كتب الباحث:د. غسان القيم..”متحف اللاذقية الوطني: بوابة الزمن إلى قلب التاريخ السوري” حين يتحول الى راوي حضارات.. عندما همست لنا حجارته بأسرار البحر والإنسان

“متحف اللاذقية الوطني: بوابة الزمن إلى قلب التاريخ السوري” حين يتحول الى راوي حضارات.. عندما همست لنا حجارته بأسرار البحر والإنسان ..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في قلب اللاذقية المدينة التي عانقت البحر الأبيض المتوسط عبر آلاف السنين يقف متحفها الوطني شاهدًا على تاريخ المكان وتحولات الإنسان. إنه ليس مجرد مبنى يحتضن الآثار بل حكاية معمارية وثقافية بدأت بخان تجاري ومرت بمراحل سياسية واقتصادية متعاقبة وانتهت إلى مؤسسة تحفظ صفحات من ذاكرة الساحل السوري.
من خان الدخان إلى المتحف الوطني حيث إرتبط تاريخ المبنى المعروف اليوم باسم متحف اللاذقية الوطني بفترة العهد العثماني ويرجح أن نواته المعمارية تعود إلى القرن السابع عشر الميلادي. وقد أُنشئ في الأصل لخدمة النشاط التجاري في مدينة تمتعت بموقع مهم على الساحل السوري، وشكّل ميناؤها منفذًا لحركة البضائع بين المناطق الداخلية والبحر المتوسط.
كان المبنى يُعرف باسم “خان الدخان” ويرتبط هذا الاسم بتجارة التبغ وتخزينه وهي تجارة اكتسبت أهمية متزايدة في اللاذقية خلال العهد العثماني. وكانت الخانات آنذاك تؤدي وظائف اقتصادية متعددة إذ توفر أماكن لتخزين البضائع وتنظيم عمليات استلامها وتوزيعها وتيسير حركة التجار والناقلين.
وتشير دراسة الباحث الراحل الأستاذ “جبرائيل سعادة” المنشورة في مجلة التراث العربي عام 1980 إلى أن تخطيط المبنى يتلاءم مع هذه الوظائف من خلال مداخله المتعددة وأروقته وقاعاته الواسعة التي يُرجح أن بعضها استُخدم مستودعات، فيما خُصصت غرف قرب المدخل لأعمال الإدارة ومتابعة البضائع.
ومن هنا لا يمكن النظر إلى خان الدخان بوصفه بناءً تجاريًا منعزلًا بل بوصفه شاهدًا على جانب من تاريخ اللاذقية الاقتصادي والاجتماعي وعلى الدور الذي أدته المدينة في تجارة الساحل السوري.
وخلال القرن التاسع عشر انتقلت ملكية المبنى إلى “الياس مرقص” قنصل روسيا في اللاذقية آنذاك. وبعد وفاته باع ابنه جرجس العقار إلى التاجر والمزارع “إبراهيم نصري” بينما استمرت إدارة حصر التبغ في استئجار المبنى واستخدامه لأغراضها التجارية.
وتوضح المصادر التاريخية أن المبنى لم يكن مستودعًا فحسب بل ارتبط أيضًا بتنظيم تجارة التبغ وصناعته. ففي عام 1904 بدأ إبراهيم نصري إنشاء منزل لعائلته في الزاوية الجنوبية الغربية من العقار، واكتمل بناؤه عام 1905.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تفسر وجود جزأين مختلفين في تاريخ المكان: بناء الخان القديم ذي الوظيفة التجارية ومنزل سكني أُضيف إليه لاحقًا، ثم أصبح لهذا المنزل شأن مستقل في التحولات السياسية التي شهدتها المدينة.
وفي مطلع القرن العشرين كانت إدارة حصر التبغ تشغل جزءًا من المبنى كما ارتبط المكان بصناعة السجائر. وتذكر الروايات التاريخية أن المنشأة كانت تضم عددًا كبيرًا من العمال والعاملات ما يعكس أهمية التبغ في اقتصاد اللاذقية خلال تلك الفترة.
وقد أدت الحرب العالمية الأولى إلى تحول جديد في تاريخ العقار. فبعد مغادرة أسرة نصري اللاذقية، استولت السلطات العثمانية على المنزل خلال الحرب وتذكر الروايات أنه استُخدم مقرًا للمتصرف فيما استمرت إدارة حصر التبغ في شغل أجزاء من البناء القديم.
وفي تشرين الثاني عام 1918 دخلت القوات الفرنسية اللاذقية ثم عاد أصحاب المنزل من قبرص عام 1919. واشترت السلطات الفرنسية المنزل وقسمًا من الأرض المجاورة من ميشيل نصري وفق الرواية التاريخية المنشورة عن المبنى.
واستمر النشاط التجاري في أجزاء من العقار خلال السنوات التالية إلى أن انتهت إدارة حصر التبغ من استخدام المبنى في ثلاثينيات القرن العشرين.
وفي عام 1932 اشترت الحكومة الفرنسية أجزاء أخرى من العقار وألحقتها بالمقر الإداري الذي عُرف باسم “المندوبية”. وشهد المبنى في تلك المرحلة تعديلات معمارية واسعة شملت إزالة أجزاء من الطابق العلوي وهدم عدد من الجدران والمنشآت كما أُعيد تنظيم المساحات المحيطة به وتحويلها إلى حديقة واسعة.
وقد أسهمت هذه التغييرات في تشكيل الصورة المعمارية التي نعرفها اليوم إذ بقيت أجزاء مهمة من الأروقة والدعائم والعقود الحجرية بينما اختفت عناصر أخرى من بنائه القديم.
وبعد العدوان الفرنسي على اللاذقية في 5 تموز عام 1945 غادر آخر مندوب فرنسي المبنى ثم أُخلي من استخدامه الإداري الفرنسي ومع ذلك بقي اسم “المندوبية” حاضرًا في الذاكرة الشعبية وهو ما يكشف كيف يمكن لاسم يرتبط بمرحلة سياسية أن يستمر في التداول بعد انتهاء تلك المرحلة بعقود.
شكّلت نهاية سبعينيات القرن العشرين بداية التحول الأهم في مصير المبنى.
ففي تشرين الأول عام 1978 اشترت بلدية اللاذقية العقار المعروف باسم المندوبية. وفي 11 كانون الأول من العام نفسه صدر قرار إداري بتشكيل لجنة لدراسة وضع المبنى التاريخي والأثري وقدمت اللجنة تقريرًا أكد قيمته التراثية.
وفي الأول من نيسان عام 1980، صدر قرار آخر بتشكيل لجنة لإعداد المبنى ليكون مقرًا لدائرة الآثار والعاديات في خطوة مهدت لتحويله إلى مؤسسة ثقافية وأثرية.
وبعد أعمال الترميم والتأهيل افتُتح متحف اللاذقية الوطني في 19 نيسان عام 1986 ليبدأ فصل جديد من تاريخ المكان فبعد أن احتضن البضائع والتجارة والإدارة أصبح فضاءً لحفظ المكتشفات الأثرية والتعريف بتاريخ المحافظة وحضاراتها.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها لم تنقذ مبنى تاريخيًا من الإهمال فحسب، بل أعادت توظيفه لخدمة الذاكرة الثقافية وربطت تاريخه المعماري بتاريخ الآثار التي احتضنها.
وهكذا، فإن تاريخ متحف اللاذقية ليس تاريخ مؤسسة متحفية فقط بل سجل متداخل من التجارة والتحولات السياسية والتغيرات العمرانية والجهود الثقافية التي أعادت للمبنى وظيفته الحضارية.
حبث تكتسب مجموعات المتحف أهميتها من ارتباطها بتاريخ محافظة اللاذقية ومواقعها الأثرية وفي مقدمتها أوغاريت ورأس ابن هاني فضلًا عن شواهد من العصور الكلاسيكية والإسلامية.
وتحضر أوغاريت في هذه الذاكرة بوصفها إحدى أبرز ممالك سورية القديمة التي تركت إرثًا استثنائيًا في تاريخ الكتابة والفكر الديني والأدب والتجارة. وتكتسب الأبجدية الأوغاريتية المؤلفة من ثلاثين علامة مسمارية مكانة خاصة في هذا الإرث إذ تمثل أحد أهم الإنجازات الكتابية في الشرق القديم.
ومن هنا فإن قيمة المتحف لا تكمن في القطع المعروضة وحدها بل في قدرته على تفسير سياقاتها التاريخية وربطها بالمواقع التي خرجت منها لتصبح الآثار وثائق حية تروي تاريخ الإنسان السوري وصلاته بالعالم المتوسطي.
والمتحف اليوم..بعد سنوات من توقف النشاط المتحفي وإغلاق قاعات العرض شهد المتحف خطوات جديدة لاستعادة حضوره الثقافي.
