المصوّرون ضحايا ذاكرة ضائعة صنعنا الصور وبقيت في خزائن الصحف والوكالات
الصحف صنعت المصوّر كما تريده مموّلَ صورٍ يخاطر بحياته ويحلم بصورته على الصفحة الأولى
من نافذة السرايا الحكومية المدمّرة إبان الحرب الأهلية، كانت كاميرتي تنظر نحو «ساحة السور وساحة رياض الصلح»، إلى جزء من المنطقة التي كان البيروتيون يختصرون اسمها بكلمة واحدة: «البلد».
هذه الصورة واحدة من مجموعة قليلة استطعت الاحتفاظ بها من تلك السنوات. أعود إليها اليوم، لا لأستعيد مشهد بيروت وحده، بل لأفتح من خلالها سؤالاً يلاحقني منذ سنوات، ويطرحه عليّ كثيرون:
صورة لنص يسأل
أين أرشيفكم؟ أين آلاف الصور التي التقطتموها خلال الحرب الأهلية؟ ولماذا لا يملك معظم مصوري تلك المرحلة صورهم؟
الجواب ليس بسيطاً، ولا أستطيع أن أتحدث باسم الجميع، لكنني أستطيع أن أتحدث عن تجربة جيل من المصورين الصحافيين الذين عاشوا تلك السنوات،
لنبدأ من عندنا نحن المصورون،كنا نعمل تحت ضغط أمرين يسبقان كل شيء
أن نبقى أحياء، وأن نقبض راتباً يسمح لنا بأن نعيش.
كان الموت جزءاً من يوميات المهنة. يخرج المصور إلى الشارع ولا يعرف دائماً أن كان سيعود. ومن كان يسقط منا ، يصبح في اليوم التالي صورة صغيرة وخبراً على الصفحة الأولى، ثم تمضي الجريدة إلى عدد جديد، وتمضي الحرب إلى ضحايا جدد، ويمضي هو إلى عالم النسيان وعائلته الى عالم الأهمال.
أما من يعود سالماً، فكان كثيراً ما يسمع عبارة مدير التحرير “الحمد لله على السلامة انتبهوا على حالكم” تحمّسه العبارة، فيحمل كاميرته في اليوم التالي ويخرج من جديد، في رحلة أخرى على حافة الموت، وبين رصاص المتقاتلين المخدوعين.
لم نكن نفكر في الأرشيف كما نفكر فيه اليوم. لم ندرك جميعاً أن ” النيغاتيف” الذي نحمله في كاميراتنا ليس مجرد مادة لعدد الغد، بل قطعة من ذاكرة بلد، ستصبح بعد عقود وثيقة تاريخية، إذا كُتب لها أن تُحفظ؟!!!!، ولكن للأسف
كانت فرحة المصور الكبرى أن تصل إحدى صوره إلى الصفحة الأولى، ترافقها كلمة: “برافو صورتك حلوة”. كانت الـ” برافو” مكافأة معنوية وحماسية، وكانت صورة الصفحة الأولى أشبه بغنيمة مهنية.
هكذا صنعت المؤسسات جزءاً من أولوياتنا، وصنعت معها المصور الصحافي كما تريده”مموّلاً للصور” ، يفرح لنشر صوره ، وبعد ذلك التمويل، لا يعني لها هو وكاميرتي وكيف يعيش.
صنع بعض مسؤولي الصحافة والإعلام يومها مصوراً يملك شجاعة الوصول إلى الحدث مهما بلغت خطورته، والعودة بصور قوية تزيد من مبيع الصحيفة وتزيد حضورها أمام القراء. كانت أولويتهم الحصول على “النيغاتيف”، أما آخر ما كان يعنيهم مصير “مصور النيغاتيف” نفسه.
وهناك حقيقة أخرى لا يجوز تجاهلها، تضاف إلى عدم وعينا يومها بأهمية الصور والنيغاتيف. كثيرون منا لم يدخلوا التصوير الصحافي من أبواب الجامعات أو المعاهد المتخصصة ليتعرفوا إلى المهنة وحقوقها وظلالها. دفعتنا الحرب والظروف الاجتماعية إلى المهنة. جاء بعضنا من القرى، وبعضنا من الأحياء الشعبية لبيروت ، وتعلّمنا التصوير في الشارع، وبين المتاريس، وعلى خطوط النار.
كانت الجبهة مدرستنا، والكاميرا كتابنا، والصورة امتحاننا اليومي وكان النجاح الأول أن نبقى أحياء.
لكن هنا يبدأ السؤال الأكثر إيلاماً:
إذا كان المصور، تحت ضغط الحرب والموت والحاجة إلى الراتب، لم يدرك يومها القيمة المستقبلية الهائلة لأرشيفه، فماذا عن المؤسسات الصحافية التي كانت تدرك قيمة الصورة وتحتفظ بها؟
هنا تكمن المأساة.
كان المصور يعود من مهمته ويسلّم أفلامه ونيغاتيفه إلى المؤسسة، من دون اعتراض، وفي كثير من الأحيان من دون أن يكون له حق الاعتراض أصلاً. تحفظ الصور في أرشيفها، وتُستخدم وتُباع ويُعاد نشرها كما تريد، فيما كان يُنظر إلى هذا الإنتاج باعتباره ملكاً للمؤسسة التي يعمل لديها المصور.
وفي تجارب كثيرة، لم يكن حصول المصور حتى على نسخة من أعماله أمراً مضموناً. وكانت المؤسسات تستند إلى فهمها لقوانين العمل والإعلام والعقود لتعتبر أن ما ينتجه المصور أثناء عمله يدخل ضمن حقوقها هي وحدها.
وهنا يصبح السؤال عن الأرشيف سؤالاً عن ميزان قوة لم يكن متكافئاً أصلاً: مؤسسة تملك المال والأرشيف والإدارة وقرار النشر والبيع، وفي الجهة المقابلة مصور يحمل كاميرته ويحتاج إلى راتبه، ويعرف أن الاعتراض قد يعني خسارة عمله. وبين الاثنين بقي النيغاتيف في خزائن المؤسسة، فيما بقيت المخاطرة في جسد المصور وذاكرته.
وهكذا، وبعد كل هذه السنين، وجد كثير من المصورين أنفسهم أمام مفارقة قاسية: هم الذين كانوا خلف الكاميرا، وهم الذين أرّخوا الحدث، وهم الذين خاطروا، وهم الذين ضغطوا على زر الغالق، لكن تاريخهم المصوّر وُضع بعيداً عنهم، في خزائن الصحافة اللبنانية والوكالات الأجنبية، واليوم لا يستطيع كثير منهم حتى معرفة أين أصبح. صارت صورهم جزءاً من عالم مجهول بالنسبة إليهم.
لم نكن يومها نفكر في أن هذه الصور ستكون ذاكرتنا بعد خمسين عاماً. كان همّنا أكثر بساطة وقسوة في آن واحد. مصورون كثر ماتوا ضحايا الحرب وصورهم. مجهولة المكان. فالصورة قد تكون أطول عمراً من صاحبها، لكنها قد تصبح أقصر عمراً من ذاكرتها إذا وقعت في أيدٍ لا تقرأ التاريخ ولا تعرف قيمته.
صنعتنا مؤسساتنا الصحافية اللبنانية والأجنبية كما تريد، ومعها ظروف الحرب أيضا، موظفين لا يحق لهم أن يخافوا، علينا أن نذهب، وأن نصوّر، وأن ننجو من الموت. وكان المطلوب أن نكون سعداء لمجرد عودتنا إلى الصحيفة أو البيت، وأسعد حين نقبض راتبنا آخر الشهر، أما صورتنا على الصفحة الأولى فكانت كنز الكنوز وبطولة نتميّز بها بين زملائنا.
أما “النيغاتيف”، فكان علينا أن ننساه، كأنه خارج الراتب وخارج البطولة وخارج حقوقنا.
واليوم، صار ذلك” النيغاتيف ” نفسه، وصارت صور الحرب والأحداث التي حسبناها يومها مجرد صور لأخبار ستموت في الغد، أثمن ما نفتش عنه. اكتشفنا متأخرين أنها لم تكن ملكاً للحظة ، بل كانت جزءاً من ذاكرتنا الشخصية، وذاكرة المهنة، وذاكرة لبنان.
وأعود إلى صورتي هذه، من نافذة السرايا المدمّرة، فأفكر كم كنت محظوظاً لأنها بقيت معي ومجموعة قليلة منسوخة من صور صغيرة احتفظت بها، وأحببت ان اضيف هذه الصور للنص دون ربط سياسي بينهما. مجرد صور لتأكيد ان كاميراتنا كانت حينها شاهدة حقيقة على ما حدث.
وأخيرا خلاصة حزينة معجونة بالألم النفسي: “في الحرب الأهلية، صنعنا الصورة بأعيننا، وحملنا أجسادنا إلى حافة الموت من أجلها، وضغطنا بأصابعنا زرّ الغالق ثم خرجنا من الحرب لا نملك “نيغاتيف” ذاكرتنا “.
المصوّرون ضحايا ذاكرة ضائعة صنعنا الصور وبقيت في خزائن الصحف والوكالات
الصحف صنعت المصوّر كما تريده مموّلَ صورٍ يخاطر بحياته ويحلم بصورته على الصفحة الأولى
من نافذة السرايا الحكومية المدمّرة إبان الحرب الأهلية، كانت كاميرتي تنظر نحو «ساحة السور وساحة رياض الصلح»، إلى جزء من المنطقة التي كان البيروتيون يختصرون اسمها بكلمة واحدة: «البلد».
هذه الصورة واحدة من مجموعة قليلة استطعت الاحتفاظ بها من تلك السنوات. أعود إليها اليوم، لا لأستعيد مشهد بيروت وحده، بل لأفتح من خلالها سؤالاً يلاحقني منذ سنوات، ويطرحه عليّ كثيرون:
صورة لنص يسأل
أين أرشيفكم؟ أين آلاف الصور التي التقطتموها خلال الحرب الأهلية؟ ولماذا لا يملك معظم مصوري تلك المرحلة صورهم؟
الجواب ليس بسيطاً، ولا أستطيع أن أتحدث باسم الجميع، لكنني أستطيع أن أتحدث عن تجربة جيل من المصورين الصحافيين الذين عاشوا تلك السنوات،
لنبدأ من عندنا نحن المصورون،كنا نعمل تحت ضغط أمرين يسبقان كل شيء
أن نبقى أحياء، وأن نقبض راتباً يسمح لنا بأن نعيش.
كان الموت جزءاً من يوميات المهنة. يخرج المصور إلى الشارع ولا يعرف دائماً أن كان سيعود. ومن كان يسقط منا ، يصبح في اليوم التالي صورة صغيرة وخبراً على الصفحة الأولى، ثم تمضي الجريدة إلى عدد جديد، وتمضي الحرب إلى ضحايا جدد، ويمضي هو إلى عالم النسيان وعائلته الى عالم الأهمال.
أما من يعود سالماً، فكان كثيراً ما يسمع عبارة مدير التحرير “الحمد لله على السلامة انتبهوا على حالكم” تحمّسه العبارة، فيحمل كاميرته في اليوم التالي ويخرج من جديد، في رحلة أخرى على حافة الموت، وبين رصاص المتقاتلين المخدوعين.
لم نكن نفكر في الأرشيف كما نفكر فيه اليوم. لم ندرك جميعاً أن ” النيغاتيف” الذي نحمله في كاميراتنا ليس مجرد مادة لعدد الغد، بل قطعة من ذاكرة بلد، ستصبح بعد عقود وثيقة تاريخية، إذا كُتب لها أن تُحفظ؟!!!!، ولكن للأسف
كانت فرحة المصور الكبرى أن تصل إحدى صوره إلى الصفحة الأولى، ترافقها كلمة: “برافو صورتك حلوة”. كانت الـ” برافو” مكافأة معنوية وحماسية، وكانت صورة الصفحة الأولى أشبه بغنيمة مهنية.
هكذا صنعت المؤسسات جزءاً من أولوياتنا، وصنعت معها المصور الصحافي كما تريده”مموّلاً للصور” ، يفرح لنشر صوره ، وبعد ذلك التمويل، لا يعني لها هو وكاميرتي وكيف يعيش.
صنع بعض مسؤولي الصحافة والإعلام يومها مصوراً يملك شجاعة الوصول إلى الحدث مهما بلغت خطورته، والعودة بصور قوية تزيد من مبيع الصحيفة وتزيد حضورها أمام القراء. كانت أولويتهم الحصول على “النيغاتيف”، أما آخر ما كان يعنيهم مصير “مصور النيغاتيف” نفسه.
وهناك حقيقة أخرى لا يجوز تجاهلها، تضاف إلى عدم وعينا يومها بأهمية الصور والنيغاتيف. كثيرون منا لم يدخلوا التصوير الصحافي من أبواب الجامعات أو المعاهد المتخصصة ليتعرفوا إلى المهنة وحقوقها وظلالها. دفعتنا الحرب والظروف الاجتماعية إلى المهنة. جاء بعضنا من القرى، وبعضنا من الأحياء الشعبية لبيروت ، وتعلّمنا التصوير في الشارع، وبين المتاريس، وعلى خطوط النار.
كانت الجبهة مدرستنا، والكاميرا كتابنا، والصورة امتحاننا اليومي وكان النجاح الأول أن نبقى أحياء.
