لغة مستقلة.

في الحالتين، لا يعود العمل الفني هو مركز التحليل، بل يصبح موقف الناقد المسبق منه هو الذي يحدد النتيجة.

وهنا تتجلى أزمة المعايير النقدية. فقد يكون العمل مهمًا من الناحية التاريخية أو التوثيقية، لكنه محدود في منجزه التشكيلي. وقد يكون عمل آخر فقيرًا في الرموز التراثية، لكنه غني في بنائه الجمالي وقدرته على إثارة الأسئلة. ولا تعني هذه الملاحظة الفصل التام بين الأبعاد الجمالية والثقافية، بل ضرورة التمييز بينها، وفهم العلاقة المتبادلة بينهما دون الخلط بين وظائفها.

كما أن وصف العمل بأنه أصيل أو معاصر أو مستلهم من التراث لا يمثل تحليلًا نقديًا في حد ذاته؛ إذ ينبغي تفسير هذه الصفات، وتحديد كيفية تحققها في التجربة الفعلية.

ما الذي أضافه الفنان إلى المرجعية التي استند إليها؟ هل غيّر دلالتها؟ هل أعاد بناء شكلها؟ هل اكتفى باستدعاء رمز مألوف، أم جعله قادرًا على التعبير عن تجربة جديدة؟ وهل يمكن تبرير القيمة الفنية للعمل من خلال تحليل منجزه، أم أن الحكم عليه يعتمد أساسًا على مكانة موضوعه؟

هذه الأسئلة هي التي تمنح النقد استقلاله، وتحميه من التحول إلى خطاب احتفائي لا يميز بين أهمية المرجعية ونجاح المعالجة.

فالتراث ليس ضمانة للجودة، كما أن القطيعة معه ليست ضمانة للحداثة. والقيمة الفنية لا تُستمد من هوية الموضوع وحدها، بل من الطريقة التي تتحول بها هذه الهوية إلى بناء جمالي وفكري.

المؤسسة وسوق الفن: من يصنع صورة الهوية؟

لا يعمل الفنان في فضاء معزول؛ إذ تتداخل المؤسسات الثقافية والمعارض والمتاحف والمقتنون والنقاد وسوق الفن في تشكيل شروط إنتاج الأعمال وتداولها وتلقيها.

وقد تتحول المرجعيات التراثية، في بعض السياقات، إلى ميزة تسويقية، فيُفضَّل العمل الذي يقدم علامات واضحة يسهل تصنيفها ثقافيًا، أو يستجيب لتوقعات جمهور يبحث عن صورة مألوفة للفن العربي أو المحلي.

ولا يعني ذلك أن السوق يفرض بالضرورة على الفنان موضوعاته، أو أن استلهام التراث يخضع دائمًا لدوافع تجارية، لكنه يطرح سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين الاختيار الإبداعي ومتطلبات الاعتراف والانتشار.

هل يستحضر الفنان تراثه لأنه ضرورة داخلية في تجربته، أم لأن هذه المرجعية تمنح عمله قابلية أكبر للتداول؟ وهل تسهم المؤسسات في اكتشاف التجارب الجديدة، أم تميل أحيانًا إلى دعم الصور التي يسهل تقديمها بوصفها ممثلة لهوية محددة؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف إدانة المؤسسات أو السوق، بل الكشف عن أثرهما المحتمل في تشكيل الذائقة وتوجيه الاهتمام. فقد يتيح السوق فرصًا مهمة للفنانين، لكنه قد يسهم أيضًا في تثبيت أنماط متوقعة من التعبير، خصوصًا حين تصبح الهوية منتجًا ثقافيًا مطلوبًا.

وفي هذه الحالة، يواجه الفنان ضغطين متعاكسين: توقعات خارجية تطالبه بإنتاج صورة قابلة للتصنيف، وتوقعات داخلية تطالبه بإثبات أصالته من خلال المرجعيات الموروثة.

وقد تتراجع حرية الاختيار أمام هذه التوقعات، فيصبح الفنان ممثلًا لصورة مسبقة عن ثقافته، بدلًا من أن يكون صاحب رؤية مستقلة تستطيع أن تكشف جوانب غير مألوفة منها.

والأخطر أن تتحول الهوية إلى شهادة انتماء ينبغي تجديدها في كل عمل، وكأن التجربة الفنية لا تستطيع أن تكون محلية إلا إذا أعلنت ذلك صراحة.

إن الهوية ليست مجموعة من الرموز التي يجب عرضها، بل تجربة ثقافية متحركة قد تتجلى في الشكل واللون والفضاء والذاكرة، كما قد تتجلى في التجريد أو المفهوم أو السؤال الإنساني الذي ينطلق منه الفنان.

التجربة السعودية: أي تراث نستحضر؟

تكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في الفن السعودي، بما تمتلكه المملكة من تنوع ثقافي وجغرافي وتاريخي وانفتاح عالمي، وما يزخر به هذا التنوع من عمارة تقليدية وزخارف وفنون شعبية وحرف وممارسات بصرية تشكلت في بيئات مختلفة وتطورات متسارعة، عبّر عنها جيل الرواد المؤسسون.

فالقط العسيري، والزخارف النجدية، والعمارة الحجازية، والفنون التقليدية في الأحساء ونجران وجيزان وغيرها، ليست مفردات متشابهة يمكن جمعها في قاموس بصري واحد، بل تعبيرات عن تجارب محلية متعددة، لكل منها سياقها وخصائصها وتاريخها.

ومن هنا، فإن استلهام هذا التراث لا ينبغي أن يتوقف عند نقل الزخارف أو محاكاة الألوان، بل يمكن أن يتجه إلى دراسة أنظمته البصرية، وطرائق تنظيمه للفضاء، وعلاقته بالمواد والوظائف الاجتماعية، والتحولات التي طرأت عليه عبر الزمن.

لكن التجربة الفنية السعودية لا ينبغي أن تُختزل في هذه المرجعيات، ولا أن يُطلب من الفنان أن يجعل كل عمل شهادة مباشرة على هويته. فالفنان السعودي الذي يشتغل على التجريد الهندسي أو اللوني أو الفن المفاهيمي أو التركيبي ليس أقل انتماءً إلى بيئته لمجرد أنه لا يستخدم رموزها التقليدية.

كما أن استحضار التراث لا يمنح العمل حصانة من النقد، ولا يعفيه من اختبار قدرته على إنتاج رؤية فنية متماسكة.

إن مستقبل الفن السعودي لا يتطلب الاختيار بين التراث والانفتاح على العالم، بل بناء علاقة معرفية وجمالية تسمح للفنان باستيعاب موروثه، ونقده، وتطوير إمكاناته، أو تجاوزه حين لا يكون مناسبًا لتجربته.

فالتراث المحلي ليس صورة واحدة ينبغي تكرارها، بل فضاء واسع من الذاكرات والأنظمة البصرية والتجارب الإنسانية التي يمكن أن تنتج منها لغات فنية متعددة.

وكلما اتسعت المعرفة بهذا التنوع، تراجعت الحاجة إلى فرض تعريف ضيق لما ينبغي أن يكون عليه الفن السعودي المعاصر، وأصبح بالإمكان النظر إلى اختلاف التجارب بوصفه دليلًا على حيوية المشهد، لا تهديدًا لوحدته الثقافية.

هل التراث أزمة إبداع أم أزمة تفكير نقدي؟

إن اختزال الإشكالية في سؤال ما إذا كان ينبغي للفنان أن يستلهم التراث أم يتجاوزه يحجب جوهرها. فالمشكلة ليست في الماضي ذاته، بل في الطريقة التي نفهمه بها، وفي المعايير التي نستخدمها للحكم على علاقتنا به.

قد يفشل الفنان في استلهام التراث لأنه يتعامل معه بوصفه مخزونًا من المرئيات الجاهزة، وقد ينجح في إعادة اكتشافه لأنه يتعامل معه بوصفه نظامًا من العلاقات والدلالات القابلة للتحول.

وقد يخطئ الناقد حين يمنح العمل قيمة مسبقة بسبب مرجعيته، كما يخطئ حين يرفض هذه المرجعية بدعوى أن الفن المعاصر يجب أن يتحرر من العُرف والتاريخ.

أما المؤسسة الثقافية، فقد تسهم في تطوير التجربة حين تتيح تعدد الرؤى، أو تحد من تنوعها حين تحصر الاهتمام في صور نمطية عن الهوية.

ومن ثم، فإن الأزمة لا تقع في مستوى واحد؛ إنها قد تكون أزمة معرفة تاريخية، أو قصورًا في أدوات النقد، أو اختزالًا للهوية، أو خضوعًا لتوقعات السوق، أو ضعفًا في الممارسة الإبداعية ذاتها.

والخروج منها لا يكون بتفضيل التراث على الحداثة أو الحداثة على التراث، بل بتطوير معايير نقدية قادرة على تحليل العمل في سياقه، وفهم علاقاته البصرية، ومساءلة دلالاته، والتمييز بين القيمة الثقافية والإنجاز الفني.

فليس كل جديد ابتكارًا، وليس كل قديم تقليدًا، وليس كل عمل محلي أصيلًا لمجرد انتمائه إلى بيئته. إن القيمة تتشكل في المسافة بين المرجعية والاختيار، وبين المادة والمعالجة، وبين ما يرثه الفنان وما يضيفه إلى هذا الموروث.

وهذا يقتضي أن تتجاوز المؤسسات التعليمية والثقافية تقديم التراث بوصفه مجموعة من الأشكال المحفوظة، وأن تتعامل معه بوصفه تاريخًا من التحولات والممارسات والأسئلة. كما يقتضي أن يتعلم الناقد كيف يقرأ العمل بدلًا من الاكتفاء بتصنيفه، وأن يمتلك الفنان حرية الاختيار دون أن يصبح مطالبًا بتقديم شهادة دائمة على هويته.

ختامًا، التراث الذي لا يتجدد يتحول إلى صورة:

إن الجدل حول استلهام التراث والتاريخ في الفنون البصرية ليس أزمة في ذاته، بل قد يكون علامة على حيوية التجربة الفنية وسعيها إلى مراجعة علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. لكن الأزمة تبدأ حين يتحول التراث إلى سلطة تحدد للفنان ما ينبغي أن يبدعه، أو إلى شعار يمنح العمل قيمة مسبقة، أو إلى مادة زخرفية تُستهلك بصريًا دون مساءلة.

وتتفاقم حين يعجز النقد عن التمييز بين الأصالة والتكرار، وبين الهوية والتمثيل النمطي لها، وبين القيمة التاريخية والقيمة التشكيلية، فيستبدل التحليل بالاحتفاء، أو يستبدل الفهم بالرفض.

إن المطلوب ليس العودة إلى التراث بوصفه ملاذًا من الحاضر، ولا القطيعة معه بوصفها شرطًا للحداثة، بل بناء علاقة إبداعية ونقدية تسمح بإعادة اكتشافه، ومساءلة دلالاته، وتطوير إمكاناته.

فالتراث الذي لا يُسائل قد يتحول إلى قيد، والحداثة التي تنكر تاريخها قد تقع في تقليد من نوع آخر. أما الإبداع الحقيقي، فيبدأ حين يتحرر الفنان من واجب التكرار، دون أن يفقد حقه في الاستلهام، وحين يتحرر الناقد من الأحكام المسبقة، دون أن يتخلى عن مسؤولية التقييم.

فالتراث الحي ليس ما نكرره من الماضي، بل ما نعيد اكتشافه فيه، وما نمنحه من معانٍ جديدة، وما نستطيع أن نبني عليه من رؤى لم تكن موجودة من قبل.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام الفنان والناقد والمؤسسة الثقافية هو: هل نريد من الفن أن يحرس صورة الماضي، أم أن يمنحنا القدرة على رؤيته من جديد؟

إن الفن الذي يكتفي بحراسة الذاكرة قد يحفظ صورتها، لكنه لا يضمن استمرارها في الحياة. أما الفن الذي يجرؤ على مساءلتها، فيستطيع أن يجعل منها طاقة متجددة، تصل الماضي بالحاضر، وتمنح المستقبل حقه في الاختلاف.

وفي المسافة بين الحراسة والاكتشاف، وبين التكرار والابتكار، تتحدد قيمة التجربة الفنية، وتتجلى مسؤولية النقد في الدفاع عن حرية الإبداع، لا عن قوالب جاهزة للأصالة أو الحداثة.

فليست أصالة الفن في أن يشبه ماضيه، بل في أن يمتلك الشجاعة والمعرفة والقدرة على تحويل هذا الماضي إلى مستقبل بصري جديد.

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم