أسباب عملية: إعادة النظر في الفلسفة – بيير بورديو
حين لا تكون الأشياء ما تبدو عليه، وحين تكون العلاقات أعمق من الأفراد
يأتي كتاب «أسباب عملية: إعادة النظر في الفلسفة» لبيير بورديو في لحظة متقدمة من مشروعه الفكري، وكأنه محاولة للعودة إلى الأسئلة التي تأسست عليها فلسفته الاجتماعية، ولكن من موقع نقدي أكثر نضجاً. فهو لا يقدم نفسه بوصفه كتاباً في السوسيولوجيا بالمعنى التقليدي فحسب، بل باعتباره محاولة لإعادة التفكير في الطريقة التي نفهم بها الإنسان والمجتمع والعقل والممارسة.
ينطلق بورديو من اعتراض أساسي على ما يسميه التفكير الجوهري (Pensée substantialiste)؛ أي ذلك النمط من التفكير الذي يتعامل مع الأشياء والأفراد والجماعات كما لو كانت كيانات مستقلة وثابتة، تمتلك خصائصها في ذاتها وبصرف النظر عن العلاقات التي تربطها بغيرها.
فاللغة اليومية تقول لنا: هذا غني، وهذا فقير؛ هذا مثقف، وهذا جاهل؛ هذه طبقة اجتماعية، وهذه أخرى؛ هذا ناجح، وذاك فاشل.
لكن السوسيولوجيا، في نظر بورديو، لا ينبغي أن تتوقف عند هذه التصنيفات الجاهزة، لأن ما يبدو لنا حقيقة مستقلة قد يكون في الواقع نتيجة شبكة من العلاقات الاجتماعية والتاريخية.
وهنا تظهر الفكرة المركزية في الكتاب:
لا ينبغي أن نسأل فقط: ما هذا الشيء؟ بل ينبغي أن نسأل: ما موقعه داخل شبكة العلاقات التي تمنحه معناه وقيمته؟
إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين التفكير الجوهري والتفكير العلائقي.
فالفرد، مثلاً، لا يمكن فهمه بوصفه ذاتاً معزولة تمتلك صفات ثابتة؛ إذ إن موقعه الاجتماعي، ورأسماله الثقافي، وتعليمه، وعلاقاته، ومكانته الرمزية، كلها تدخل في تشكيل ما يستطيع أن يكونه وما يستطيع أن يفعله.
ولهذا فإن بورديو لا يلغي الفرد، وإنما يرفض النظر إليه خارج الشروط الاجتماعية التي تجعل أفعاله ممكنة.
وهنا يظهر مفهوم المجال (Champ)، وهو أحد المفاهيم الأساسية في جهازه السوسيولوجي. فالمجتمع ليس كتلة واحدة متجانسة، بل يتكون من مجالات متعددة: المجال الثقافي، والمجال السياسي، والمجال الأكاديمي، والمجال الفني، وغيرها.
ولكل مجال قواعده الخاصة، ومواقع القوة داخله، وأنواع الرأسمال التي تمنح صاحبه قدرة أكبر على التأثير.
ومن هنا يصبح السؤال عن النجاح أكثر تعقيداً مما يبدو.
لماذا ينجح شخص في مجال معين بينما يفشل آخر؟
الإجابة البورديوية لا تبحث أولاً عن «الذكاء» أو «الموهبة» أو «الاجتهاد» باعتبارها صفات فردية خالصة، بل تبحث في الشروط الاجتماعية التي تجعل بعض القدرات قابلة للتحول إلى نجاح.
وهنا يدخل مفهوم الرأسمال (Capital).
فليس هناك رأسمال اقتصادي فقط، وإنما هناك أيضاً رأسمال ثقافي (Capital culturel)، ورأسمال اجتماعي (Capital social)، ورأسمال رمزي (Capital symbolique).
قد يمتلك شخص المال، بينما يمتلك آخر شبكة اجتماعية واسعة، ويمتلك ثالث لغة وثقافة وشهادات تؤهله للنجاح داخل مجال معين.
وهذه الأنواع من الرأسمال يمكن أن تتحول من شكل إلى آخر، فتنتج تفاوتات لا تظهر دائماً في صورة اقتصادية مباشرة.
ومن هنا يصبح المجتمع أكثر تعقيداً من مجرد صراع بين الأغنياء والفقراء.
فقد يمتلك شخص رأس مال اقتصادي كبيراً، بينما يمتلك آخر رأس مال ثقافياً يمنحه مكانة رمزية، وقد يجمع ثالث بين الأنواع المختلفة من الرأسمال.
وهكذا فإن اللامساواة الاجتماعية (Inégalité sociale) لا تنتج فقط عن توزيع غير متساوٍ للثروة، وإنما أيضاً عن توزيع غير متساوٍ للمعارف والشبكات والاعتراف والقدرة على فرض تعريف معين للقيمة.
وهنا نصل إلى مفهوم شديد الأهمية عند بورديو: العنف الرمزي (Violence symbolique).
العنف الرمزي ليس عنفاً جسدياً مباشراً، وإنما هو قدرة فئة أو مؤسسة على فرض تصوراتها ومعاييرها باعتبارها طبيعية ومحايدة وعالمية.
فاللغة التي نتحدث بها، والذوق الذي نعتبره راقياً، والشهادات التي نعتبرها معياراً للكفاءة، وحتى بعض الصور التي نكوّنها عن النجاح والفشل، قد تحمل داخلها تاريخاً من علاقات القوة.
وهنا تصبح الهيمنة أكثر خطورة عندما لا تبدو هيمنة.
فأقوى أشكال السلطة، في المنظور البورديوي، ليست تلك التي تقول لك: «أنا أفرض عليك»، وإنما تلك التي تجعلك ترى ما فُرض عليك باعتباره اختيارك الطبيعي.
وهذا يقودنا إلى مفهوم الهابيتوس (Habitus)، أي مجموع الاستعدادات والميول المكتسبة التي تتشكل داخل التجربة الاجتماعية والتاريخ الشخصي للفرد، وتوجه إدراكه للعالم وممارساته دون أن يحتاج دائماً إلى وعي صريح بها.
فالإنسان لا يدخل العالم الاجتماعي بعقل فارغ.
إنه يحمل معه تاريخاً اجتماعياً متجسداً في طريقة كلامه، وذوقه، وحركاته، وطموحاته، ومخاوفه، وحتى في ما يعتبره ممكناً أو مستحيلاً بالنسبة إليه.
وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار بورديو إثارة:
إن المجتمع لا يوجد خارجنا فقط؛ إنه يسكن داخلنا أيضاً.
فالإنسان قد يرفض بعض القواعد الاجتماعية بوعي، لكنه يظل يحمل داخل جسده وذوقه وتوقعاته آثار العالم الذي تشكل فيه.
وهذا ما يجعل الحرية عند بورديو مسألة معقدة.
فالتحرر لا يعني فقط التخلص من القوانين الظاهرة، بل يعني أيضاً اكتشاف الضرورات الخفية التي تحولت إلى عادات واستعدادات داخلية.
ومن هنا يمكن فهم عنوان الكتاب: «أسباب عملية».
فالإنسان لا يتحرك دائماً وفق حساب عقلاني واعٍ، ولا يتحرك في الوقت نفسه كآلة تخضع بشكل آلي للبنية الاجتماعية. إن الممارسة تقع في منطقة وسطى بين الوعي والبنية، بين الاستراتيجية والاستعداد، بين ما نريده وما تعلمنا أن نريده.
وهذه النقطة تسمح لبورديو بتجاوز الثنائية التقليدية بين الفرد والمجتمع.
فلا الفرد مستقل تماماً عن البنية، ولا البنية تلغي قدرة الفرد على الفعل.
إن الممارسة الاجتماعية تنشأ من تفاعل بين الهابيتوس والمجال والرأسمال.
ومن هنا يمكن قراءة جزء كبير من أعمال بورديو السابقة، مثل «الورثة» و«إعادة الإنتاج» و«التمييز»، باعتبارها تطبيقات عملية لهذا المنظور.
ففي مجال التعليم، مثلاً، لا يكتفي بورديو بالسؤال عن سبب نجاح بعض الطلاب وفشل آخرين، بل يسأل: هل المدرسة تمنح الجميع فرصاً متساوية فعلاً؟
قد تبدو المؤسسة التعليمية محايدة، لأنها تطبق المعايير نفسها على الجميع، لكن المشكلة أن الطلاب لا يدخلون إليها وهم يمتلكون الرصيد الثقافي نفسه.
فابن الأسرة التي تمتلك رأسمالاً ثقافياً مرتفعاً قد يدخل المدرسة وهو يمتلك مسبقاً اللغة والذوق وأنماط التعبير التي تكافئها المؤسسة التعليمية.
وبذلك يمكن أن تتحول المدرسة، من حيث لا تقصد، إلى آلية لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية.
وهنا تتخذ المعرفة نفسها بعداً سياسياً.
فمن يحدد ما يعتبر معرفة مشروعة؟ ومن يقرر ما هو الذوق الراقي؟ ومن يمنح الشهادة التي تجعل شخصاً «خبيراً»؟
إن هذه الأسئلة تكشف أن الرمزي ليس منفصلاً عن السلطة.
وهذا ما يجعل مشروع بورديو بالغ الأهمية في فهم المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية والسياسية.
فالمؤسسة لا تعمل فقط من خلال القوانين، وإنما أيضاً من خلال إنتاج التصنيفات والتسميات والمعايير التي تجعل العالم قابلاً للفهم والتقسيم.
ولهذا فإن علم الاجتماع، عند بورديو، لا ينبغي أن يكتفي بوصف المجتمع، بل عليه أن يمارس نوعاً من الانعكاسية (Réflexivité)؛ أي أن يضع أدواته ومفاهيمه نفسها موضع مساءلة.
فالسوسيولوجي ليس خارج المجتمع الذي يدرسه. إنه جزء من المجال الأكاديمي، ويحمل بدوره رأسمالاً ثقافياً ورمزياً، وقد يكون مشاركاً في علاقات القوة التي يحاول تحليلها.
ومن هنا تأتي أهمية السوسيولوجيا الانعكاسية (Sociologie réflexive).
إن المعرفة الاجتماعية لا تصبح نقدية حقاً إلا عندما تستطيع أن تسأل أيضاً عن موقع صاحب المعرفة نفسه.
وهذه الفكرة تجعل بورديو قريباً من سؤال فلسفي عميق: كيف يمكن للعقل أن يدرس الشروط التي تشكل العقل نفسه؟
إنها مشكلة المعرفة التي تحاول أن تجعل شروط إنتاجها موضوعاً للمعرفة.
وهنا يعود بورديو إلى الفلسفة، لا لكي يستبدل السوسيولوجيا بها، وإنما لكي يعيد التفكير في حدودها ووظائفها.
فالفلسفة التي تتجاهل الشروط الاجتماعية لإنتاج الأفكار قد تقع في وهم استقلال الفكر عن العالم الذي أنتجه.
لكن هذا لا يعني أن الأفكار مجرد انعكاس آلي للطبقات والمصالح؛ فالمجال الفكري يمتلك قواعده واستقلاله النسبي، ولهذا فإن العلاقة بين الفكر والمجتمع عند بورديو ليست علاقة ميكانيكية بسيطة.
إنها علاقة استقلال نسبي وصراع وتفاعل.
وفي هذا تكمن قوة المنظور العلائقي: إنه لا يبحث عن جوهر ثابت خلف الظواهر، وإنما يتتبع العلاقات التي تجعل الأشياء والأفراد والمواقع ما هي عليه.
ومن هنا يمكن تلخيص الدرس الفلسفي العميق للكتاب في عبارة واحدة:
لا يوجد فرد خارج العلاقات، ولا توجد حقيقة اجتماعية خارج تاريخها، ولا توجد قيمة خارج المجال الذي يمنحها قيمتها.
إننا نعتقد أننا نختار، لكن اختياراتنا تحمل تاريخاً اجتماعياً.
ونعتقد أننا نمتلك أذواقنا، لكن أذواقنا تحمل آثار مواقعنا.
ونعتقد أننا نحكم على الأشياء بصورة محايدة، لكن أحكامنا نفسها قد تكون مشبعة بعلاقات القوة.
ولهذا فإن مهمة النقد ليست أن تقول للإنسان: «أنت مخطئ»، وإنما أن تكشف له الشروط التي جعلت خطأه يبدو حقيقة، وجعلت اختياره يبدو اختياراً حراً، وجعلت التفاوت يبدو نتيجة طبيعية للفروق الفردية.
وهنا تبلغ فلسفة بورديو قوتها النقدية: أن تجعل ما يبدو طبيعياً موضوعاً للسؤال.
فالعالم الاجتماعي لا ينبغي أن يؤخذ باعتباره قدراً، لأن ما يبدو ضرورياً اليوم قد يكون نتيجة تاريخ من العلاقات والصراعات والتراكمات.
وبذلك يصبح التفكير العلائقي ليس مجرد تقنية سوسيولوجية، بل أداة لتحرير النظر.
إنه يعلمنا ألا نكتفي بما يظهر أمام أعيننا، وأن نبحث دائماً عن العلاقات الخفية التي تمنح الأشياء معناها ومكانتها وقيمتها.
ولهذا يبقى «أسباب عملية» كتاباً مهماً لكل من يريد فهم المجتمع لا بوصفه مجموعة من الأفراد المتجاورين، وإنما باعتباره نسيجاً من العلاقات والقوى والمواقع والتاريخ.
فما يبدو فردياً قد يكون اجتماعياً، وما يبدو طبيعياً قد يكون تاريخياً، وما يبدو اختياراً حراً قد يكون مشروطاً ببنية لا نراها.
وربما هنا تحديداً تكمن إحدى أهم وظائف الفلسفة والسوسيولوجأن تكشف ما اعتدنا عليه إلى درجة أننا لم نعد نراه.
#غلى ظروب الفلسفة#مجلة ايليت فوتو ارت.


