حين يكتب الشعراء أوطانهم بالقصيدة… تكتبهم الأوطان بالمنفى.
الجواهري يئن في غربته، بدوي الجبل يودّع رفاقه من بعيد، الزركلي يموت بعيداً عن دمشق، القوتلي تسكته الجلطة على وقع الجولان.
وبين السطور سؤال يوجع: لماذا ننجب العظماء… ثم نطاردهم؟
نصّ من زمن الحنين المرّ:
“غربة
فكرت أمس في مصائر كبار الشعراء. وتذكرت الجواهري الذي عاش جزءاً من حياته متنقلاً في أوروبا. واستعدت قصيدته ياغريب الدار:
من لهَمٍّ لا يجارى ولآهات حيارى
ولمطويٍّ على الجمر سِراراً وجهارا
طالباً ثأراً لدى الدهر الذي يطلب ثارا
من لناءٍ عاف أهلاً وصحاباً وديارا
تخِذَ الغربة داراً إذ رأى الذل إسارا
إذ رأى العيش مداراة زنيم لا يدارى
وتذكرت أن بدوي الجبل عاش سنوات بعيداً عن الشام التي أحبها، وشاهد مآتم بعض رفاقه في الغربة، فقال:
غاب في الثرى أحباء قلبي فالثرى وحده الحبيب الأثير
وسقوني على الفراق دموعي كيف يُروى من الجحيم الغليل
وكان قد رأى صديقه نبيه العظمة يودع عند الحدود اللبنانية السورية أخاه عادل العظمة الذي لم يستطع العودة إلى الوطن إلا ميتاً في تابوت. ولم يستطع نبيه مرافقته لأنه أيضاً محظور بالنظام السياسي في تلك اللحظة.
في السياق، تذكرت قصيدة خير الدين الزركلي التي حفظناها في المدرسة:
عصفورة النيربين غني واروي حديث الأنين عني
أنا المعنى وما المعنّي غير حنين أذاب مني
شغاف قلبي وحسن ظني
كان خير الدين الزركلي من الوطنيين الذين حكم عليهم الانتداب الفرنسي بالإعدام، مثل نبيه العظمة. وفي أيام الحكم الوطني رحل إلى السعودية، وصار ممثّلها في الجامعة العربية، وتوفي في القاهرة. أما الشاعر عمر أبو ريشة فترك لنا قصائده، لكنه رحل إلى السعودية وتوفي في الرياض. عاش في السعودية أيضاً معروف الدواليبي بعد خروجه من السجن في سورية، وتوفي ودفن في البقيع في المدينة المنورة. وأما بدوي الجبل الذي رجع إلى سورية فقتل في الشارع.
في السياق، تذكرت أن شكري القوتلي، الذي أعلن الجلاء وخفق في أيام الاستقلال، عاش مقطعاً من حياته غريباً، وتوفي في بيروت بجلطة إثر سقوط الجولان. أما الاقتصادي الكبير خالد العظم فصودرت أملاكه في انقلاب سنة 1963 ولجأ إلى لبنان حيث كتب مذكراته، ومات في بيروت.
خلال تصفح هذه المصائر انتبهت إلى النقيض. فرنسا مثلاً قدّرت بيكاسو وأراغون وسارتر ومفكرين ورسامين آخرين لم يشاركوا النظام السياسي الحاكم منظومته الفكرية. لكن جميع الحكومات الفرنسية رأتهم ثروة وطنية، ونفوذاً ثقافياً في العالم. وبتلك الرؤية بقيت تماثيل الملوك في ساحات المدن الأوروبية. وعرضت الصين خلال استقبال الرئيس ترامب اعتزازها بإرثها المعماري الذي شيده أباطرتها، مع أنها تتبنى نظاماً سياسياً بعيداً عنهم وتتقدم المعاصرة. وعرضت له أشجاراً عمرها مئتا سنة، أي أقدم من نظام الحكم. كأنها تنبهنا إلى اتصال حلقات التاريخ التي تؤسس وحدة الشعب وبنيته الروحية. وأن الذاكرة التاريخية، والهوية المعمارية هي الثروات الوطنية الحقيقية.”
المصدر:صفحة الأديبة ناديا خوست.
سوريات_souriat


