المصممة السورية الأمريكية #عايدة_دالاتي
تقف الباحثة ومصممة الأزياء السورية الأمريكية عايدة دالاتي كشاهدةعلى الأزياء التراثية السورية ولدت عايدة لأب سوري وأم أمريكية، ونشأت في مناخ من الهوية المزدوجة التي غذّت بداخلها شغفاً مبكراً بالتفاصيل؛ فمن تأمل أثواب جدتها العتيقة المنسوجة عام 1930، إلى جولات طفولتها في أزقة سوق الحميدية العريق بدمشق، تشكّل وعيها الفني الذي قادها لاحقاً لدراسة تصميم الأزياء أكاديمياً في الولايات المتحدة لتجمع في مسيرتها الممتدة لأكثر من 40 عاماً بين سحر الشرق وعصرنة الغرب من خلال استوديو التصميم الخاص بها في كاليفورنيا، حيث طوّعت البروكار والمنسوجات الشرقية في أزياء معاصرة تحاكي الذوق العالمي.
تحولت رحلة دالاتي من مجرد مسيرة في عالم الموضة، إلى مشروع وثائقي وإنساني رائد؛ فبالتعاون مع وزارة الثقافة السورية، تولّت قيادة مشروع متحفي ضخم لتصنيف وتوثيق أرشيف الأزياء في قصر العظم بدمشق، منشئةً قاعدة بيانات متكاملة تضم 1000 قطعة تراثية، وأشرفت بنفسها على إعادة تنسيق غرف الأزياء بالمتحف لتعيد النبض إلى تاريخ مهمل. ولم ينفصل هذا الجهد البحثي عن روحها الإنسانية؛ إذ أسست عام 2021 مبادرة “لورا الرقة للخياطة” لتمكين النساء الحرفيات، وأمهات الشهداء، وزوجات المعتقلين، محولةً التطريز من حرفة جمالية إلى أداة للصمود واستمرار الحياة عبر توفير مصادر دخل مستدامة لهن.
وقد أثمرت هذه العقود من البحث الميداني والأكاديمي إصدارين توثيقيين بارزين؛ جاء الأول ككتالوج دراسي غني يحمل عنوان “سوريا، حضارة نسيجية – المجلد الأول” في 113 صفحة، مستعرضاً حوالي 90 فستاناً تراثياً عبر 170 صورة توضيحية، مركزاً بشكل خاص على أزياء منطقة القلمون السورية بناءً على الأرشيف الذي وثقته من قصر العظم عام 2025.
أما مشروعها الأنثروبولوجي الأعمق فتجلى في كتابها “الأزياء السورية: الميثولوجيا والرمزية في المجتمعات السورية”، وهو نتاج أربع سنوات من التنقيب المعرفي الذي يطرح فلسفة رائدة ترى في الثوب السوري التقليدي “مدونة تاريخية بديلة” كتبت عليها المرأة تاريخ بلادها وجغرافيتها عوضاً عن السطور والكتب.
في هذه الدراسة المعمقة، تفكك دالاتي الروابط بين الهوية والأسطورة؛ فتتتبع الأصول الميثولوجية الغائرة في القدم لنقوش التطريز السورية، رابطةً الأشكال الهندسية لغرز أثواب “القندورة” في ريف إدلب وسراقب بالزخارف الأثرية المكتشفة على فخاريات حضارة إيبلا القديمة. كما يكشف الكتاب عن بُعد سيكولوجي وميثولوجي للحياكة، حيث كان تكثيف التطريز وتقوية التماسات عند فتحات الثوب كالرقبة والأكمام والحواف بمثابة “دروع بصرية” مصممة في الموروث الشعبي لحماية المرأة من الشرور والعناصر المؤذية. ويمتد الفهرس البصري للكتاب ليغطي جغرافيا سورية متنوعة، من تقاليد الحياكة في كفر تخاريم، والمؤثرات البيئية لمرتفعات الجولان وريف دمشق على ألوان الأقمشة، وصولاً إلى أثواب السخنة البدوية، وأثواب محردة الحمصية المصنوعة من القطن المغزول يدوياً والمصبوغة بالنيلين الأزرق، والتي تتداخل حياكتها كبيوت الشعر. ولا ينعزل الكتاب بالثوب السوري محلياً، بل يتتبع شبكات التبادل التجاري والثقافي عبر طريق الحرير التي ربطت الشام بحوض المتوسط والأناضول والبلقان. ولإضفاء قيمة فنية توازي القيمة البحثية، يضم الكتاب 150 صورة فوتوغرافية عالية الدقة لقطع نادرة، صممت دالاتي كواليس تصويرها بخلفيات مستوحاة من ألوان “حجر المزة” الدمشقي والورود الجورية لإبراز تباين خيوط البروكار بدقة متناهية.
لا يقف مشروع عايدة دالاتي عند حدود السرد الجمالي لقطع قماشية عتيقة، بل هو فعل مقاومة ثقافية يصون الهوية السورية من التبدد والنسيان. لقد نجحت في تحويل الزي الفلكلوري إلى وثيقة أنثروبولوجية حية تنبض بحكايات الأرض. وبين أرشفة ماضٍ عريق في قصر العظم وصياغة حاضر تمكيني لنساء الداخل، يبقى نتاجها مرجعاً ملهماً وجسراً متيناً يربط أصالة الشرق بآفاق الحداثة
العالمية.
🌷🌷🌷🌷🌷
#سوريات_souriat
سمر عزيز
سام شفيق موعي