ففي عام 2025 أُعلن عن أعمال تأهيل شملت الحديقة المحيطة بالمبنى وتحسين إنارتها والعناية بمرافقها. وفي 18 أيار 2026 بالتزامن مع اليوم العالمي للمتاحف افتُتحت أول قاعة عرض متحفية مغلقة منذ عام 2012 وعُرضت فيها مجموعة من القطع الأثرية ضمن فعالية ثقافية وفنية شاركت فيها جهات أكاديمية وتطوعية.
وقد عُدّت هذه الخطوة بداية لمرحلة أوسع من الترميم والتأهيل تمهيدًا لإعادة افتتاح بقية قاعات العرض.
لكن افتتاح قاعة واحدة لا يعني اكتمال إعادة افتتاح المتحف بجميع أقسامه وهو ما يستدعي متابعة الإعلانات الرسمية المتعلقة بمواعيد الزيارة واستكمال الأعمال.
وإن استعادة متحف اللاذقية الوطني لدوره تتطلب مواصلة أعمال الترميم وحماية المجموعات الأثرية وتحديث أساليب العرض والتوثيق وتوفير المعلومات العلمية الدقيقة للزوار والباحثين.
كما تبرز أهمية تعزيز الصلة بين المتحف ومواقع المحافظة ولا سيما أوغاريت ورأس ابن هاني بحيث يصبح المتحف حلقة وصل بين المكتشفات الأثرية والبحث العلمي والوعي المجتمعي.
فالمتحف ليس مخزنًا للحجارة القديمة بل مؤسسة تصون الذاكرة وتمنحها معنى وتربط الأجيال بتاريخ أرضها وحضارتها.
من خان الدخان إلى متحف اللاذقية الوطني تغيرت وظيفة المكان مرات عديدة من التجارة والتخزين إلى الإدارة، وصولًا إلى حفظ الآثار والذاكرة الحضارية.
واليوم، مع الخطوات الجديدة لإحياء المتحف تتجدد الآمال بأن يستعيد هذا الصرح الحضاري دوره كاملًا، وأن تعود قاعاته فضاءً للمعرفة والبحث ونافذةً يطل منها أبناء اللاذقية وزوارها على تاريخ الساحل السوري العريق.
فالحجارة لا تتكلم وحدها إنها تحتاج إلى من يصونها ويقرأ أسرارها وينقل حكايتها إلى الأجيال المقبلة.

عاشق أوغاريت..غسان القيّم..
.
المراجع الرسمية والتاريخية.
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””
وزارة الثقافة السورية المديرية العامة للآثار والمتاحف، “متحف اللاذقية الوطني” بطاقة التعريف بالمتحف وسجلاته الرسمية.
المديرية العامة للآثار والمتاحف سجلات القطع والمجموعات الأثرية الخاصة بمتحف اللاذقية الوطني.
تقارير وزارة الثقافة السورية ووكالة الأنباء السورية “سانا” المتعلقة بأعمال تأهيل متحف اللاذقية الوطني وحديقته والفعاليات المقامة فيه.
سجلات بلدية اللاذقية والوثائق الإدارية المتعلقة بملكية المبنى ووظائفه السابقة وأعمال ترميمه
الدراسات الأكاديمية والتاريخية
أرشيف المتحف الوطني في اللاذقية بما يشمل سجلات الافتتاح والترميم والجرد والقطع الآثرية
جبرائيل سعادة “قصة بناء أثري” مجلة التراث العربي اتحاد الكتاب العرب دمشق العدد 3.. الصادرة بتاربخ 15 تشرين الأول 1980. وهو المرجع الأهم في تتبع ملكية المبنى وتغير وظائفه وتحولاته المعمارية.
التاريخ السوري المعاصر
“خان الدخان – متحف اللاذقية” موقع التاريخ السوري المعاصر ويتضمن تفاصيل عن تاريخ العقار والقرارات الإدارية الصادرة عامي 1978 و1980.
التاريخ السوري المعاصر
“المتحف الوطني باللاذقية: ذاكرة حضارية تجمع بين الماضي والحاضر” صحيفة الوحدة .. 3 حزيران 2026.
وكالة سانا “فعاليات ثقافية وفنية في المتحف الوطني باللاذقية احتفاءً باليوم العالمي للمتاحف” 18 أيار 2026 لتوثيق افتتاح أول قاعة عرض بعد إغلاقها منذ عام 2012.
الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا.
.

أخر المقالات

منكم وإليكم