لكن هنا يبدأ السؤال الأكثر إيلاماً:
إذا كان المصور، تحت ضغط الحرب والموت والحاجة إلى الراتب، لم يدرك يومها القيمة المستقبلية الهائلة لأرشيفه، فماذا عن المؤسسات الصحافية التي كانت تدرك قيمة الصورة وتحتفظ بها؟
هنا تكمن المأساة.
كان المصور يعود من مهمته ويسلّم أفلامه ونيغاتيفه إلى المؤسسة، من دون اعتراض، وفي كثير من الأحيان من دون أن يكون له حق الاعتراض أصلاً. تحفظ الصور في أرشيفها، وتُستخدم وتُباع ويُعاد نشرها كما تريد، فيما كان يُنظر إلى هذا الإنتاج باعتباره ملكاً للمؤسسة التي يعمل لديها المصور.
وفي تجارب كثيرة، لم يكن حصول المصور حتى على نسخة من أعماله أمراً مضموناً. وكانت المؤسسات تستند إلى فهمها لقوانين العمل والإعلام والعقود لتعتبر أن ما ينتجه المصور أثناء عمله يدخل ضمن حقوقها هي وحدها.
وهنا يصبح السؤال عن الأرشيف سؤالاً عن ميزان قوة لم يكن متكافئاً أصلاً: مؤسسة تملك المال والأرشيف والإدارة وقرار النشر والبيع، وفي الجهة المقابلة مصور يحمل كاميرته ويحتاج إلى راتبه، ويعرف أن الاعتراض قد يعني خسارة عمله. وبين الاثنين بقي النيغاتيف في خزائن المؤسسة، فيما بقيت المخاطرة في جسد المصور وذاكرته.
وهكذا، وبعد كل هذه السنين، وجد كثير من المصورين أنفسهم أمام مفارقة قاسية: هم الذين كانوا خلف الكاميرا، وهم الذين أرّخوا الحدث، وهم الذين خاطروا، وهم الذين ضغطوا على زر الغالق، لكن تاريخهم المصوّر وُضع بعيداً عنهم، في خزائن الصحافة اللبنانية والوكالات الأجنبية، واليوم لا يستطيع كثير منهم حتى معرفة أين أصبح. صارت صورهم جزءاً من عالم مجهول بالنسبة إليهم.
لم نكن يومها نفكر في أن هذه الصور ستكون ذاكرتنا بعد خمسين عاماً. كان همّنا أكثر بساطة وقسوة في آن واحد. مصورون كثر ماتوا ضحايا الحرب وصورهم. مجهولة المكان. فالصورة قد تكون أطول عمراً من صاحبها، لكنها قد تصبح أقصر عمراً من ذاكرتها إذا وقعت في أيدٍ لا تقرأ التاريخ ولا تعرف قيمته.
صنعتنا مؤسساتنا الصحافية اللبنانية والأجنبية كما تريد، ومعها ظروف الحرب أيضا، موظفين لا يحق لهم أن يخافوا، علينا أن نذهب، وأن نصوّر، وأن ننجو من الموت. وكان المطلوب أن نكون سعداء لمجرد عودتنا إلى الصحيفة أو البيت، وأسعد حين نقبض راتبنا آخر الشهر، أما صورتنا على الصفحة الأولى فكانت كنز الكنوز وبطولة نتميّز بها بين زملائنا.
أما “النيغاتيف”، فكان علينا أن ننساه، كأنه خارج الراتب وخارج البطولة وخارج حقوقنا.
واليوم، صار ذلك” النيغاتيف ” نفسه، وصارت صور الحرب والأحداث التي حسبناها يومها مجرد صور لأخبار ستموت في الغد، أثمن ما نفتش عنه. اكتشفنا متأخرين أنها لم تكن ملكاً للحظة ، بل كانت جزءاً من ذاكرتنا الشخصية، وذاكرة المهنة، وذاكرة لبنان.
وأعود إلى صورتي هذه، من نافذة السرايا المدمّرة، فأفكر كم كنت محظوظاً لأنها بقيت معي ومجموعة قليلة منسوخة من صور صغيرة احتفظت بها، وأحببت ان اضيف هذه الصور للنص دون ربط سياسي بينهما. مجرد صور لتأكيد ان كاميراتنا كانت حينها شاهدة حقيقة على ما حدث.
وأخيرا خلاصة حزينة معجونة بالألم النفسي: “في الحرب الأهلية، صنعنا الصورة بأعيننا، وحملنا أجسادنا إلى حافة الموت من أجلها، وضغطنا بأصابعنا زرّ الغالق ثم خرجنا من الحرب لا نملك “نيغاتيف” ذاكرتنا “.


