
الصحفي: سعد فنصة
ملخص فلسفة الغباء عند ديتريش بونهوفر –
من رسائل السجن 1943، وهو في زنزانة الإعدام النازي:
بونهوفر لا يرى الغباء نقيض الذكاء، بل نقيض الفهم الأخلاقي.
الغباء ليس عيباً عقلياً بل عيباً أخلاقياً-اجتماعياً:
الغبي ليس من يفشل في حل معادلة، بل من يفقد القدرة على رؤية الحقيقة رغم وضوحها. لذلك يمكن لرجل ذكي جداً أن يكون غبياً تماماً عندما يقع تحت تأثير منظومة: اجتماعية، حزبية، دينية، سياسية.
الغباء مُعدٍ وجماعي:
لا يولد الإنسان غبياً فردياً، بل يُصنع الغباء داخل الجماعة. حين ينتمي الفرد لحركة جماهيرية، حزب، طائفة، سلطة مطلقة، يتخلى طوعاً عن استقلاله الداخلي. هنا يتحول إلى أداة.
بونهوفر يقول: “الغباء يصيب الجماعات أكثر مما يصيب الأفراد”.
السلطة تصنع الغباء:
هنا تكمن جوهر نظريته. عندما ترتفع سلطة شخص أو نظام فوق النقد، يصبح الناس أغبياء. ليس لأنهم لا يعرفون، بل لأنهم فقدوا الإرادة على التفكير المستقل. السلطة المطلقة تحتاج إلى غباء جماهيري لكي تستمر.
الغبي أخطر من الشرير:
الشرير يعرف أنه شرير ويمكنك أن تحتاط منه، يمكنك أن تكشفه وتحاججه. أما الغبي فهو مقتنع أنه على حق، وهو راضٍ تماماً عن نفسه. لذلك لا يمكن إقناعه بالحج، بل فقط بـ “تحريره” من سلطته الداخلية. لهذا قال: “ضد الغباء نحن عُزّل”.
ويقصد العجز الكامل أمام غياب المنطق: عندما تواجه شخصاً يرتكب “الشر”، يمكنك الاحتجاج ضده، أو كشف ألاعيبه، أو استخدام القوة والقانون لمنعه.
أما عندما تواجه “الغباء” (بمعنى الانغلاق الفكري التام وتبني الأوهام والجهل العنادي)، فإنك تصبح أعزل بلا سلاح؛ لأن الشخص المستهدف لا يستمع للمنطق .
الخلاص ليس بالتعليم بل بالتحرر:
لا يُعالج الغباء بكثرة المعلومات. تعطي الغبي ألف كتاب فيزداد غباءً لأنه سيؤولها لصالح غبائه. علاجه الوحيد هو تحريره من التبعية، أن يستعيد استقلاله الأخلاقي الداخلي، أن يجرؤ على قول “لا” للجماعة.
خلاصة بونهوفر التي كتبها قبل إعدامه بأشهر: الغباء هو الاستسلام الطوعي للإنسان عن حقه في أن يكون إنساناً حراً يفكر.
ولهذا كان يرى أن مهمة المقاومة ضد النازية ليست فقط إسقاط هتلر، بل تحرير الشعب الألماني من الغباء الذي جعله يصفق له.
هذا ما يجعل نظريته اليوم تصلح تماماً لتفسير ظاهرة “الاستبداد” التي كتب عنها ايضا المفكر عبد الرحمن الكواكبي (الاستبداد لا يصنع عبيداً فقط، بل يصنع أغبياء يدافعون عنه).


