كتاب د. المهندس اسعد الاسدي: (المدينة وعلاماتها)..
(صلابة) المادة و(هشاشة) الفراغ..
خالد خضير الصالحي
1
يقدم نص كتاب (المدينة وعلاماتها) للكاتب والمهندس المعماري د. اسعد الاسدي استراتيجا مهما في مقاربة الكتاب ذاته؛ حينما يؤكد “ان النص المكتوب يعيد انتاج نص المدينة، وتلك مهمة ليست لغوية، ولكن هي حصيلة النص المعماري وهو يتعاطى وقائع المدينة، ويعيد انتاجها في تشكل نصه القادم، يترجم النص السردي حكاية الواقع، ويترجم النص المعماري في سرده وقائع المدينة” الفقرة (72)، وهو ما يستدعي منا الاقتصار في كتابتنا هنا عن (النص المعماري) الذي تمتلئ الأمكنة به، وسأترك ما يخص السرد لمن هو اقدر مني فيه..
2
ان منهجيه الكتاب كانت منهجية شيئية فحين يكتب “حين اعتُني بالمبنى بعد سنوات استُبدل خشبُ الشرفات بالواح زجاج لامع رغبة المبنى الاولى التي ميزت الشرفات اغفلت” (62)، فقد تلمس الكاتب (رغبة) المبنى من خلال الواقعة المادية للمبنى.
3
ان معمارية كتاب (المدينة وعلاماتها) يذكرنا بمعمارية كتاب هربرت ريد (معنى الفن) الذي هو مجموعة أحاديث سجلها الناقد البريطاني هربرت ريد لهيئة الإذاعة البريطانية ثم جمعها بفقرات منفصلة ومرقمة في كتاب من أكثر كتب النقد الفني وتاريخ الفن امتاعا.
4
هنالك برأينا مقاربتان فعلت فعليهما في تشكيل تعريف د. اسعد الاسدي للمكان في العمارة المدينية هما المقاربة الشعرية والمقاربة المادية.
المقاربة الشعرية:
ان مقاربات المكان برأينا، نحن المصابين بلوثة الشعر، تجري عبر (طزاجة) الإحساس به، وعندنا شخصيا، نعتمد في مقاربتنا للمكان انها تقسم:
- المتناهي في الكبر: يمنح إحساسا بـ(القداسة) والاندهاش والاتساع واللامتناهي
- المتناهي في الصغر: يمنح إحساسا بـ(الدهشة)..
- المكان المعيش (اليومي): بأمكنته الاليفة (الحميمة) التي اسرف غاستون باشلار في الحديث عنها وفي دراسة الشعر الذي ينبثق عنها، وامكنته العدائية.
ان تصنيفنا هذا يمكن ان يكون صالحا وربما متواشجا مع الرسم التشكيلي وبالأخص مع الفوتوغراف والسينما، وتحديدا من (اللقطة) وقوانينها، حيث تنقسم اللقطة الى: لقطة مفتوحة، ولقطة مغلقة، او في تقسيم (لوي جانيه) في كتابه (فهم السينما) وفيه يزاوج بين زاوية الالتقاط وعناصر المكان وحجم الموضوع وموقعه في اللقطة: اللقطة البعيدة جدا، اللقطة البعيدة، اللقطة الكاملة، اللقطة المتوسطة، اللقطة الكبيرة التي تعمد الى تكبير الشيء مرات عديدة باعتباره براينا نمطا من المتناهي في الصغر، اللقطة الكبيرة جدا، اللقطة ذات البعد البؤري العميق.
5
المقاربة المادية:
يصنف النقاد (احساسهم) بالمكان بطريقة (مادية)، فكما يؤكد الناقد البريطاني هربرت ريد، ان مقاربتنا للعمارة تنطلق من التفكير بالحجوم (الأشكال)، أي بالمادة والفراغ الكامن في ثناياها، فهؤلاء النقاد الشكلانيون خاصة، ومنهم هربرت ريد، يفكرون باعتبار ان “الكتلة فراغ صلب”، ويكمل هربرت ريد، النصف الثاني من هذا التعريف فيعرف “الفراغ بانه عكس الكتلة”، أي ان “الفراغ كتلة فارغة”، ويقدم هربرت ريد مثالين مهمين عن أولوية الكتلة والفراغ في العمارة: فمن الواضح بشكل خاص في فن البناء، فلابد أن نتصور الكاتدرائية باعتبارها عددا من الجدران تضم فيما بينها فراغا، لذا ينبغي حينئذ أن ينظر الى تلك الكاتدرائيات من الداخل، ولكننا اذا نظرنا الى العمارة باعتبارها عددا من الأسطح تحدد كتلة معينة فينبغي حينئذ أن ننظر اليها من الخارج، واهم امثلتها (المعبد الأغريقي) كمثال واضح على القضية الثانية، أي ان المهندس الأغريقي كان يسعى جاهدا على الدوام لكى يتجنب الاحساس بالفراغ أو الخواء، بينما كان المهندس القوطى يسعى جاهدا على الدوام لكي يخلق انطباعا بالفراغ، والانطلاق الذى لا تحده مادة. وكان الاثنان معا يفكران في جانبي القضية: الفراغ والكتلة، بطريقة منفصلة، واعتقد ان الجمع بين هذين العنصرين بوحدة واحدة قد تم على يد (زها حديد) حيث تكون العمارة وحدة واحدة تجمع الكتلة والفراغ في كتلة موحدة واحدة.
6
وجدنا ان اسعد الاسدي يقف موقفا وسطا بين التقسيمات التي ذكرناها؛ فيعتبر (طزاجة) الإحساس في مقاربة المكان هي الأساس؛ لذلك هو ينطلق ويؤسس رؤيته من خلال ثنائية (الصلابة/الهشاشة) لتحديد تعبيرية الأمكنة في المعمار الحديث، وان معمارية المكان عند د. اسعد الاسدي تأخذ بعدا ملمسيا كالذي عند (بيونغ شول هان) في كتابه (خلاص الجمال) الذي أراد فيه ان يجعل (النعومة/الخشونة) مقاربة جمالية للعصر الحديث، بدءا من نعومة أجساد النساء الى نعومة الهواتف الذكية، لتتحول (صلابة) المادة الى وجود ملموس حي، ويتحول الفراغ الى (روح موحشة) او(هشاشة روحية)، رغم ان كليهما يعدان وجودا (ماديا) محسوسا فعنده (6):”الفضاء اعلى المدينة غامر، غير متناه. رصاص ثقيل عصي على الاختراق. يضغط على جسد مدينة محبوسة قريبا من الارض”، حيث يقسم د. الاسدي العمارة الى: مكان (صلب)، ومكان (هش).
وينجح الاسدي في تحقيق مزاوجة مهمة بين المكان/اللقطة وبين المادة/الفراغ، بل ان المدينة عنده متشكلة من طبقتين (مادية) و(روحية): “لا تخلو المدينة (ويعني به الوجود المادي لها)، من المدينة (الوجود الروحي)” (5)، ويطلق حسرة (ص8) “ان المدينة تغفل الفراغ فيها”، وان هذا “الفراغ مزرعة المدينة”، رغم بقاء توجهه في مقاربة المدينة توجه مهندس تحكمه علاقات الفراغ والمادة.
7
يطرح اسعد الاسدي هو من وسطا بين الوجود المادة والعدم الفراغ وهو مفهوم النفاية فيكتب النفاية مقولة متواصلة الوجود في وصف ملامح المدينة النفاية ليست عدما انما هي موجود يجهز نفسه لحظة تنظيم قادمة تختار منه ما تدخله عنايتها وتترك بقيته نفاية مزمنة 57 وكانها منزلة بين المنزلتين التي قالت بها المعتزلة بل كانها الهباءة التي قال بها شاكر حسن ال سعيد وهناء مال الله واسمتها الحافة الحساسة الهباء وهي ناتج الحافة الحساسة التي تتحول فيها التشخيص الى تجريد
8
لا نعرف على وجه الدقة ان كانت القصص القصيرة جدا التي يضمها الكتاب هي التي تنبثق عن المعالم المكانية، هل تظهر قصص بائع الشاي من علاقته بالرصيف المحاذي للمطعم، ام ان حكايات بائع الشاي مناسبة لتوثيق حياة الرصيف.. وهل أراد د. اسعد الاسدي، في (الفقرة 48) ان يتحدث عن (ناصر ابو الجرايد) عبر الساحة، او انه جعله وكشكه المعدني مناسبة ليوثق عنصرا معماريا مهما في البصرة هو ساحة ام البروم..
9
للمدينة عند د. اسعد الاسدي ثلاث مهمات، فهي “تنشغل بحاضرها، تجدد في وجوه اشيائها، تمحو الكثير من صورة ماضيها، تغير في ملامح جدرانها”(17)، والجدران التي يعتبرها شاكر حسن ال سعيد “خطاب ساكني المدن”، هي واحدة من مهمات المدينة التي تجدد ملامحها باستمرار نتيجة الكتابة المتلاحقة عليها تماما كالأطراس التي تتراكب عليها الكتابة كتابة فوق أخرى، وهي مهمة من “تراكم الجدران” التي لا يعتبرها د. اسعد الاسدي انتاجا لعمارة مفكرة..
10
يقترب اسعد الاسد من دعاوى جماعة بغداد في التعبير عن الروح المحلية بقوانين اللوحة المسندية حينما يصف بعض المباني بانها “غاب احساس الانتماء فيها لنمط معماري” (55).
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت .


