قصيدة:قلب ينبح وحيداً..للشاعرة السورية: هنادي زرقة.من ملف الشهر الأدبي.

ملف الشهر الأدبي الشاعرة السورية/- هنادي زرقة
Hanadi E Zarka

قلب ينبح وحيداً

يضع البائع السمكة في كيس الثلج.

يقول: طريقك طويل؛ أخاف أن تفسد السمكة.

أفتح الكيس،

أنتقي القطع الكبيرة،

أضعها في تجويف صدري.

طريقي طويل؛ أخاف أن يفسد قلبي.

منذ أن غدت المواصلات قليلةً، بل نادرة،

وأنا أشمُّ رائحة قلبي وهو يتعطن في المسافات الطويلة.

ينفر الأشخاص في الحافلة.

ينبهون السائق: حريق… ثمّة حريق.

ألفُّ قلبي بثوبي.

أقرّعه: فلتخمد … فلتخمد

أهيل عليه التراب.

هل يستحق الأمر هذا العناء؟

أعليَّ أن أصحب قلبي أنّى ذهبتُ؟

سوف أربطه، مثل كلبٍ، على مدخل البيت.

سوف يحرس البيت؛

ينبح وحيداً في الظلام؛

يتلهّى بخيالات العابرين؛

يمضي شيخوخته هادئاً؛

يذبل مثل شجرة الغاردينيا التي امتنعتُ عن سقايتها؛

يذوي بانتظاري؛

ولا يحترق.

الحزن ضيف ثقيل

ضيف ثقيل هو الحزن.

يسعك أن تفكّر في الأمر على هذا النحو،

فتُضْطَرُّ أن تترك له السرير

وتنام على الكنبة.

تستيقظ مرغماً لتعدّ له القهوة

وتشاطره جلسات النميمة.

ثرثار هو الحزن، لا يكفّ عن الكلام.

هكذا، أغمض عينيَّ وأغلق أذنيَّ،

كما اعتدت حين كانت الممرضة تزرق الإبرة في العضل،

وتضحك من تصرفي الطفولي.

أقول لها: هكذا يخفّ الألم!

تقول: كما يغمض محكومٌ بالإعدام عينيه لحظة سحب الكرسي من تحت قدميه.

أو مثل مسافر في الباص ينشغل عن رؤية الدمار على جانبي الطريق بسماع أغنية عن الحبّ!

حسنٌ، كنا نتحدّث عن الحزن.

لا أعلم أين يأخذني هذا الحزن؟

البارحة مثلاً،

لم يستطع النوم.

أيقظني لأسهر معه في الشرفة.

كان الجوّ بارداً.

وضع شالي عليه.

لم يكتف بذلك،

دخّن سجائري أيضاً.

وبقيت بلا سجائر،

في مدينة غريبة.

هل أخبرتكَ كيف تعلمتُ التدخين؟

في البداية، كنت أدخن بقايا سجائر أختي الغاضبة.

رحتُ بعدها أختلس السجائر من إخوتي.

ولأنهم كانوا يرون حزنًا صغيراً يكبر في الرحم،

لم يوبخوني، كما جرت العادة.

ثمّة خلط بدأ يدبُّ في النصّ:

هل الحزن ضيف ثقيل عابر

أم أنّه الطفل المعوَّق الذي أنجبته من رحمي،

وما زلت موشومة به؟

أمشي في الشارع

فيهرب منّا الأطفال

أو يرموننا بالحجارة!

يا لهذا الطفل الشائه!

من غضبي،

أو لأقل من يأسي

وضعته في مشفى المجانين،

في بلد المجانين،

وأنكرت أمومتي،

أنا الأم العاق.

حين كبر أراد أن يتعرّف أمَّه البيولوجية؛

هكذا قيل لي.

بدأ يزورني على فترات متقاربة.

وعلى غفلة مني، نقل أشياءه وسكن معي.

تسلل من الكنبة إلى السرير.

ثم قال لي: أريد العودة إلى رحمك!

خمسة أشياء أفكر بها قبل النوم:

١: أشتهي أن أرقص، ربما لم أخبرك بتلك الرغبة قط!

كما أنني لم أخبرك بأي شيء أحبه،

أو لم تكن تسمعني.

٢: الاحتواء

أو تلك الكلمة التي كنت أحبها “حوشيني”

فأسرح في الحوش، وكأنني أسورك وأنت داخلي،

لكنك قفزت خارج الحوش،

وضفرت يدي بيد الغياب.

٣: التردد في تناول حبوب المنوم

كأن أسمع أم كلثوم ” وانت معاي يصعب علي رمشة عيني ولو شوية ليغيب دلالك دلالك ويغيب جمالك…”

كم مرة لم أستطع النوم قربك،

كنت أحرس نومك….

وأخاف أن يخدشه منام سيء،

أو تلدغك بعوضة صغيرة.

٤: الزمن

أتلو وعودي التي قطعتها لنفسي،

أكررها أمام المرآة

وأحصي تجعيدة زائدة إزاء كل خيبة جديدة.

5: قص – لصق

لو كان العالم الواقعي مثل الافتراضي

أقصك من سريرك

وألصقك قربي.

تناذر الطرف الشبحي:

يحدث، في الليل، أن أمدَّ يدي إلى الطرف الأيسر من السرير،

مثل أعمى يتخبّط في الفراغ:

لستَ هنا!

أمد يدي إلى تجويف صدري الأيسر:

قلبي يحكّني!

أمس فحسب،

وأنا أحثّك على عبور الشارع،

أمسكت بيدك،

يدك السراب،

ثم انتبهت أنّ رجلاً يشبهك

يصرخ بي: أفلتي يدي!

حين وضعت الطعام على الطاولة،

وضعت صحنين،

شردتُ،

كنا اثنين!

في المكتبة الكبيرة في برلين،

أنقّل بصري بين الكتب

عين لك

وعين لي،

ثم لا أنتقي إلّا الكتب التي تحبها.

يقولون: الطرف الذي يوجعك، ابتريه!

حسنٌ، ما الذي لن أبتره؟

بترت كل طرف يذكرني بك،

فآلمني الفراغ.


كان سريري ضيقاً،

لذا حين أنام في سرير واسع فإنني أختار طرف السرير وأحاول أن أبقى في حيز صغير…

في المدن الضيقة نحلم كثيراً، فتتسع الشوارع.

حين منحوني مدينة كبيرة وشوارع فسيحة توقفت عن الأحلام…

في قريتي الصغيرة اعتدت أن أتناول الفواكه حسب المواسم،

هنا، المواسم كلها أمامك ولا فواكه طازجة،

في تلك المدينة البعيدة لم تكن بي حاجة لمعرفة أحوال الطقس على غوغل، كنت أعرف أن هناك موسماً لخروج الثياب الصيفية من الخزانة،

هنا تختلط علي الفصول في يوم واحد،

تقول لي: أنت ثنائية قطب، أضحك من الفكرة،

تارة تحبينني وأخرى تشتمينني،

لا تعرف أنني أخفي عنك فكرتي عن نفسي.

في الواقع، هذه المدينة صيرتني متعددة الأقطاب .

لنعد الآن إلى الواقع: كيف سأبدأ نهاري معك؟

وماذا سأرتدي؟

وأي فاكهة أختار؟

وأي حزن سوف ينصب الفخ لصباحي؟

هنادي زرقة – صوت الشعر السوري بين الحرب والذاكرة

هنادي زرقة شاعرة وصحافية وكاتبة سورية، من مواليد 1974. هي مهندسة زراعية، لكن الشعر كان مهنتها الثانية وبيتها الحقيقي.

أسست خصوصيتها في المشهد الشعري السوري والعربي منذ ديوانها الأول “على غفلة من يديك” 2001. ثم جاء ديوانها الثاني “إعادة الفوضى إلى مكانها” 2006 الذي نال الجائزة الأولى في مسابقة محمد الماغوط للشعر التي نظمتها وزارة الثقافة في دمشق عام 2004، وتلاه “زائد عن حاجتي” 2008.

مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011 وما تلاها من حرب، تحولت كتابتها. بقيت في سوريا، في قرية من قرى الساحل، وعملت بشكل تطوعي مع النازحين داخلياً، خاصة النساء والأطفال. ومن قلب هذه التجربة ولدت أهم دواوينها:

  • “ألزهايمر” 2014: ديوان حظي بإشادة نقدية واسعة، كتبته عن والدتها المصابة بألزهايمر، وعن الذاكرة التي تتآكل بينما الحرب تتوحش في الخارج.
  • “الحياة هادئة في الفيترين” 2016
  • “رأيت غيمة شاحبة سمعت مطراً أسود” 2018 / 2019
  • “مثل قلب على مدخل البيت” و “٤ انت لا تعرف شيئاً عن الحرب و “هل أتاك حديث الغابة؟” – وهو الكتاب الذي فاز مؤخراً بمنحة الصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق” لبرنامج الكتابات الإبداعية.

ملامح عالمها الشعري

تجسد قصائد هنادي ما يسميه النقاد “كتابة نسوية بامتياز، ومن غير تطرف”. هي تكتب عن “المرأة من لحم ودم” – على حد تعبيرها – امرأة حية ومتناقضة وكاملة، بعيداً عن الصورة الرومانسية المُتشيئة التي رسمها الكثير من زملائها الرجال.

الرجل في شعرها ليس عدواً، هو الحبيب والأب والأخ. لكن المرأة هي الذات الفاعلة التي ترصد، تشرّح العالم بمبضع أنيق، وتواجه تغييبها المزمن.

في ديوانيها الأخيرين، الحرب هي الإطار التراجيدي الكبير، لكن داخلها دائماً الحب، الموت، الوحدة، وذكريات الطفولة والعائلة. تقول:

ثمّة حبلُ سرّة وهميّ / يشدّني إلى هذه الأرض / أخاف أن ينقطع / أربط خصري به / أشدّه بإحكام / ثمّة قذيفة لا أعرف أين ستقع / ورصاصة طائشة قد تقطع هذا الهواء السميك.

وتقاوم الخراب بسخرية سوداء نادرة:

ليست الأمور سيئة إلى هذا الحد / ما زال بإمكاني أن أنهضَ صباحاً، وأشتُمَ الحياةَ / وأركلَ الطرقات أمامي.

أكثر من شاعرة

هنادي ليست شاعرة فقط. لها مجموعتان قصصيتان للأطفال، وكتابان لليافعين عن عمر الخيام وفيديريكو غارثيا لوركا. كتبت لصحيفتي السفير والأخبار اللبنانيتين، ومجلة الآداب، وتنشر بانتظام مقالاتها في منصة أوان، وفي البرنامج العربي لإذاعة كوزمو الألمانية.

تُرجمت قصائدها إلى الفرنسية والألمانية والهولندية والإنجليزية والدنماركية والإسبانية. في الدنمارك وحدها صدرت لها ثلاث مجموعات مترجمة.

شاركت عام 2011 في مشروع “الممرات الشعرية” لدار كوريدور الدنماركية، حيث التقى ثلاثة شعراء سوريين وثلاثة دنماركيين. وعندما عادت من كوبنهاغن إلى سوريا، وجدت نفسها شاهدة على حرب ستُصبح إحدى أكبر الكوارث الإنسانية في عصرنا.

منذ ديسمبر 2022، تعيش وتعمل في برلين، بدعوة من برنامج الفنانين في برلين التابع لهيئة التبادل الأكاديمي الألماني DAAD، وبدعم من شبكة المدن الدولية للملاذ الآمن ICORN.

هنادي زرقة هي شاعرة الأرشيف الإنساني السوري. لا تؤرخ للحرب بالأرقام، بل برائحة الرطوبة في البيوت المهجورة، والطحالب التي تنمو على القلب، والحصان الذي تُرك وحيداً ليحرس بيتاً سيموت وحيداً.

أخر المقالات

منكم وإليكم